المقاطعة العربية تضع اقتصاد الدوحة في مأزق

المقاطعة العربية تضع اقتصاد الدوحة في مأزق

المصدر: علا عبدالله- إرم نيوز

تواجه قطر -التي تعد أغني بلد في العالم فيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لدراسة نشرتها مجلة ”غلوبال فاينانس“ في مارس/ آذار الجاري- رياحًا اقتصادية معاكسة يمكن أن تنتهي بعواقب وخيمة على الدولة الغنية بالنفط والغاز.

فمنذ قرار دول خليجية إضافة لمصر مقاطعة قطر بسبب دعمها للإرهاب، في الـ 5 من حزيران/يونيو الجاري، انخفض مركز الدوحة في وكالات التصنيف العالمية، ومنها ”فيتش“ و“موديز“         و ”ستاندرد آند بورز“، والتي غيرت توقعاتها للبلاد من الوضع المستقر إلى السلبي.

وخفضت وكالة ”ستاندرد آند بورز“ تصنيفها طويل الأجل لقطر من AA إلى -AA، فضلا عن وضع البلاد في تصنيف الائتمان السلبي؛ ما يشير إلى مزيد من التخفيضات الاقتصادية.

وتوقعت ”ستاندرد آند بورز“ تباطؤ النمو الاقتصادي مع خفض حجم التجارة الإقليمية وتضاؤل ربح  الشركات، لعدم قدرة قطر على تلبية الطلب الإقليمي؛ ما يجعل الاستثمار في غاية الصعوبة.

وبالفعل، بدت للعيان عواقب عزلة قطر بسرعة، إذ انخفض سوق الأسهم على الفور  بنحو 10 %  خلال الأسابيع الأربعة الأولى (وخسر نحو 15 مليار دولار من قيمته) قبل أن يصل إلى أدنى مستوياته منذ 5 سنوات بحلول منتصف سبتمبر، أي أقل بنسبة 18 % عن مستويات ما قبل المقاطعة العربية، كما انخفضت -أيضا- قيمة الريال القطري (العملة الرسمية) إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق وهو 3.76 في يونيو الماضي، ولا تزال تتداول بطريقة متقلبة بشكل واضح.

وعادة ما يحافظ البنك المركزي القطري على ارتباط صارم بالدولار الأمريكي، ويستخدم احتياطياته من الأصول الأجنبية، إلا أن السيولة المنخفضة في الأسواق خارج البلاد، خلال الأشهر الأخيرة أجبرت الريال القطري على التداول خارج هذا النطاق.

تآكل الاحتياط

وفي تقرير صدر في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، لاحظت ”موديز“ أن قطر اضطرت إلى ضخ نحو 38.5 مليار دولار من احتياطيها البالغ 340 مليار دولار إلى اقتصادها لتخفيف الأضرار الناجمة عن المقاطعة، وهو ما يعادل 23 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وقد تسببت تدفقات رأس المال الكبيرة في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز الماضيين في حدوث صداع كبير للحكومة، وتتوقع ”موديز“ مزيدًا من التدفقات الخارجية عندما تختار دول الخليج عدم تسديد الودائع؛ ما يترتب عليه تكاليف اقتصادية ومالية واجتماعية إضافية ستؤثر بشدة على الاقتصاد القطري، الذي لا يزال يئن من القيود المفروضة على السفر والتجارة، التي تفرضها البلدان المجاورة.

قطاعات متضررة

ووفقا لموقع ”انترناشونال بانك“، تعرضت الصناعات السياحية والتجارية والمالية في قطر بشكل خاص للحظر، إذ يشير تقرير لوزارة التخطيط التنموي والإحصاء في قطر، إلى تراجع الحركة الجوية للمسافرين من وإلى مطار الدوحة الدولي بنسبة 32% خلال الفترة بين مايو/ أيار ونهاية يونيو / حزيران، فضلا عن انخفاض النسبة سنويا إلي 18% ، بينما انخفض عدد القادمين من المسافرين بشكل عام بنسبة 34 % عن يوليو 2016.

وشهد شهر يوليو -أيضا- انخفاضًا كبيرًا بنسبة 59٪ في معدل إشغال الفنادق، كما تضررت الصناعة المصرفية لاعتمادها على التمويل الخارجي في مواجهة انخفاض عائدات النفط، فضلاً عن الانكماش الأخير في معنويات المستثمرين، والذي جعل هذه الصناعة في موقف صعب .

 وفي ظل هذا الحصار المفروض على الحكومة القطرية، طفت إلى السطح أسئلة كثيرة حول قدرة الدوحة على دعم المقرضين في البلاد؛ ما أدى بدوره إلى ضعف قدرة المقرضين على اجتذاب التمويل؛ ما دفع وكالة ”موديز“ إلى خفض توقعات النظام المصرفي القطري من مستقر إلى سلبي.

وتتوقع الوكالة -أيضا- تباطؤ نمو الائتمان المحلي إلى ما بين 5 إلي  7 % خلال الأشهر الـ 18 المقبلة، أي أقل بكثير من نسبة 15 % المسجلة في العام 2015.

كما أن استمرار تدفق الودائع الأجنبية وغيرها من أشكال التمويل الخارجي، بفضل تواجد مجلس التعاون الخليجي، قد يزيد من إمكانيات تعثر احتياطيات السيولة في البنوك القطرية، خاصة مع تشديد الودائع المحلية على خلفية انخفاض عائدات النفط.

مستقبل مظلم

وقد تضطر قطر -أيضا- إلى خفض النفقات الرأسمالية على البنية التحتية بشكل كبير؛ ما قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة، خاصة وأن البلاد ستنفق مليارات استعدادًا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في العام 2022.

ورجحت وكالة ”فيتش“ للتصنيفات الأمريكية، انخفاض الأصول الأجنبية الصافية إلى 146%  من الناتج المحلي الإجمالي، عن  185 %  في العام الماضي، مع توقع الحكومة أن تعوض عن التدفقات الخارجية عن طريق نقل الأموال إلى البنوك المحلية.

ويبدو أن هذا التخفيض سيلقي بظلاله على تقلص خطط الإنفاق الرأسمالي بالفعل خلال الفترة من 2014 –إلي 2024 بسبب بداية انخفاض أسعار الطاقة؛ التي أدت إلى تقلص كبير في الإيرادات الحكومية قبل فرض العقوبات أخيرًا.

ويبدو جليا أن هذه التحديات لها انعكاسات مهمة على مسار النمو العام في قطر، فبحلول  أغسطس/آب الماضي، بدأت منظمات عديدة في تغيير توقعاتها الاقتصادية بشأن الدوحة، فعلى سبيل المثال، قدر صندوق النقد الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيتباطأ من 3.4 % في العام 2017 إلى 2.8 % في العام المقبل، مع انخفاض النمو في كل من قطاعي النفط والغاز من 1.1 ،  5.7 % على التوالي هذا العام إلى 0.2 ،  5.3 %  العام  2018، فضلا عن توقع زيادة التضخم خلال هذا العام والمقبل ما بين 2.6 إلى 5.7 %. يأتي ذلك فيما تتوقع ”ستاندرد آند بورز“ انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1٪ سنويا بين عامي 2017 و 2020 كنتيجة مباشرة للمقاطعة.

وعلى الرغم من توقعات المدير المسؤول عن التقييم في ”ستاندرد آند بورز“ بنجامين يونغ، ببعض الارتفاع في التقديرات الاقتصادية في حال بدء تشغيل مشروع ”برزان“ للغاز خلال هذه الفترة، فإنه يعتقد أن التوترات السياسية الحالية سيكون لها تأثير سلبي على النشاط التجاري والثقة بالأداء“، كما من المرجح أن يكون لها تأثير على ”استهلاك القطاع الخاص، ونمو الاستثمار والائتمان في معظم قطاعات الاقتصاد“.

ويبدو أن أمير قطر الشيخ تميم، يحاول الخروج من هذا المأزق الاقتصادي مستجديا الحوار مع الدول الأربع، محاولا استجلاب وساطات دولية مؤثرة، كان آخرها الطلب من الرئيس الأمريكي التوسط لعقد قمة في كامب ديفيد، لوضع حل للأزمة التي تعيشها الدوحة نتيجة المقاطعة العربية.

ومع ذلك، فإن استمرار رفض قطر لتلبية مطالب جيرانها في الخليج، قد يزيد من حالة الجمود في المنطقة، كما أن بقاء التوترات في المنطقة يبطّئ وتيرة النمو الاقتصادي للدوحة لأدني مستوى منذ العام 1995.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com