رغم عدم إقحامها في الحرب.. كيف تورطت مصر في ”متاهة الشيطان“؟

رغم عدم إقحامها في الحرب.. كيف تورطت مصر في ”متاهة الشيطان“؟

المصدر: أحمد نصار – إرم نيوز

كانت الحرب العالمية الثانية قاسية بشكل رهيب على مصر، التي لم تكن حريصة أبدًا على المشاركة في أي أعمال عدائية، إلا أنها وجدت نفسها قد أُقحمت في صراع بين الدول الأوروبية المتحاربة، عبر صحرائها القاحلة.

وعندما حزمت القوات الأجنبية دباباتها وأسلحتها ورحلت عن مصر، تركوا خلفهم أكثر من 15 مليون لغم أرضي، لا يزال العديد منها متناثرًا في الصحراء، إلى يومنا هذا.

ووفقاً لصحيفة ”ديلي بيست“ الأمريكية، أوكلت مهمة التخلص من هذه الألغام إلى خبراء التخلص من الذخائر المتفجرة المصريين، وهم الجنود المعرضون للموت يوميًا من هذه الألغام، لكن في معظم الأحيان يُضطرون إلى تخمين أماكنها ومن ثمّ يحددون أفضل طرق للتعامل معها، وقليل منهم يقضي الكثير من الوقت في المكتبات.

مخطوطات إيطالية 

ولكن الجيش الإيطالي له دور خاص في تاريخ الألغام تلك، فقد قاتل جنوده بجانب الألمان، حيث لقي الآلاف منهم حتفهم، وقد قام الجنود الإيطاليون بزراعة العديد من هذه الألغام، لذا قضى مجموعة من الضباط الإيطاليين سنوات وهم يبحثون في المحفوظات العسكرية القديمة، محاولين العثور على مخطوطات أماكن تلك الألغام.

وقبل نحو عشر سنوات، اكتشف ضباط سلاح الجو الإيطالي، العشرات من المخطوطات الحربية والصور الجوية في إحدى الغرف الخلفية في روما، ويجري الآن استخدامها للتعرف على أماكن أكبر مجموعات الألغام في مصر.

وفي السنوات الأخيرة وبمساعدة هذه الخرائط والرسومات الموجودة على كراسات الرسم الخاصة بالجنود من كل الجهات، يقول الباحثون إنهم استطاعوا إنشاء أفضل صورة للألغام التي كانت موجودة في ساحات القتال، والأهم من ذلك، أن المخطوطات القديمة لديها نفس النقاط المرجعية، وتستخدم نفس اللغة الموجودة في كتابات ذلك الوقت، حسبما قال ألدينو بونديسان، الأستاذ بجامعة بادوفا ورئيس الجمعية الإيطالية للجيولوجيا العسكرية والجغرافيا، والتي توثّق بدأب بقايا الحملة الإيطالية في مصر، ويعلق قائلاً: ”أخدنا بعض المحاربين القدامى معنا في إحدى رحلاتنا، وحددنا بالضبط بعض الخنادق الصغيرة التي احتلوها“.

وعندما ننظر الآن للمساحات الهادئة من شمال غرب مصر، سيكون من الصعب تخيّل أن هذه المنطقة كانت أهم الميادين القتالية، المتنازع عليها في القرن العشرين.

 الحرب العالمية الثانية

وبالنسبة للمكان الذي كانت تتبارز فيه دبابات بانزر الألمانية، ودبابات الـ MK البريطانية، على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، خلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الآن يعجّ بالمنتجعات السياحية التي تجذب العديد من نخبة المصريين خلال فصل الصيف.

وكانت مدينة الضبعة وقت الحرب العالمية الثانية، مسرحًا لأشرس المعارك، إلا أنها حاليا ستضم أول محطة للطاقة النووية في البلاد، بتمويل من روسيا، بعدما أعطت الحكومة المصرية الضوء الأخضر لبنائها.

ولكن في العام 1941 وفي ذروة الحرب العالمية الثانية، عندما قام الألمان والإيطاليون بقيادة المارشال إرفين رومل (الملقب بثعلب الصحراء) باقتحام الخط البريطاني في ليبيا، واتجهوا قبالة قناة السويس بنية السيطرة عليها، لقطع اتصال لندن بكل حقول البترول في بلاد فارس، شهدت هذه المنطقة معركة دموية دامت لمدة 18 شهرًا.

وفي غرب الإسكندرية، أقامت الفرقة المدرعة السابعة البريطانية، الملقبة باسم جرذان الصحراء وحلفاؤها، تحصينات دفاعية ضخمة.

وحول مدينة العلمين، التي تقع عند أضيق نقطة بين البحر والرمال، تواجه الجيشان الألماني والبريطاني، ووضعا عددًا هائلاً من الألغام، التي لم يشهد العالم مثلها من قبل.

وقال جيمس موران رئيس وفد الاتحاد الأوروبي في القاهرة، الذي ساهم بعدة ملايين يورو لإزالة هذه الألغام ”في العام 1942، يبدو أن الجيشين حينها لم يفعلا شيئًا سوى قصف بعضهما، وزرع الألغام“.

لعدة عقود وعلى الأقل بعد انتهاء الحرب، ظلت الصحراء كما كانت منذ أن قامت جيوش الحلفاء –التي دعمتها إغاثات الولايات المتحدة- في نهاية الحرب، بإخراج دول المحور المهزومة من مصر في نوفمبر من العام 1942، وتركوا خلفهم كمية هائلة من مخازن الأسلحة والذخائر، غير المنفجرة حول مدينة العلمين.

وحافظت صناعة الصلب المصرية، على استمراريتها لعقود، عن طريق استغلال أطنان المعدات العسكرية التالفة، المهجورة بين الرمال، والتي خلفتها الجيوش المتحاربة.

الجيش المصري وإزالة الألغام

ولكن في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تغير الوضع، عندما تم اكتشاف احتياطيات نفطية كبيرة في المناطق المنكوبة، والمفاجأة أن مصر حصلت على أموال طائلة بهدف تطوير الصحراء، ومع تنفيذ اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، والتي كانت واحدة من أكثر النزاعات المستعصية في المنطقة، شعر الجيش المصري حينها الذي كان يختص بعمليات إزالة الألغام، بأنه قادر على جذب بعض القوى البشرية بعيدًا عن الحدود.

وقال فتحي الشاذلي، سفير مصر السابق لدى السعودية والمدير السابق لمشروع إزالة الألغام،  والذي تقلد هذا المنصب إلى أن وافته المنية: ”بعد معاهدة العام 1979 كان الجيش قادرًا على توجيه طاقته داخليًا نحو الألغام، ومنذ ذلك الوقت، أدركنا مدى ضخامة المشكلة التي نواجهها“.

ولحسن حظ السلطات المصرية، كان ألدينو بونديسان، وزملاؤه يعملون بجدّ لعدة عقود حتى الآن، حيث قاموا بالرسم اعتمادًا على أبحاث قام بها الرائد باولو كاتشينا، وهو أحد خبراء الألغام الذي عاد إلى ميدان المعركة في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لاستعادة 7 آلاف جثة، وتحديد أماكن الألغام.

وبمطابقة صور الأقمار الصناعية مع العلامات الموجودة على خرائط الفيلق الأفريقي، والتي كانت حالتها أفضل من السجلات الإيطالية، لأن معظم الفرق الميكانيكية الألمانية، كانت قادرة على التراجع بطريقة أكثر تنظيمًا من نظرائهم المشاة، وقد وضعوا علامات لأكثر من 30 ألف موقع دفاعي.

وقالت السفارة البريطانية بالقاهرة، إنها سلّمت مجموعة من خرائط الحرب العالمية الثانية للحكومة المصرية في العام 2000.

وفي معظم بيئات حقول الألغام، تكون تلك الأبحاث مثيرة للاهتمام بالنسبة للأكاديميين، لكن التطبيق العملي يكون محدودًا، وفي ميدان قتال بحجم شمال غرب مصر، حيث كانت القوات تحتشد ضد بعضها على طول الجبهة التي تمتد 100 ميل، تلعب الألغام دورًا محوريًا في جذب قوات العدو ناحية النقاط الأكثر تحصينًا، فإذا عثرت على مواقع تحصينات بميدان القتال، فستجد مزيدًا من الألغام.

وقال الشاذلي في لقاء أُجري معه في مكتبه بوسط القاهرة في العام 2015: ”لهذا السبب كان علينا جمع كل هذه الخرائط، لنعرف أين كانت تتواجد القوات الألمانية والبريطانية والإيطالية؟“.

وبالنسبة للحلفاء، كان الفوز بمعركة العلمين، دفعة هائلة لموقفهم، ونقطة تحول في الحرب، التي شهدت في وقت سابق، اجتياح جيوش أدولف هتلر لهم.

وقال ونستون تشرشل ”قبل العلمين لم نكن قد حققنا انتصارًا واحدًا، وبعد العلمين، لم نهزم ولو مرة واحدة“.

وبالنظر إلى المهمة الهائلة التي لا تزال بانتظارهم في تطهير الصحراء، يأمل المصريون، أن توفر هذه الخرائط، فرصة لإعادة إعمار هذه المناطق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة