هل يفتح ”السكر“ باب الجحيم على مصر؟

هل يفتح ”السكر“ باب الجحيم على مصر؟
Egyptians push to buy subsidized sugar from a government truck after a sugar shortage in retail stores across the country in Cairo, Egypt, October 14, 2016. Picture taken October 14, 2016. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh

المصدر: القاهرة - إرم نيوز

توقف بكر عاطف صاحب متجر بقالة في القاهرة عن بيع السكر منذ أن صادرت السلطات مخزوناته الشهر الماضي، واتهمته بإخفاء السكر في ظل الأزمة الاقتصادية التي تزداد حدتها وتغضب المصريين وتثير مخاوف من ”اندلاع احتجاجات“.

وقال عاطف الذي يصر على أنه لم يرتكب أي مخالفات ”يأتون ويأخذون أي كمية يجدونها. حتى وإن كنت تبيع عشرة كيلوغرامات فقط سيأخذونها… إذا فعلوا ذلك مجددا وخسرت بضاعتي فسأغلق متجري.“

ويحب المصريون السكر ويضعون الكثير منه في الشاي. ويباع السكر في منافذ التموين الحكومية في إطار برنامج ضخم لدعم الغذاء يستهدف الفقراء.

لكن ”الغضب الشعبي“ من نقص السكر دفع الحكومة إلى شن حملات تفتيش واسعة في البلاد ومصادرة الإمدادات من المتاجر التي تتهمها بإخفائه.

سلع وأزمات..

والسكر أحدث السلع الأساسية التي تشهد أزمة في مصر هذا العام. فالخلاف على القواعد التنظيمية تسبب في عجز أكبر بلد مستورد للقمح في العالم عن الحصول على احتياجاته من السوق العالمية بينما سبب خلاف على الأسعار نقصا في الأرز رغم وفرة المحصول.

وتثير أزمة السكر تساؤلات بخصوص إدارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للاقتصاد في الوقت الذي تسعى فيه حكومته للحصول على قرض قيمته 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

ويتوقع اتخاذ مزيد من إجراءات التقشف ضمن الشروط اللازمة للحصول على القرض إضافة إلى زيادة في الضرائب والأسعار وهو ما يذكي مخاوف من اندلاع احتجاجات جديدة في الشوارع مثل تلك التي أطاحت بالرئيسين السابقين.

وتسببت أزمة نقص العملة الصعبة في تقليص الواردات وتعطل أنشطة أعمال، بحسب التحقيق الذي نشرته وكالة رويترز للأنباء اليوم الأربعاء.

وبلغت حملات التفتيش عن السكر ذروتها حينما تحفظت السلطات لفترة قصيرة على ألفي طن سكر لـ“إيديتا“ للصناعات الغذائية، إحدى أكبر الشركات المدرجة في البورصة المصرية.

ورغم أن نقص الدولارات تسبب في تقليص الواردات بشكل عام، إلا أن تجارا وأصحاب محال بقالة أكدوا أن أزمة السكر ”ذاتية“ وهي نتيجة مباشرة لسيطرة الحكومة على احتياطياتهم من السكر وعلى شبكة التوزيع في وقت سابق من العام.

ونقلت رويترز عن تاجر قوله: إنه رغم الإمدادات الوفيرة في مخازن الحكومة إلا أن السلطات ببساطة لا تخرج السكر إلى المتاجر حيث يستطيع المواطنون العاديون شراءه.

وقال تاجر سكر آخر: ”ترتاب الحكومة في قيام التجار بتخزين السكر لكن في الحقيقة الحكومة هي التي تخزنه.“

وتستهلك مصر ثلاثة ملايين طن من السكر سنويا لكنها تنتج أكثر قليلا من مليوني طن حيث تقوم الحكومة ومستوردون من القطاع الخاص بسد الفجوة عادة من خلال مشتريات في الفترة من يوليو تموز إلى أكتوبر تشرين الأول.

بدء الأزمة..

ويقول تجار إن الأزمة بدأت في أغسطس آب حينما شنت وزارة التموين حملات على مصانع السكر في أرجاء البلاد وصادرت 250 ألف طن – تشكل معظم احتياطيات القطاع الخاص – لتوفر إمدادات لمنافذها للغذاء المدعم بعدما أخفقت في استيراد شحناتها المعتادة في الأوقات المناسبة.

وتزامن ذلك مع ارتفاع الأسعار في السوق العالمية للسكر، بينما دفع الهبوط السريع في قيمة الجنيه ورسوم على الواردات بنسبة 20% لحماية المنتجين المحليين المستوردين من القطاع الخاص لتقليص مشترياتهم.

ومع انخفاض واردات القطاع الخاص وسيطرة الحكومة على المخزونات، قفزت الأسعار وخلت الأرفف وهيمن الحديث عن أزمة على وسائل الإعلام المحلية قبيل دعاوى لاحتجاجات في 11 نوفمبر تشرين الثاني على تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وقال وزير التموين المصري محمد علي مصيلحي متحدثا أمام البرلمان هذا الأسبوع، إن الحكومة تصدت للأزمة من خلال زيادة كميات السكر المباعة في منافذها إلى 240 ألف طن في أكتوبر تشرين الأول من الكميات المعتادة وقدرها 70 ألف طن.

لكن التجار يقولون إن هذا ليس كافيا نظرا لأن الحكومة لم تفرج عن السكر الذي صادرته من القطاع الخاص في أغسطس آب وتكثف حملات المصادرة.

وقال عاطف البقال بالقاهرة إنه كان لديه 350 كيلوجراما فقط من السكر حينما داهم مفتشو الحكومة متجره وصادروا الكمية بأكملها.

وحينما تقدم عاطف بالفواتير التي تظهر أنه حصل على السكر بطريقة قانونية أبلغه المحققون بأنه لن يسترد كمية السكر وإنما سيتم تعويضه بحصوله على نصف المبلغ الذي دفعه في شرائها.

وخوفا من مزيد من المداهمات أحجم تجار وأصحاب محال للبيع بالتجزئة مثل عاطف عن شراء السكر وهو ما يفاقم ضغوط الامدادات.

سلسلة إمداد مجمدة

وعاطف هو الحلقة الأخيرة في سلسلة إمدادات السكر التي يقول التجار إنها تعرضت لضرر بالغ جراء تدخل الحكومة التي تحرص على إظهار أنها تحمي المستهلكين من استغلال التجار الذين يخدمون مصالحهم الشخصية.

ورغم أن الحكومة سرعت الآن وتيرة وارداتها – إذ اشترت 250 ألف طن لتلبية الطلب على السكر الذي يباع في المنافذ الحكومية – تظل الإمدادات التي صادرتها من القطاع الخاص في حوزتها.

واضطلعت وزارة التموين بدور جديد لتسيطر على شبكة توزيع السكر وتخصص إمدادات لمنتجي الأغذية والمتاجر الكبرى والمنافذ في أنحاء البلاد وتقطع الطريق على موزعي القطاع الخاص.

ويقول التجار إن النظام الجديد ”غير فعال“ إلى حد كبير وسبب مزيدا من النقص.

وقال تاجر سكر في مصر ”الأمر أشبه ببيع مياه معبأة لجميع أرجاء مصر من مخزن واحد – فكيف ستذهب إلى سيوة وأسوان والأقصر؟

وتابع: ”كانت هناك من قبل قنوات توزيع تعمل بشكل جيد جدا لكن الآن تتولى الحكومة هذا الدور وهذا فشل ذريع.“

وعزت وزارة التموين النقص المستمر في السكر إلى تهريبه. ورفعت الوزارة سعر السكر في منافذها إلى 7 جنيهات من 5 جنيهات للكيلوغرام للتصدي لهذا النشاط.

وأرسلت الوزارة مفتشين لمصادرة السكر الذي تقول إنه مهرب من منافذ التموين ويعاد بيعه بأسعار أعلى الأمر الذي يثير قلق القطاع الخاص من مصادرة أي مخزونات متبقية.

وقال تاجر السكر الثاني إن ضغوط الحكومة تأتي رغم تمتع مصر بمخزونات إجماليها نحو 650 ألف طن أو ما يكفي تقريبا لتلبية احتياجات القطاعين العام والخاص حتى موسم الحصاد المحلي في فبراير شباط.

وحث أحمد الوكيل رئيس إحدى كبرى شركات السلع الأولية في مصر الحكومة على الإفراج عن جميع المخزونات التي صادرتها وقال ”يوجد ما يكفي من السكر في مخزونات الحكومة… ما يكفي لحل الأزمة.

وتابع: ”لكن منظومة التوزيع الحالية هي سبب المشكلة. إذا عادوا إلى قنوات التوزيع القديمة فستحل هذه المشكلة.“