صلاح عبد الصبور في ذكرى رحيله.. شاعر المهمشين الذي قتلته النخبة 

صلاح عبد الصبور في ذكرى رحيله.. شاع...

العلاقة الملتبسة والمعقدة بين الشاعر المصري صلاح عبد الصبور وبين عمله أو وظيفته في موقع رسمي بإحدى مؤسسات الدولة جعلته دائمًا تحت قصف نيران المثقفين وانتقاداتهم.

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

تمنى الشاعر المصري الكبير صلاح عبد الصبور، ذات مساء، في واحدة من أروع قصائده، تحمل عنوان ”أغنية للشتاء“، أن يموت وحيدًا، بعد أن وهن الجسد الرقيق، وتصورت نفسه الشفافة، أنها قضت أعوام العمر هباء، وأن روحه تقيم في العراء، فقلبه مات منذ الخريف في زحمة المدينة المنهمرة. لكن هل جاء هذا المساء الذي أراده صلاح عبد الصبور ساكناً يقيم فيه وحيدًا يهوي كأوراق الشجر الجافة، حينما يصيبها العطب والضعف؟

في كل عام، وفي ذكرى رحيله عن الدنيا، مساء الرابع عشر من أغسطس عام 1981، ينفي عشاقه وتلاميذه، مجيء هذا المساء المهيب، الذي أراده الشاعر الكبير، صلاح عبدالصبور لنهايته.

 فقد كان الرجل محاطًا بجمع غفير من المثقفين في منزل صديقه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، لتبدأ حفلة النقد الجارح على عبد الصبور، واتهامه بالعمالة والتطبيع مع إسرائيل، وموالاة النظام الساداتي في ذلك الوقت، الذي سمح بمشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تقيمه الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي كان يرأسها صلاح عبد الصبور، فلم يتحمل قلبه الانفعال للدفاع عن موقفه، ليموت بالسكتة القلبية، أو كمدًا من المثقفين الذين طعنوا في وطنيته، كالصقور الجارحة، التي نهشت روحه، يقودهم رسام الكاريكاتير الراحل ”بهجت عثمان“، ليصمت صوت عصفور الشعر الحزين، صلاح عبد الصبور إلى الأبد وهو لم يتجاوز الخمسين من عمره.

العلاقة الملتبسة، والمعقدة، بين الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور وبين عمله، أو وظيفته في موقع رسمي بإحدى مؤسسات الدولة، جعلته دائمًا تحت قصف نيران المثقفين وانتقاداتهم، ويفسرها الشاعر نفسه في كتابه البديع ”حياتي مع الشعر“ فيقول“: ”لست شاعرًا حزينًا، ولكنني شاعر متألم، وذلك لأن الكون لا يعجبني، ولأنني أحمل بين جوانحي – كما قال شيللي – شهوة لإصلاح العالم، وهذه الشهوة هي القوة الدافعة في حياة النبي والفيلسوف والشاعر، لأن كلا منهم يرى النقص، فلا يحاول أن يخدع  نفسه، بل يجتهد في أن يرى وسيلة لإصلاحه، ويجعل دأبه أن يبشر بها“.

الشاعر المصري صلاح عبد الصبور، المولود في مدينة الزقازيق، عام 1931، يُعد وبحق، واحدًا من أهم شعراء الحداثة في عالمنا العربي المعاصر، استطاع أن يغلق أقفال أبراج الشاعر العاجية، وينزل ليكتب عن البشر العاديين وحياتهم وهمومهم البسيطة اللاهثة لاكتساب الرزق، أو اقتناص لحظة سعادة مسروقة من ساعات طويلة حزينة ومبكية.

لذلك لم يكن من المستغرب أن يحدث ديوانه الأول الصادر عام 1957 ”الناس في بلادي“، كأول ديوان للشعر الحديث (أو الشعر الحر، أو شعر التفعيلة)، نوعا من دوائر الرفض والقبول المدهشة، والتي لم تحدث منذ سنوات، نتيجة صدور عمل شعري جديد، فلأول مرة يأتي شاعر عربي حديث، ليكتب شعرًا عن  الطقس اليومي الذي يمارسه دون ادعاء بطولة أو نبوة.

وهموم الشاعر صلاح عبد الصبور، كهموم غيره من البسطاء، يبدأها بصباح حزين لقلة رزقه، الذي يتحصل عليه بعد عناء، فيقول صلاح عبدالصبور، في أبيات بليغة ومعبرة عن الخوف والقلق الإنساني المشترك: ياصاحبي إني حزين، طلع الزمان فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح، وخرجت من جوف المدينة، أطلب الرزق المتاح، وغمست في ماء القناعة، خبز أيامي الكفاف، ورجعت بعد الظهر في جيبى قروش، فشربت شايًا في الطريق، ورتقت نعلي، ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق، قل ساعة أو ساعتين، قل عشرا أو عشرين، وضحكت من أسطورة حمقاء رددها الصديق، ودموع شحاذ صفيق“.

وفى كتابه (مملكة الشعراء)، يحتفي الناقد (نبيل فرج) بالشاعر الجديد صلاح عبد الصبور قائلاً: إذا كانت حركة الشعر الجديد في مصر  بدأت في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أنها لم تعلن ميلادها الفعلي إلا سنة 1957، عندما صدر الديوان الأول لصلاح عبدالصبور (الناس في بلادي).

وتتوالى أعمال الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، لتدور في فلك الهم الإنساني وعلاقته بالحاكم الجائر، فجاءت دواوينه: أقول لكم 1961، أحلام الفارس القديم 1964، تأملات في زمن جريح ورحلة في الليل 1970، شجر الليل 1972، ثم الإبحار في الذاكرة 1979. كما كتب صلاح 5 مسرحيات شعرية هي ”مأساة الحلاج ”1964 و“مسافر ليل ”196“ و“الأميرة تنتظر“ في العام نفسه ثم ”ليلى والمجنون“ في العام الذى تلاه، ثم آخر مسرحياته ”بعد أن يموت الملك “ عام 1973، وتعد هذه المسرحيات هي أهم مسرحيات شعرية في تاريخ المسرح العربي كله، بعد مسرحيات أمير الشعراء أحمد شوقي، ومسرحيات عزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي.

لعل من أجمل قصائـد الشاعر الكبير الراحل صلاح عبدالصبور، والتي تجيء من ديوانه ”أحلام الفارس القديم“، هذه الابيات التي تلخص حال قلبه المليء بالحب والحنان لكل البشر، قبل أن تدوسه معنويًا الأقدام، وليتوقف نهائيًا عن النبض والحياة.

قد كنتُ في ما فات من أيّامْ

يا فتنتي محارباً صلباً، وفارساً هُمامْ

من قبل أن تدوس في فؤاديَ الأقدامْ

من قبل أن تجلدني الشموسُ والصقيعْ

لكي تُذلَّ كبريائيَ الرفيعْ

كنتُ أعيش في ربيع خالدٍ، أيَّ ربيعْ

وكنتُ إنْ بكيتُ هزّني البكاءْ

وكنتُ عندما أحسُّ بالرثاءْ

للبؤساء الضعفاءْ

أودُّ لو أطعمتُهم من قلبيَ الوجيعْ

وكنتُ عندما أرى المحيَّرين الضائعينْ

التائهينَ في الظلامْ

أودُّ لو يحرقني ضياعُهم، أودُّ لو أُضيءْ

وكنتُ إنْ ضحكتُ صافياً، كأنني غديرْ

يفترُّ عن ظلّ النجومِ وجههُ الوضيءْ

ماذا جرى للفارس الهمامْ؟

انخلع القلبُ، وولَّى هارباً بلا زِمامْ

وانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ

يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الدمعةِ البريئه!

يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الضحكةِ البريئه!

لكَ السلامْ

لكَ السلامْ

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com