عودة لمحاكمة مبارك وبيان الرئاسة

عودة لمحاكمة مبارك وبيان الرئاسة

هناك فرق بين النظرة للأحداث من زاوية موضوعية وبين النظر إليها من زاوية مُتشنّجة، فالأولى تفضي إلى قراءة هادئة لمجمل المعطيات، والتوصُّل إلى استنتاج ونتائج وفقاً للمقدمات المنطقية للحدث، فيما تقودنا النظرة من موقع التشنُّج إلى تصادم الأهواء بالأهواء، ذلك أن مُجمل معطيات الأحداث من خلال هذه القراءة في كفة استعجال النتائج وفقاً للرغبات، لا تُركب على مقدماتها في إطارها الموضوعي، وفقاً لما تحتم قضية المنطق القياسي البحت.

من هذا المنطلق، فإننا حين نأخذ قضية مُحاكمة الرئيس السابق مبارك، وما أفضت إليه حيثيات ما قدّم المدعي العام من عرض قضية الاتهام، أفضت إلى صدور الحكم بالبراءة، لأن القضاء لا يحكم بمقتضى العلم القضائي، وإلمام القاضي بتفاصيل محتوى القضية في إطار بُعدها السياسي، لمجمل ما جنى النظام السابق من مُمارسات أدت إلى الاحتقان السياسي العام، ومن ثم الانفجار الشعبي الذي تمثل في ثورة 25 يناير، إنما القاضي يمارس حق الفصل في حكم أية قضية كانت من موقع مسؤولياته، كحكم فصل بين طرفي ادعاء ودفاع، يتناوبان الأدوار في عرض كل منهما قضيته، وفق مرافعات محددة في طرح الحيثيات، الأول وهو هنا المدعي العام، يحاول تصويب سهام الاتهام نحو المتهم، محاولاً إبراز قضيته من كافة جوانبها، ومُطالباً في الوقت نفسه بإنزال أقصى العقوبة بالمتهم، في إطار ما حدده القانون في هذا الخصوص.

فيما يستميت الدفاع في دفع التهم عن موكله محاولاً تفنيدها واحدة إثر الأخرى، وعند خلوص الطرفين اتهاماً ودفاعاً من عرض قضيتهما بحق المتهم، كل حسب موقفه من دفاع واتهام عبر جلسات المحكمة وتقديمهما للمرافعات النهائية، عندها يبدأ القضاة بقول كلمة الفصل بإصدار الحكم، والذي عادة وفقاً لقانون الإجراءات يمكن استئنافه إلى سلطة قضائية، أعلى درجة منصوص عليها في قانون الإجراءات القضائية، والقاضي ينصّب حكمه وفقاً لما قدّم من حيثيات أمامه إبان سير انعقاد جلسات المحكمة، ولا يمكنه قانوناً الخروج عما قدّم أمامه من مداولات القضية في صحيفة الاتهام، فيضيف مثلاً اتهامات من لدنه، وفقاً لما يعلم عن محتوى القضية، وهو ما يُعرف بالعلم القضائي، أو يحاول إبراز ما أخفق الاتهام في إبرازه، أو لم يشمل القانون تغطية كافة جوانبه أثناء تقديم صحيفة الاتهام، ذلك لأن القاضي محكوم قانوناً أيضاً بما قدّم أمامه، وأن النقض أو الاستئناف الذي سيقدّم للجهة العليا، لا يمكن فيه إضافة اتهامات جديدة لم يسبق لها أن قدّمها الاتهام في القضية.

وعلى هذا يتسلسل الأمر، حيث يحكم قاضي محكمة الموضوع الأولى، والتي هي أول مَنْ نظر في القضية، وفقاً للحيثيات التي عرضت أمامه، ويتم الاستئناف للسلطة القضائية التي تليها، لتنظر فيما إذ كان الحكم الأول مُطابقاً للقانون لم يحِد عنه، بغض النظر عن كل ما يدور خارج قاعات القضاء ذات العقل القانوني البارد، الذي ينظر إلى كل جوانب القضية، وفقاً لمقتضى القانون البحت دون أي تأثيرات سياسية أو غيرها، هذا يحدث دوماً مئات المرات حين النظر في القضايا من قبل القضاء، وهذا أيضاً يتم وفقاً لمقتضى الدستور، الذي يُشير إلى مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء، بعدم وقوعه تحت أي تأثير لأي استغلال من قبل السلطتين التنفيذية أو التشريعية.

لذا سارعت رئاسة الجمهورية إلى إصدار بيانها بخصوص المحاكمة، فأكدت التزامها بمبدأ استقلال القضاء وفصل السلطات من تغول إحداها على الأخرى، مؤكدة أن مصر الحديثة نتاج لثورة 25 يناير التي اتبعتها حركة الجماهير، لتتشدد على مفاهيم ومطالب الثورة في 30 يونيو، هي مصر الديمقراطية التي ستُبنى على دعائم الحرية والعدل والمساواة ومُحاربة الفساد.