بعد انتهاء معركة حلب.. عدت لمنزلي لأرى ما الذي تبقى منه

بعد انتهاء معركة حلب.. عدت لمنزلي لأرى ما الذي تبقى منه

المصدر: صدوف نويران- إرم نيوز

هذه هي المرة الأولى التي استطعت فيها المجيء إلى منزل والدي، بعد أن غادرناه عام 2011، لما يقرب من 6 سنوات.

وقد تحسن الوضع الأمني منذ أن استعادت الحكومة السورية السيطرة على المناطق الشرقية، وعدد قليل من أمثالي، الذين فروا من القتال كانوا لا يتوانون عن اغتنام أي فرصة للعودة، عدت إلى حلب مع علمي أنها لن تكون نفس المكان الذي غادرته، ولكن أياً من التحذيرات لم تكشف لي عن الذي سأجده أو ما فعله الناس من أشياء للبقاء على قيد الحياة.

في مقال مطول بصحيفة واشنطن بوست تروي الناشطة السورية جوانا قدسي تفاصيل رحلة عدوتها إلى حلب.

كنت قد وصلت قبل يوم واحد من بيروت، مع أحد السائقين الذين يعتاشون من نقل الركاب عبر الحدود، ويتقاضون حوالي 360 دولاراً لكل رحلة بالسيارة مسافة 560 ميلاً ذهاباً وإياباً، كنت أرغب في العثور على الأشياء العزيزة التي خلفتها ورائي من يومياتي، ألبومات الصور، وشهادة ميلادي، ولأرى ما حدث للناس الذين أهتم لأمرهم، أردت أن أذكر نفسي بأن لي منزلاً  يجب أن أعود إليه مرة أخرى.

العودة إلى حلب

محمد (وهذا ليس اسمه الحقيقي) قام بنقلي من بيروت في الساعة 02:30 صباحاً، وقت المغادرة القياسي، من شقة صديقتي أيام الطفولة، والتي انتقلت إلى هناك خلال الحرب، محمد قام بتمزيق بطاقات الطيران عن حقائبي وقام بتقديمي للركاب الآخرين الذين يشاركونني في الرحلة: امرأتان ثريتان عائدتان من فرنسا، والمملكة العربية السعودية، حيث كانتا تعيشان منذ عدة سنوات، لزيارة المنازل التي تركاهما وراءهما، وقال لنا بأننا سنصل في وقت ما بين 09:00 صباحاً وفترة الظهر، اعتماداً على حرس الحدود الذين لا يمكن التنبؤ بهم وطريق ”خناصر“ الخطرة بصفة خاصة، والتي تؤدي إلى مدينتنا.

وكانت لمحمد قدم رائدة، وله لسان ذهبي يمكنه أن ينجيه من أي مشكلة، تقدمنا خلال المعابر الحدودية دون التحدث كثيراً، وعند وصولنا لسوريا، قام بتحية العديد من الجنود المتمركزين في نقاط التفتيش التي يفوق عددها العشرين بأسمائهم، وكان يعلم أي نقاط التفتيش التي يجب أن يعبرها بسرعة من دون توقف، وقال بعد سباقه مع رجلين يرتديان زي التمويه، والذين أقاموا اثنين من الحواجز بإطارات السيارات على طول الطريق: ”إن هؤلاء الرجال ليسوا الجيش، أنهم يريدون المال فقط، ويمكن تقاضي حوالي 40 سنتاً عن كل سيارة تمر من هنا، أي ما يكفي لشراء كومة من الخبز أو زجاجة ماء كبيرة.

”إلى أين أنتم ذاهبون؟“ كان هذا سؤال كل جندي يقوم باستيقافنا، وكان محمد لديه هوية عسكرية– ولم يقل كيف حصل عليها– وبعد أن قام بتسليمها للتفتيش، أعلن عن وجهتنا، ولكن نقطة وصولنا تغيرت خلال الرحلة إلى مدينة قريبة، لأن الجميع يعرفون أنك إذا كنت تسافر بعيداً، فأنت تملك الكثير من النقود في جيوبك.

وفي بعض الأحيان، يطلب الجنود النظر إلى هوياتنا أو البحث في صندوق العربة، البعض يقول إنه ”يحتاج إلى فحص هذه الهويات“، ويذهب إلى مبنى مجاور للتحقق من معلومات القاعدة العسكرية لمعرفة ما إذا كان أي منا مطلوب لأي سبب من الأسباب، ولكنهم عادة ما يقولون ”كل شيء على ما يرام، يمكنكم الذهاب“ وبنادق أيه كيه-47 تتدلى على أكتافهم، محمد يطلق عليهم ألقابا مثل ”حبيبي“ و ”يا صديقي“، ويشد على أيديهم بحماس، عارضاً عليهم قطعا صغيرة من العملة على سبيل الشكر.

أعلام حزب الله والميليشيات التابعة لها

”ما كل هذه الأعلام؟“ ونحن نمر ونرى أعلاماً صفراء، وحمراء، ومنها أعلام سوريا، وتتواجد عشوائياً في كل نقطة تفتيش، وأيضاً إلى جانب الطريق على امتدادات طويلة لما بدا وكأنه لا شيء. ويعلم الجميع في سوريا بأن الأعلام الصفراء لـ حزب الله، ولكني فوجئت بأن أرى أعلاماً حمراء للمقاتلين الأفغان، وقال محمد بأنهم ”الأفغان الشيعة“ الذين يأتون لمحاربة تنظيم داعش، ويشاع بأن زعيمهم إيراني.

أول 5 ساعات من الرحلة كانت هادئة، مثل الكثير من رحلات الطريق عبر منطقة ”الغرب الأوسط الأمريكي“ (باستثناء مراحيض القرفصاء في نقاط الإستراحة)، واشترى محمد لنا القهوة، وأخبرنا عن مقابلاته لطلب اللجوء في سفارات البلدان الناطقة بالانكليزية، ويأمل في تقديم حياة أفضل لأسرته في الغرب، إلا أنه يخشى أنه إذا تبين أثناء المقابلات ما يفعله من أجل العيش، فإنهم سيرفضونه، وبدأ صوت فيروز يصدح في الراديو مع شروق الشمس.

طريق ”خناصر“.. شريان الحياة لمدينة حلب

الساعة 07:00 صباحاً، في ”أثريا“، يتوقف محمد وراء خط من الشاحنات المحملة بالبضائع مخفية بواسطة النايلون مع شعارات باهتة للأمم المتحدة، وقال ”الآن سننتظر منهم فتح طريق ”خناصر“، وعادة ما يحدث ذلك حوالي 08:00 صباحاً“.

والطريق عبارة عن قطاع ضيق، 33 ميلاً من الطريق بين أثريا وخناصر التي يسيطر عليها النظام السوري.

وفي ذلك الوقت، كان مسلحو تنظيم داعش يختبئون في التلال على بعد بضعة كيلومترات إلى الشرق. وعلى بضعة كيلومترات إلى الغرب هناك المقاتلون الذين ينتمون لتنظيم القاعدة.

وكل يوم، يسمح جنود النظام الذين يحرسون الطريق بالسماح لسيارات الشحن والمدنيين بالمرور لبضع ساعات، قبل أن تستأنف المعارك في الليل، كنوع من الهدنة غير المعلنة، على الرغم من أنني لا يمكنني تأكيد ذلك، وهذا الطريق هو شريان الحياة لمدينة حلب مع بقية البلاد، وقيّم للغاية لأولئك الذين يسيطرون عليه.

في حوالي الساعة 08:00 صباحاً، الرجال يدردشون قرب سياراتهم ويعودون مرة أخرى لتشغيل محركاتهم، وفي غضون ثوان، كنا نسير بسرعة بسيارتنا نسابق الشاحنات بسرعة 100 ميل في الساعة، وسألته ”أنا أعرف بأنك تحب السرعة، ولكن هل هذا ضروري حقاً؟“ وتمسكت بالباب، وغرقت في مقعدي.

وقال محمد ”اسمع، هذا الطريق مفتوح ومكشوف، وهناك دبابات روسية قامت داعش بتفجيرها قبل بضعة أشهر“ ورأينا الدبابات على جانب الطريق، جنباً إلى جنب مع أكوام طويلة من هياكل شاحنات يطمرها التراب، وفكرت بأنه إذا لم يقم أحد بنقل هذه، فربما لأنها كانت محاولة خطرة جداً.

بعد أكثر من ساعة بقليل بعد عبور خناصر، اقتربنا من بقايا المدينة المدمرة، الرعاة يقودون أغنامهم على جانب الطريق، بالقرب من السقوف التي تبدو كما لو أنه تم الضغط عليها إلى أسفل حتى لمست إحدى زواياها الأرض، هذه المباني الغارقة المتزايدة في العدد، وبعد أن تجاوزنا نقطة التفتيش النهائي في حدود شرق مدينة حلب، كانت تسيطر على أنظارنا المناظر الطبيعية.

حلب الشرقية مدينة أشباح

لقد تحملت حلب الشرقية العبء الأكبر من المعركة، وكثيراً ما تعرضت للقصف، وهي الآن تشبه مدينة أشباح، مع إشارات عرضية من الحياة، رجل يسير في الشارع والشرفات المكشوفة للمباني القليلة التي ما زالت قائمة، وبعض المتاجر التي تفتح أبوابها المعدنية.

وصاح بي محمد عدة مرات ”توقفي عن التقاط الصور“، ووبخته المرأة المسنة التي تجلس بجواره برعب على صراخه ولكنه أصر ”لا نريد أن يقوم الجنود بطرح الأسئلة“، تظاهرت بخفض هاتفي ولكن بقيت ألتقط الصور لبقايا المدينة مسقط رأسي.

بقينا على الطريق الدائري الخارجي، ننتقل في جميع أنحاء الجزء الشمالي لمدينة حلب، وفي نهاية المطاف وصلنا إلى الجانب الغربي من حلب الذي كانت تسيطر عليه قوات النظام طوال فترة الصراع، أقل بكثير من الأضرار وكان بالضبط كما أذكره، المباني كانت سليمة كلها تقريباً، والشوارع كانت مليئة بالحفر ولكن تفيض بحركة المرور، أكشاك أقيمت على طول الطريق تقريباً لكل شيء الغذاء، الهاتف المحمول، الخبز، والمصابيح، وكان الناس في كل مكان، الأطفال في الغالب يعبرون الشوارع في كل زاوية وبكل سرعة، وقال لي الجميع فيما بعد ”كان يجب أن تكون هنا قبل بضعة أشهر، لقد كان كل شيء مختلفاً تماماً“.

التقيت مع أبناء العمومة، وأصدقاء الأسرة، آباء وأمهات الأصدقاء الذين انتقلوا إلى الخارج، والذين بقوا، انضممت إلى والدي، اللذين وصلا قبل ذلك ببضعة أيام، وكانا يقيمان في الفندق الوحيد المتبقي في المدينة، ”قصرالشام“.

الجميع أخبروني بقصصهم، إحدى الصديقات التي كان زوجها يعمل طبيبا جراحا في المستشفى الجامعي في حلب الغربية، أراني حفنة من الأشياء الغريبة التي كان يستخرجها من المرضى وأبقيتها سراً كتذكار.

وقالت ”لقد قام بسحب مروحة قذيفة هاون من جسم مريض، لدي بعض الارتباطات العاطفية مع هذه الرصاصة، نظراً لأنها طارت بقدمي“، وعرضت بسخاء اصطحابي للقيام بجولات عندما سألت عن الهدايا التذكارية، (وقبل أن أسافر إلى منزلي  في نيويورك، وفي مطار بيروت، صادرت السلطات كل التذكارات مما تسبب في تفويت رحلتي).

قبل شهر كانون الأول/ديسمبر 2016، كان سكان حلب الغربية يخشون أساساً 3 أنواع من الأجسام الساقطة: قذائف الهاون قصيرة المدى المضادة للدبابات، والقذائف المضادة للدبابات والرصاص، ومعظمه قادم من الشرق. أي واحد منها يمكن أن تقتل الشخص في العراء أو في السيارة أو في المنازل، ولكن الغرب لا يملك ”الكعكات الغارقة“.

إحدى صديقات أمي، والتي تعيش في أحد الأحياء معظم سكانها من المسيحيين قالت لي: ”سقطت آر بي جي على بعد أمتار قليلة فقط مني، ومن شقيقتي أثناء سيرنا في الشارع، وبقيت أذناي تطنان لمدة ساعة، وقتل رجل في مكان قريب“.

 قمت بالعبور فوق الحفر العملاقة، عندما اضطررت إلى إيصالها لمنزلها في سيارتنا العائلية القديمة بعد يوم من لقائنا، واستمعت إلى تجربتها في الحرب.

غياب الخدمات الأساسية

لم تستطع ابنة عمي أن تصدق بأنني عدت، وقالت لي بأنها حصلت على شهادة في مجال التكنولوجيا الحيوية من جامعة حلب، ولكنها تواجه مشكلة إيجاد فرصة عمل في حقلها، معظم الناس يواجهون صعوبة في العثور على أي وظيفة، وأولئك الذين يجدون وظيفة تدفع لهم رواتب قليلة على الرغم من التضخم الذي ارتفع إلى 10 أضعاف.

حتى ولو أن الوضع هنا أحسن حالاً من الجانب الشرقي، فإن حلب الغربية لا تزال تفتقر إلى الخدمات الأساسية، المياه الجارية تأتي وتذهب طوال اليوم الآن، ولكن قبل كانون الأول/ديسمبر، كانت تأتي مرة واحدة في الأسبوع لمدة ساعة، وكانت صديقة أمي تقوم بملء حاوية واستخدامها كل أسبوع: للتنظيف، والاستحمام، والطبخ، وفي فصل الشتاء المتجمد، عندما كانت تدفئة الغاز غير موجودة، كان الاستحمام اختياريا، وقالت ابنة عمي: ”كنت أخاف من الاستحمام في فصل الشتاء، لأن الحمام كان بارداً جداً“.

وكان وصول الكهرباء متفرقاً أيضاً، عندما تم تقسيم مدينة حلب، والآن هناك مجموعة متشابكة من الأسلاك علقت بين المباني والشوارع ، تزود أولئك الذين يدفعون مقابل الـ ”أمبير“. ويكفي ”الأمبير“ الواحد لتشغيل ثلاجة ومصباح وتكلفتها تقريبا 3 دولارات كل أسبوع، تدفع للمدينة، ولجعل منزل ما مناسباً للمعيشة الأساسية ، هناك مروحة هنا وهناك (لأن مكيفات الهواء أصبحت مكلفة بالطاقة)، وسخان كهربائي صغير في فصل الشتاء (لأنه لا يوجد أي غاز للسخانات العادية) مما يتطلب توفر على الأقل 10 ”أمبير“، بسعر 30 دولاراً في الأسبوع، وهذا يتجاوز بكثير ما يمكن أن يتحمله معظم السوريين.

وفي كل مكان، تتواجد المباني التي لم تنته، ويتم استخدامها كمأوى، وكذلك هي المدارس القديمة، قاعات المسجد، البيوت المهجورة، والمكاتب الفارغة، حيث يعيش النازحون في الأجزاء المدمرة من المدينة أو البلدات المجاورة، بشكل رسمي أو غير رسمي، في كل مساحة ممكنة من المدينة، وأخبرني أحد الأصدقاء أن ”الناس اقتحموا مكتب والدي في وسط المدينة، وبدأوا العيش هناك، حتى أنه اضطر لإجبارهم على المغادرة“.

وسألته ”لماذا لم تسمح لهم بالبقاء؟“ بالتأكيد الناس يمكن أن يروا الفائدة من تقديم مساحة للأسر المحتاجة، ولكن قوانين التأجير ستجعل من المستحيل تقريباً استعادة هذه المساحة إذا عادت الأعمال التجارية مرة أخرى، وهكذا تبقى الأماكن فارغة.

في اليوم الثالث في حلب، عدت أنا ووالدي إلى المدينة القديمة، الحي التاريخي الذي كرس معظم حياته المهنية كمهندس معماري للحفاظ عليه، الحي، الذي يقع بين الجانبين الشرقي والغربي من المدينة، هو تقريباً حجم ”سنترال بارك“، وواحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، ولكن تقديرات ”اليونسكو“ الآن تقول إن 60% منها قد تم تدميره بسبب القتال.

كنا نبحث عن فناء المنزل القديم الذي قام والدي بتحويله إلى مكتب حيث عمل لعقود، في البداية حاولنا أن نتبع طريقاً مألوفاً من حي سليم نسبيا في غرب المدينة القديمة، ولكن في كل مرة ونحن نجد أنفسنا في متاهة، وجدنا طرقاً مسدودة، براميل معدنية على كومة من التراب تسد الشارع بعرض 4 أقدام. ”لا تذهب، قد يكون هناك ألغام“. قال أحد الأصدقاء الذي قام بإيصالنا إلى المدينة القديمة عندما حاولت التسلق لرؤية المكان.

وكانت الطرق هنا ضيقة جداً لمرور دبابة أو لتنقل جيش كبير بسرعة، وعلى جانبي الشوارع كانت تصطف المنازل من طابقين، حيث قام الجنود بإحداث الثقوب في الجدران، تسمح لهم بالانتقال عبر المقاطع التي لم يتم كشفها، وعن طريق التسلق من خلال هذه الثقوب، وجدنا أخيراً المكتب، الذي كان قد نجا على الرغم من أن كل شيء عبر الشارع لم يكن كذلك.

قبل الركوب للعودة إلى بيروت، قضيت آخر يوم لي في حلب للتجول بسيارة العائلة، ولكني ضغطت على الفرامل بشدة عند قيام صبي يبلغ من العمر 10 سنوات بالركض عبر الطريق، وسيجارته في يده كان ذلك في منتصف الأسبوع، الأطفال تقريباً من عمره وأصغر سناً خارج المطاعم، يسألون الناس بعض الطعام، أطفال منتشرون تقريباً في كل كشك وسوبر ماركت، يسألون ويمكنهم إعطاء توجيهات أفضل من الكبارعن الشوارع والاتجاهات، ولبضع مرات، وجدت نفسي أحدق في الأطفال الذين كانوا بعمر 6 سنوات، وأفكر بأنهم كانوا التجسيد المادي لطول هذه الحرب، لم يعرفوا بلداً ينعم بالسلام.