الجنيه السوداني يدعو إلى العصيان المدني واستجابة محدودة في يومه الأول

الجنيه السوداني يدعو إلى العصيان المدني واستجابة محدودة  في يومه الأول

المصدر: وكالات

مثل ”التحرير الجزئي“ لسعر صرف العملة المحلية في السودان (الجنيه) مقابل العملات الأخرى، واحدًا من أقسى الإجراءات التقشفية، التي طبقتها الحكومة الشهر الماضي، لكن المفارقة أن نشطاء جعلوا من الأوراق النقدية أداة من أدوات مقاومتهم لتلك القرارات.

فمنذ أيام، يتداول سودانيون ”أوراقا نقدية“ تحمل عبارة تحث على المشاركة في عصيان مدني يدعو إليه نشطاء وأحزاب سياسية، اليوم الاثنين (الذكرى السنوية لإعلان استقلال السودان عام 1955)، ولمدة يومين، احتجاجا على ارتفاع أسعار الكثير من السلع.

ولجأ منظمو العصيان إلى هذه الوسيلة على أمل أن تصل دعوتهم إلى من لا يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم الترويج بشكل أساسي للعصيان.

وتعتبر الفكرة السابقة، ”وسيلة جديدة“ لم يلجأ إليها السودانيون في دعوتهم إلى العصيان الأول، الشهر الماضي.

ودعا نشطاء أنصارهم إلى كتابة عباراة ”عصيان مدني – 19 ديسمبر“ (كانون أول الجاري) على الأوراق النقدية، لدعوة السودانيين إلى البقاء في منازلهم وعدم الذهاب إلى أعمالهم.

ومع تداول أوراق نقدية تحمل عبارة العصيان، نشر مدونون موالون للحكومة، على مواقع التواصل الاجتماعي، صورا لعملات نقدية مرفقة بدعوات إلى الحفاظ على العملات، بوصفها ”رمزنا وعنوان حضارتنا“.

استجابة محدودة..

وشهدت أحياء العاصمة السودانية، الخرطوم اليوم الاثنين استجابة محدودة لعصيان مدني دعا له نشطاء للمرة الثانية في أقل من شهر ردا على خطة تقشف حكومية.

وكانت مدينة ”أمدرمان“ أحد المدن الثلاث المشكلة للعاصمة الأكثر استجابة مقارنة بنظيرتيها الخرطوم، والخرطوم بحري.

لكن في مدينة الخرطوم خصوصا في أحيائها الشرقية والجنوبية كانت نسبة الاستجابة أقل مما كانت عليه عند العصيان الماضي.

وكان اللافت في هذه الأحياء انتظام طلبة المدارس خلافا للمرة الأولى حيث تعطلت الدراسة في جزء كبير من المؤسسات التعليمية بالعاصمة.

المساءلة القانونية

وضجت منصات التواصل الاجتماعي، بمنشور نسب إلى البنك المركزي (مسؤول عن السياسات النقدية) يحذر فيه من أن الأوراق النقدية التي تحمل عبارة العصيان ”لن تكون مبرئة للذمة“ (تعرض حاملها للمساءلة القانونية).

ولاحقا نفى البنك المركزي أن يكون هذا المنشور صادرًا عنه.

وقال عبد الجليل عجبين، عضو لجنة التشريع والعدل في البرلمان السوداني، إن ”الكتابة على العملة، واستخدامها كوسيلة ترويجية، مرفوض في كل الأعراف القانونية والدستورية“.

وهدد عجبين أن ”البنك المركزي يمكنه اتخاذ إجراءات قانونية ضد من يروجون للعصيان على العملات“.

إنقاذ الجنيه

مثل هذه التحذيرات من المساءلة القانونية سخر منها نشطاء على الصفحة الرسمية لمنظمي العصيان، حيث كتب أحدهم في تدونية على ”فيسبوك“، أن حملتهم تهدف أصلا إلى ”إنقاذ الجنيه“.

وبغض النظر عن احتمال مقاضاة البنك المركزي لمن طبعوا عبارة العصيان من عدمه، فإن العملة السودانية باتت أداة محورية في الدعوة إلى العصيان، ضمن أدوات أخرى تشمل الكتابة على الجدران والأسفلت.

وبحسب منظمي العصيان، فإن الإضراب العام، الذي يأملون بدايته اليوم، سيحقق نجاحا أكبر من عصيان 27 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي الجزئي، الذي استمر ثلاثة أيام.

وبينما قال الرئيس السوداني، عمر البشير (72 عاما)، إن هذا العصيان ”فشل بنسبة مليون في المائة“، قال معارضون إن التجربة لقيت استجابة كبيرة بين السودانيين، مما دفع إلى الدعوة إلى عصيان كامل اليوم.

العصيان بدلا من التظاهر

الداعون إلى العصيان المدني يرجعون اختيارهم هذه الوسيلة الاحتجاجية بدلا من التظاهر إلى رغبتهم في تجنب العنف، الذي صاحب احتجاجات حاشدة في سبتمبر/ أيلول 2013، عندما طبقت الحكومة خطة تقشف مماثلة.

في تلك الاحتجاجات، التي كانت الأقوى منذ وصول البشير للسلطة عام 1989، سقط 86 قتيلا وفق إحصائيات الحكومة، وأكثر من 200 قتيل، طبقا لأرقام المعارضة.

وبحسب مراقبين، تبدو الدعوة إلى عصيان اليوم أكثر تنظيما من الأولى، التي افتقرت، على حد تقديرهم، للتنظيم الدقيق بسبب أن من أطلقوها لم يكن بينهم رابط تنظيمي، كما لم تدعمها أحزاب المعارضة بشكل فعال.

لكن هذه المرة، ومنذ أكثر من أسبوع، تباشر أحزاب المعارضة وحركات مسلحة حملات تعبئة وسط أنصارها، بالتنسيق مع شباب العصيان، الذين لم تعلن قيادتهم عن نفسها، وتكتفي بإصدار بيانات على صفحة العصيان على ”فيس بوك“.

إجراءات تقشفية

وواصفا الداعين إلى العصيان بـ“معارضي الكيبورد (لوحة مفاتيح الحاسوب)“، تحداهم البشير، في تصريحات الأسبوع الماضي، أن يتمكنوا من الإطاحة به عبر الشارع، وليس عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تنطلق منها دعوات العصيان.

على نهج البشير، يقلل المسؤولون الحكوميون من العصيان، ويقولون إن الشعب تفهم القرارات الاقتصادية الأخيرة، التي شملت رفع الدعم عن الوقود، ما زاد أسعاره 30%، فضلا عن رفع الدعم جزئيا عن الكهرباء، والتوقف عن توفير الدولار لشركات استيراد الأدوية؛ ما دفعها إلى التعامل مع السوق السوداء، وأدى إلى زيادة أسعار الأدوية.

وتلك الإجراءات هي الأحدث ضمن خطة تقشف لجأت إليها الحكومة السودانية تدريجيا منذ 2011 لتعويض تراجع الإيرادات، الذي خلفه انفصال جنوب السودان في دولة استحوذت على 75% من حقول النفط.

وفي بلد يستورد غالبية احتياجاته من الخارج، كانت العائدات النفطية تمثل 50% من الإيرادات العامة للسودان، و80% من مصادر العملة الصعبة.

بيان أمريكي ورد سوداني

المواجهة بين الحكومة السودانية والداعين إلى العصيان اتخذت بعدًا دوليًا، إذ أعرب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، مارك تونر، في بيان له يوم الجمعة الماضي، عن قلق واشنطن من تهديدات الحكومة السودانية للمعارضين، وقمع وسائل الإعلام.

تونر مضى داعيا السلطات السودانية إلى التعامل مع أي متظاهرين متوقعين عبر ضبط النفس، واتخاذ الخطوات اللازمة للسماح للمواطنين بممارسة حقهم في حرية التعبير، داعيا المعارضين في الوقت نفسه إلى ممارسة حقوقهم الأساسية بطريقة سلمية.

التصريحات الأمريكية أثارت الخارجية السودانية، حيث صرح المتحدث باسمها، قريب الله خضر، حسب وسائل إعلام محلية إن ”البيان الأمريكي يفتقر إلى الدقة والموضوعية، وهوبعيد تماما عن الأجواء الإيجابية، التي تشهدها الساحة السودانية، حيث تتهيأ لتنزيل (تطبيق) مخرجات (نتائج) الحوار (الوطني) على أرض الواقع، توسيعا لدائرة المشاركة على طريق التبادل السلمي للسلطة وتحقيق التنمية المستدامة“.

وشدد المتحدث السوداني على أن ”دستور البلاد يكفل حرية التنظيم والنشر والتعبير وفقا للقوانين السارية، حيث ينشط على الساحة مايزيد على ثمانين حزبا سياسيا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com