عزمي بشارة.. مأساة ”غودو“ الذي لا ينتظره أحد – إرم نيوز‬‎

عزمي بشارة.. مأساة ”غودو“ الذي لا ينتظره أحد

عزمي بشارة.. مأساة ”غودو“ الذي لا ينتظره أحد

المصدر: إرم نيوز - خالد أبو الخير

لا يعرف أحد بالضبط لماذا اختار عزمي بشارة مغادرة فلسطين التاريخية ليبدأ رحلة ”غودو“ الذي لا يعود، ضاربًا عرض الحائط بوصية محمود درويش القائلة ”يا صخرة صلى عليها والدي لتصون ثائر، أنا لن أبيعك بالآلئ، أنا لن أسافر“.

قد يقول قائل إن إسرائيل ضيقت عليه وحمّلته الكثير من التهم التي تتضمنها سيرته الذاتية، التي تبدأ من محاولات نزع حصانته البرلمانية حين كان عضوًا في الكنيست، إلى توجيه تهمة  ”مساعدة العدو في زمن الحرب“،  المقصود دعم حزب الله اللبناني خلال حرب لبنان 2006، إلى تهمة التحريض على التظاهر خلال الانتفاضة الثانية.

 لكن المثير أن هذه التهم والمضايقات لم تزد ولو قليلًا عما واجهه زملاء له ما زالوا يقارعون الاحتلال في الكنيست، وفي كل المحافل دون أن يغادروا وأبرزهم أحمد الطيبي وحنين الزعبي وغيرهم.

نقطة سوداء

نقطة سوداء في صفحته لا يحب التطرق إليها ولا تتضمنها سيرته الذاتية، هي يوم طرد من مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين في الأردن العام 2000، ورشقه بالحجارة كما يفعل المقاومون الفلسطينيون عادة مع الإسرائيليين.

لم يطرد عزمي بشارة فقط لتطبيعه مع العدو كما قيل، إنّما لجملة نهجه وأفكاره التي تتعارض تمامًا مع أفكار هؤلاء الذين لا يزالون يقبضون على مفاتيح و“كواشين“ بيوتهم في فلسطين ويعيشون اللجوء الذي لم يعانيه بشارة.

ثمة بون شاسع بين من ينظر إلى القضية من خلف نافذة منزل متهالك في مخيم، وبين من ينظر إليها من نافذة سيارة تشريفات ملونة أو شرفة جناح في فندق 7 نجوم.

عزمي بشارة المولود في الناصرة يوم 22 تموز/يوليو 1956 لعائلة مسيحية، تشرّب الفكر السياسي مبكرًا، فقد كان والده انطون بشارة قياديًا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي نادى مبكرًا باندماج فلسطينيي 48 واليهود ”التقدميين“ في إطار سياسي واحد، وهو بالضبط ما ينادي به عزمي بشارة منذ سنوات في معرض ترويجه  للدولة ثنائية القومية وحتمية التعايش بين الفلسطينيين واليهود.

تأثر بشارة بأبيه

مواقف بشارة الأب كادت أن تودي بحياته حين أعلن تمسكه بالأفكار التي نادى بها الحزب عشية قيام الدولة العبرية في العام 1948، فقد ورد اسمه ضمن قائمة الإعدام التي أعدها قائد جيش الإنقاذ فوزي القاوقجي الذي تصدى للعصابات الصهيونية لمنعها من تشريد الشعب الفلسطيني.

تأثر عزمي بشارة بالأجواء السياسية السائدة في بيته، ومارس نشاطه السياسي أثناء دراسته بالمدرسة المعمدانية الثانوية في المدينة ضمن الشبيبة الشيوعية، وغداة انتسابه لكلية العلوم الاجتماعية في الجامعة العبرية في القدس المحتلة العام 1977، أسس الاتحاد العام للطلاب العرب، وأصبح أول رئيس له.

بعد تخرجه من الجامعة العبرية سافر بشارة إلى ألمانيا والتحق بقسم الفلسفة في جامعة همبولون، ضمن بعثة عن الحزب الشيوعي، و حاز على الدكتوراه في الفلسفة، عاد بعدها ليعمل محاضرًا جامعيًا في معهد فالنير في القدس وفي جامعة بيرزيت.

تغيرت قناعات عزمي الشيوعية وبدأ يخط طريقًا منفردًا ورفض أول ما رفض سعي الحزب إلى إدماج الفلسطينيين في إطار يهودي، خاصة وأن أيدلوجيا الحزب تقوم على محو الخصوصية الوطنية والقومية الفلسطينية، ما دعا قادة الحزب إلى تنبيهه أولاً، بسبب تاريخ والده “ النضالي“ ومن ثم الهجوم عليه، ومن الذين هاجموه بشدة الشاعر والأديب إميل حبيبي الذي كان من قادة الحزب ونعته بأوصاف قبيحة.

آثر عزمي الانسحاب من الحزب بهدوء فقدم استقالته، بعد أن أخذ ينظّر للشعار الذي أصبح مرتبطا به أكثر من أي شخص آخر، وهو“دولة لكل مواطنيها ”، أي يرى أنه يتوجب على إسرائيل أن تتخلص من طابعها اليهودي، بحيث تكون المواطنة أساس الحقوق وليس الانتماء الديني.

في العام 1993 أسس بشارة حركة الميثاق للمساواة ، ونجح  في ضم العديد من كوادر الحزب الشيوعي من الشباب الحانق على سلوك الحزب والرافض لمواصلة انفراده بتمثيل فلسطينيي 48 سياسيًا.

الترشح للكنيست

ترشح للكنيست لأول مرة العام 1996 على قائمة تحالف بين الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي، كما  ترشح لمنصب رئاسة الوزراء كتحد للديمقراطية الإسرائيلية كما قال، ولكي لا يصوت العرب لباراك أو نتنياهو المرشحين في ذلك الوقت.

بدأ بشارة يبرز عربيًا في ذلك الوقت عبر استخدامه منبر الكنيست ومنابر أخرى لطرح أفكاره حول عنصرية إسرائيل، والدعوة لأن تكون إسرائيل ”دولة لجميع مواطنيها“ في إشارة إلى وصف إسرائيل بـ“الدولة اليهودية“، كما انتقد الفكر الصهيوني المسيطر في الدولة بما يحويه من تمييز ضد الفلسطينيين وأن تعامل الدولة الإسرائيلية مع السكان العرب الفلسطينيين الأصليين يتعارض مع إدعاءات إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية.

تعتبره  حركة أبناء البلد في الأرض المحتلة أن بشارة يشارك بفاعلية في محاولة ”أسرلة جماهيرنا العربية الفلسطينية في الداخل من خلال جهوده لإشراكها في النظام السياسي الصهيوني“.

عروبي قومي

يحب بشارة أن يقدم نفسه باعتباره عروبيًا قوميًا، وجسرًا بين فلسطينيي 48 والأمة العربية، استفاد إلى أقصى مدى من زيارته إلى دمشق العام 2006 ولقائه الرئيس بشار الأسد وثنائه عليه، بغض النظر عن تغير موقفه منه بعيد انطلاق الثورة السورية.

المثير أن بشارة كان ينبغي أن يكون ضمن وفد عرب 48 الذي زار العاصمة الليبية طرابلس في 2010، لكنه اعتذر عن المشاركة لسبب في نفسه.

حصل في العام 2002 على جائزة ابن رشد للفكر الحر ومقرها برلين لإسهامه في تشجيع حرية الرأي والديمقراطية في العالم العربي، وفق ما ورد في إسناد الجائزة له، كما حصل على جائزة حقوق الإنسان من مؤسسة Global Exchange في العام 2003 وشغل كرسي جمال عبد الناصر في مركز دراسات الوحدة العربية بين الأعوام 2007-2009.

بعيد مغادرته أرض الأجداد توجه إلى قطر للإقامة والعمل، وبدأ إطلالته على قناة الجزيرة، مساندًا لثورات الربيع العربي التي اندلعت في 2011، بل وباعتباره منظرًا للثورة.

الثورات العربية

يفسر وقوفه في صف الثورات العربية انطلاقًا من أن المثقف العضوي أو كما يسميه هو المثقف العمومي مرتبط بطموحات الناس دون أن ينتبه إلى ما جلبته هذه الثورات من ويلات ودمار طال كل شيء.

من كرسيه الوثير الذي يطلق منه رشاش الدعوة للثورة على أنظمة ينسى أنه من صفق لها، باعجاب شديد.

والأنكى أنه يقول عن نفسه إنه ”رافق هدير الميادين، ليس فقط عبر إطلالته الإعلامية في تحليل الثورات، بل وقبل ذلك من خلال تطوير خطاب ديمقراطي وعقلاني في الوقت نفسه، استطاع فيه أن يعمل المبضع في التراكيب الاجتماعية السياسية والفكرية العربية دون أن يخطر على باله أن الثوار الذين يدعمهم لا يحظون بثقافة تؤهلهم لفهم أفكاره، وفي سلوكهم لم يقيموا عدلا بدل الظلم، ولم يعلوا أي قيمة للإنسان، بل قتلوه واغتصبوه وامتهنوه! ولم يقدموا أي خطاب ديمقراطي وعقلاني كما يدعي بل نشروا الظلام“.

الغريب أن المفكر الأكاديمي الناشط والكاتب السياسي الروائي الفلسطيني القومي العربي، قائد التجمع الوطني الديمقراطي ومؤسسه في إسرائيل، النائب السابق في الكنيست الإسرائيلي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حامل درجة الدكتوراه في الفلسفة، المسيحي لكي لا ننسى إلى آخر ألقابه التي تتصدر سيرته الذاتية، التقت مصلحته مع الإسلاميين بل والظلاميين الذين حاولوا ركوب موجة الربيع العربي للوصول إلى السلطة.

ما زال عزمي بشارة يملأ البث الفضائي بتنظيراته التي تشوه الحقيقة أو تبرز جزءًا منها فقط، ومشكلته هي مشكلة المنظرين الذين وصفهم برتولد بريخت بـ“التوى“، أو الدمى الذين يعجزون عن تحويل الفكر إلى عمل.

هناك من يرى في عزمي بشارة مشروعًا إسرائيليًا في العالم العربي، ويعتبر أن المضايقات والتهم التي تعرض لها جزء من عملية تضخيمه ليسهل تسويقه، وهناك من يرفض أفكاره فحسب.

عصبي وحاد المزاج

 يصف العارفون بشارة بأنه رجل عصبي وحاد المزاج ولا يقبل النقد أو المناقشة ويعتبر نفسه نصًا مقدسًا، ويلقي كلامه على أساس أنه بديهيات ومسلمات على الجميع أن يقبل بها.

يبقى القول إن مشهد طرده من مخيم البقعة تكرر عندما طرد من البلد الذي فجر ”الربيع العربي“  في آب/أغسطس من العام الحالي، فقد طرده عدد من الشباب التوانسة المناصرين للقضية الفلسطينية من قاعة مؤتمر حول ”مقاطعة الاحتلال“ ينظمه ”المؤتمر العربي للأبحاث ودراسة السياسات“ الذي يشرف عليه بشارة نفسه.

على الرغم من أن بشارة قد يطرد غدًا أيضًا لهذا السبب أو ذاك، في هذا البلد أو ذا إلا أنه لا يرعوي.

في مسرحية صاموئيل بيكت ”في انتظار غودو“ يبقى الناس في انتظار البطل الذي لا يأتي، لكن مأساة غودو بشارة أن فلسطينيًا واحدًا لا ينتظره!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com