”المسافة الآمنة“.. خطة إسرائيلية لمواجهة فرضية التعرض لغزو من قبل حزب الله

”المسافة الآمنة“.. خطة إسرائيلية لمواجهة فرضية التعرض لغزو من قبل حزب الله

المصدر:  ربيع يحيى – إرم نيوز

انعكست المتغيرات المتلاحقة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة على الخطط والاستراتيجيات العسكرية لغالبية الجيوش النظامية، والتي عملت على إعادة تقييم سلة المخاطر والتهديدات الأساسية، وأقدمت على تطوير أساليب التخطيط والتدريب، ووضعت تقديرات جديدة بشأن الأعداء الافتراضيين، والذين يتشكلون في الغالب من ميليشيات مسلحة تتبع أساليب قتالية غير تقليدية، وتشن عمليات بأسلوب حرب العصابات.

وتمتلك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قناعة بأن خبرات كبيرة اكتسبتها ميليشيات حزب الله اللبنانية جراء مشاركتها في العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية طوال السنوات القليلة الماضية، وأن هذه الخبرات ستنعكس على أية مواجهة محتملة مع الجيش الإسرائيلي، ما يعني أن تخفيف الضغط على الجبهة الشمالية الإسرائيلية بعد انشغال حزب الله بالحرب السورية لم يبدد مخاوف إسرائيل بشأن الجولة الحربية القادمة.

ودأبت الاستخبارات الإسرائيلية العسكرية وأجهزة أخرى مختصة، على رصد تطور الأساليب القتالية للمنظمة اللبنانية، ورأت أن مشاركتها في الحرب السورية فرصة سانحة لاستخلاص العديد من الدروس، بصرف النظر عن مسألة الخسائر البشرية التي مُني بها حزب الله وعكستها تقارير عديدة، وفي النهاية وضعت خطة جديدة، سيعني التدقيق فيها فهم مدى التحول في الفكر العسكري لحزب الله من جانب، وأي نقطة بالتحديد تثير مخاوف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من جانب آخر.

أهداف الخطة.

وتتلخص أهداف الخطة الجديدة  بتوفير غطاء آمن لقرابة 78 ألف إسرائيلي يقطنون 50 مستوطنة متاخمة للحدود اللبنانية، على مسافات تتراوح بين كيلومتر واحد إلى أربعة كيلومترات، ما يعني أن الأجهزة التي قامت بوضع التقديرات ومن ثم أرسلتها لأجهزة تتولى مسألة التخطيط العسكري، لم تعد تركز فقط على الترسانة الصاروخية لحزب الله، ومدى الصواريخ التي تخطت مدينة حيفا إبان حرب لبنان الثانية العام 2006.

وتتعلق الخطة الجديدة الشاملة التي كشف عنها النقاب اليوم الجمعة، في صحيفة ”هأرتس“ بإدارة الحرب المقبلة مع حزب الله مع ظهور أولى المؤشرات على اندلاعها، ومن ثم تجنب الآثار الأولية والمفاجآت التي يمكن أن تتحقق في بداية تلك الحرب، قبل أن يبدأ الجيش الإسرائيلي  بضرب ”بنك الأهداف“ الذي حدده سلفا.

المسافة الآمنة

ويطلق الجيش الإسرائيلي على تلك الخطة اسم ”المسافة الآمنة“، وتبين أنها تحمل بصمات اللواء أفيف كوخافي، قائد الجبهة الشمالية، والذي تم تعيينه مؤخرا في منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة، ويتوقع أن يصبح في المستقبل أحد أبرز المرشحين لخلافة رئيس الأركان الحالي الفريق غادي أيزنكوت. كما شارك في إعدادها قائد الجبهة الداخلية اللواء يوئيل ستريك، والذي سيخلف بطيعة الحال كوخافي في قيادة تلك الجبهة، المطلة على جنوب لبنان.

وتستهدف الخطة التي وضعت على أساس استخلاص دروس من رصد تطور أساليب وقدرات حزب الله في سوريا، حماية عشرات الآلاف من المستوطنين بمجرد توافر إنذار استخباراتي بشأن حرب محتملة، وتدل المسافة المستهدفة على أن الحديث يجري عن تجنب آثار قصف محتمل بصواريخ ”بركان“ الثقيلة، التي يملكها حزب الله.

ويعمل واضعو الخطة الجديدة على التنسيق مع سكان المستوطنات والبلدات الحدودية، لا سيما في البلدة الأكبر ”شلومي“ بالجليل الغربي، وتبعد عن حدود لبنان مسافة كيلومتر واحد، ويقطنها قرابة 24 ألف نسمة، وصولا إلى بلدة ”المطلة“ التي لا يقطنها سوى قرابة 1600 نسمة، وتبعد كيلومترات معدودة عن الحدود اللبنانية.

ويسعى هؤلاء لمنع حدوث عمليات نزوح عشوائي من قبل السكان حال اندلعت حرب جديدة، ورفع مستوى الوعي لدى قاطني هذه البلدات بشأن الاحتياطات والإجراءات التي يمكنهم اتباعها حال وصلتهم تعليمات بذلك. وتتلخص هذه الإجراءات بتوعية السكان بأساليب الإخلاء المنظم ومنع حدوث حالة من الفرار الجماعي، العشوائي.

إخلاء..

أما عن الأهداف، فقد تحدثت الصحيفة مع ضابط كبير في الجبهة الشمالية، حيث أكد أن إخلاء المستوطنات من سكانها سيسهم في إفراغ مخططات حزب الله من مضمونها، مضيفا أنه في حال نجحت عناصر كتيبة ”رضوان“ التابعة لحزب الله في التسلل لهذه المستوطنات، فإنها ينبغي أن تجدها خالية تماما من السكان، وسيكون عليها بدلا من ذلك مواجهة جنود الجيش الإسرائيلي هناك.

ويعني ذلك أن من رصدوا خطط وأساليب عمل حزب الله في سوريا، أصبحوا على قناعة بأن المنظمة اللبنانية ستعمل على احتلال أجزاء شمالي إسرائيل، حال اندلعت حرب جديدة، ويبدو أنهم حددوا أهداف المنظمة اللبنانية من وراء هذه الخطوة المحتملة، وقدّروا أن لها علاقة بتحويل سكان البلدات الشمالية إلى رهائن أو أسرى، أي أن الحديث هنا  يتمحور حول كارثة تؤرق مضجع من توصلوا إلى هذه النتيجة داخل الأجهزة الإسرائيلية المعنية.

فرضيات ولكن..

وتدل الخطة، لو تم التركيز على هذه النقطة، أن الفرضية التي تم التوصل إليها بشأن ”غزو“ شمال إسرائيل، لم تستبعد، وفي الغالب تضع أجهزة الإستخبارات تقديرات وافتراضات قد يتم استبعاد بعضها وترجيح البعض الآخر، وعلى هذا الأساس يتم وضع سيناريوهات للتعامل مع الفرضيات الأقرب للواقع، وإعداد خطط مختلفة، تتم الاستعانة بأحدها وقت الضرورة، وربما لا يستعان ببعضها إطلاقا.

وفي هذه الحالة، يبدو أنه تم ترجيح فرضية التسلل الى شمال إسرائيل واحتلال بلدات هناك، بناء على رصد أساليب عمل حزب الله في سوريا، ولأسباب ميدانية أخرى، ومن ثم تم ترجيح الفرضية لدرجة وضع خطط ستكلف الجيش الإسرائيلي ملايين الدولارات حال تم اللجوء إليها، لا سيما إذا كان الإخلاء بناء على إنذار استخباراتي غير دقيق، وهو أمر يمكن أن تستغله منظمة حزب الله أحيانا.

وتؤكد مصادر أنه تقرر نهائيا إخلاء قرابة 80 ألف إسرائيلي حال اندلعت حرب جديدة، لكن القرار يبقى بيد المستوى السياسي، وبناء على ذلك، تعتقد هذه المصادر أنه ينبغي دراسة الوضع بدقة، والتحسب أيضا لإمكانية تعذر عمليات الإخلاء، ومن ثم ضمان مسارات لإدخال المساعدات والدعم للسكان الذين يتعرضون للقصف، طبقا لسيناريو آخر، بدلا من الغزو وفق السيناريو الأول.

مبالغة؟

وفي المجمل، وضعت الخطة الإسرائيلية المشار إليها قبل أن يستعرض حزب الله معداته وأسلحته الأمريكية والروسية في بلدة القصير السورية، ويطل بمظهره الجديد الأشبه بالجيش النظامي المتكامل، وبعد أن أعاد بدوره تعديل مفهوم العدو الأساس، ووجه دفته نحو إنقاذ نظام الأسد وصوب سهام انتقاده للمملكة العربية السعودية بالأساس.

لكن المبررات الإسرائيلية ربما لا تنفصل عن التطورات على الأرض، ولو وضع بالاعتبار أن المنظمة اللبنانية أهلت في السنوات الأخيرة قوات خاصة وعناصر اقتحام، وحفرت شبكة من الأنفاق التي تقود إلى شمال إسرائيل، ويبدو أن الحديث عن هواجس الغزو تستند إلى واقع.

وشهدت السنوات التي سبقت اندلاع الحرب السورية، ومنذ نهاية حرب لبنان الثانية قبل أكثر من عشر سنوات، تحذيرات إسرائيلية متكررة من قدرات حزب الله المتصاعدة، والدور الإيراني في دعم هذه المليشيات.

دراسات هوليوودية

وأشارت تقارير ودراسات إسرائيلية خلال السنوات الأخيرة إلى أن حزب الله أدخل إلى أساليبه القتالية نظاما جديدا يعتمد على قوات خاصة مدربة على الانقضاض الخاطف بنفس أسلوب قوات الكوماندوز النظامية، وطور من أساليبه القتالية داخل الأنفاق والدشم الحصينة، وأصبح يمتلك وحدات مضادة للطائرات تم تدريب عناصرها في إيران.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أشارت دراسة استطلاعية أعدها قائد كبير بسلاح البحرية الإسرائيلي قبل ست سنوات، يدعى العقيد روبي سندمان، بعد أن استعان بقرابة 24 ضابطا على صلة بملف حزب الله، إلى أن نموذج الحسم الذي يعتمد عليه الجيش الإسرائيلي لم يعد يتناسب مع الواقع المتغير.

وتوقع وقتها أن تشهد الحرب القادمة هجوما للمنظمة اللبنانية على الحدود بقوات كبيرة مسلحة جيدا وبأسلحة ثقيلة، وفور نجاحهم في التسلل إلى العمق الإسرائيلي سيتلقون دعما من السكان العرب -بحسب زعمه-، معتقدا أن الجيش الإسرائيلي لا يمتلك طريقة للتعامل مع إمكانية حدوث هذا السيناريو.

وبناء على كل ذلك، يتحسب الجيش الإسرائيلي حاليا لإمكانية التعرض لغزو بري من قبل حزب الله، أي أن التقديرات والتوقعات التي وضعت قبل انخراط حزب الله في الحرب السورية، لم تتغير عقب مشاركته، بل على النقيض، يبدو ان الخبرات القتالية التي اكتسبتها المنظمة الشيعية، زادت من مخاوف إسرائيل، التي تعمل على تلاشي آثار عمل من هذا النوع، بصرف النظر عما إذا ما كان هذا السيناريو قابلا للحدوث من عدمه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة