جلسات علنية وتاريخية لضحايا “حكم الاستبداد” في تونس

جلسات علنية وتاريخية لضحايا “حكم الاستبداد” في تونس

بدأ ضحايا حكم الاستبداد في تونس، أمس الخميس، سرد الانتهاكات الجسيمة والتعذيب الذي تعرضوا له، للمرة الأولى، في جلسات علنية تاريخية، في واحدة من أهم خطوات العدالة الانتقالية بعد ست سنوات من انتفاضة أنهت حكم زين العابدين بن علي.

وبثت محطات التلفزيون المحلية والأجنبية، مباشرة، جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات، بدءًا من الساعة 19:30 بتوقيت غرينتش، في خطوة وصفت بأنها تاريخية للبلد الذي يسعى لتعزيز مكاسب ديمقراطيته الناشئة بعد انتخابات حرة في 2011 و 2014 ودستور جديد.

وقالت سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، التي تشرف على مسار العدالة الانتقالية، إن “الجلسات تشكل حدثا تاريخيا مهما لكل التونسيين وستدرس للأحفاد والأجيال اللاحقة وستعزز صورة تونس في العالم كنموذج للتسامح”.

وفي الجزء الأول من جلسات الاعتراف، ليل أمس الخميس، قدم بعض الضحايا اعترافات مؤثرة، كما تضمنت أيضا شهادات لعائلات شبان قتلوا برصاص الشرطة أثناء انتفاضة 2011.

وفي 2011، أنهت موجة غضب عارمة احتجاجا على تفشي البطالة والفساد، 23 عاما من حكم بن علي، الذي فر إلى السعودية آنذاك. ونال الانتقال الديمقراطي السلس في تونس إشادة من الغرب بعد أن توصل الحكام الجدد لتونس لتوافق أنهى إقصاء مسؤولي النظام السابق من الحياة السياسية.

لكن رغم هذا التوافق، الذي أعاد عددا من مسؤولي النظام السابق إلى الحكم، فان كثيرا من التونسيين يرون أن الانتهاكات المرتكبة يجب ألا تمر دون محاسبة قبل الانتقال للمصالحة في مرحلة لاحقة.

وفي فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي -التي استمرت من عام 1987 إلى 2011- تعرض آلاف من خصومه الإسلاميين واليساريين إلى السجن والتعذيب والتنكيل. لكن مسار العدالة الانتقالية يشمل أيضا تاريخ تونس الحديث منذ الاستقلال تحت حكم الحبيب بورقيبة أول رئيس لتونس وحتى عام 2013 أي بعد الثورة.

وفي إحدى الشهادات القوية قال سامي براهم -وهو باحث واكاديمي كان قد اعتقل في بداية فترة حكم بن علي- إنه تعرض للاعتقال بعد فرار استمر سبعة أشهر كان يقضي بعضا منها في المقابر، فقط لأنه كان يعارض بن علي.

وقال براهم: “تعرضت للتعذيب الجنسي في مبنى وزارة الداخلية.. تعرضت لكل أنواع التعذيب المعنوي، وتلك كانت مهينة.. كانوا يطفؤون أعقاب السجائر في جسدي”.

وأضاف بينما كان يذرف الدموع “أوجه نداء للجلادين فقط ليعترفو ويتحدثوا ومستعد أن أغفر لهم.. تحقق كل شيء تمنيته يوم نادى المنادي بن علي هرب”.

وقالت بن سدرين هذا الأسبوع: “الهدف ليس التشفي… ليس هناك مبرر لهذه التخوفات… التونسييون متسامحون لكن بعد تحديد المسؤوليات”.

وخلال كلمة سبقت الشهادات، قالت بن سدرين: “تونس لن تقبل بعد اليوم انتهاكات حقوق الانسان.. واليوم لا صوت يعلو فوق صوت الضحايا”.

ومن بيين الشهادات أيضًا، شهادة لزوجة وأم لشخص قتل في مخفر للشرطة تحت التعذيب خلال فترة حكم بن علي أيضا.

وقالت فاطمة زوجة كمال المطماطي، إن زوجها قتل في مخفر شرطة في قابس في 7 اكتوبر 1991 تحت التعذيب بشبهة الانتماء للحركة الإسلامية.

وتروي فاطمة أنها لم تعرف أن زوجها قتل فقط بعد ثورة 2011 بعد سنوات طويلة لم تكن تعرف خلالها أي معلومة عن زوجها سوى أنه اختطف من مقر عمله.

ومرحلة الاستماع العلني تأتي بعد أن استمعت الهيئة الحكومية -التي أنشئت في ديسمبر 2013- إلى حوالي 11 ألف ملف في سرية تامة وراء أبواب مغلقة طيلة ثلاث سنوات.

وتابع مئات الشخصيات المحلية والدولية جلسات الاستماع العلنية التي تعقد في ضاحية سيدي بوسعيد، وتحديدا في فضاء نادي عليسة، الذي كان مملوكا لليلى بن علي زوجة الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وقالت سهام بن سدرين، إن “عقد الجلسات في الفضاء الذي كان مملوكا لزوجة الرئيس السابق له دلالة رمزية لأنه كان رمزا للفساد والاستبداد والآن عاد للشعب من جديد”.

وبن سدرين رئيسة الهيئة ناشطة حقوقية عانت من التضييق المستمر طيلة حكم بن علي، وكانت واحدة من أشد خصومه ومنتقدي سجله في مجال حقوق الإنسان.

وستعقد أيضا جلسات علنية أخرى في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، و14 يناير/ كانون الثاني، وهما تاريخان يرمزان لاندلاع شرارة انتفاضة تونس وهروب الرئيس السابق بن علي في 2011.