اليوم التالي لتحرير الموصل.. مستقبل الأقليات اختبار لمصداقية وعود المسؤولين

اليوم التالي لتحرير الموصل.. مستقبل الأقليات اختبار لمصداقية وعود المسؤولين

 ما إن دقت ساعة الصفر لبدء معركة الموصل، حتى ظهرت مخاوف بشأن اليوم التالي لتحرير هذه المدينة من قبضة داعش، ففي بلد متعدد الأعراق والإثنيات والطوائف والمذاهب تبرز تحديات كبيرة أمام مساعي الحكومة لإنصاف الجميع.

وإلى جانب الشيعة والسنة والأكراد الذين يمثلون النسبة الأعلى من سكان العراق، ويتمتعون بنفوذ في البرلمان والحكومة، فثمة أقليات مثل الكلد والآشوريين والصابئة المندائيين والشبك واليزيديين وسواهم ممن همشتهم الحكومات المتعاقبة في بغداد، فيما لم تكن حكومة إقليم كردستان الفتي بأفضل منها في التعاطي مع تطلعاتهم.

وعانت هذه الأقليات المنسية، أكثر من غيرها، في ظل حكم داعش، لكنها لا تنظر بارتياح الى اليوم التالي للتحرير، فآلام الأمس تطيح بأي بارقة أمل.

التجارب القاتمة  

لن يشعر بهنام أبوش بأي حال من الأحوال بقدر أكبر من الأمان إذا طردت القوات العراقية تنظيم داعش من معقله في الموصل، لذلك يعتمد هو و300 مسيحي آشوري آخرين في القوة شبه العسكرية التي يقودها على أنفسهم.

يقول أبوش إن بعض أعضاء طائفته الآشورية، وهي واحدة من الأقليات الدينية والعرقية العديدة في العراق، تُركوا يواجهون مصيرهم عندما اجتاح التنظيم المتشدد شمال العراق قبل نحو عامين.

والآن مقاتلوه عازمون على حماية البلدات والقرى المسيحية في منطقة الموصل دون التعويل على أحد بينما تشن القوات الحكومية العراقية وقوات أخرى هجومها لاستعادة المدينة القريبة.

ودائما ما كانت الأقليات القديمة جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي المعقد للعراق وستمثل مواقفها من الحكومة في بغداد وإعادة دمجها في المجتمع بعد الاضطراب الذي أحدثه ظهور داعش اختبارا لتعهدات زعماء العراق بتوفير الاستقرار بعد حملة الموصل.

وتعهدت الحكومة التي يقودها الشيعة بأن يحسن الهجوم الذي بدأ في الساعات الأولى من صباح الاثنين، الأمن، ويوحد أمة غارقة في الاضطرابات منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003.

لكن تجارب أبوش توضح لماذا لا توجد ثقة تذكر لدى عدد كبير من الأقليات، التي تتراوح من المسيحيين والأيزيديين إلى التركمان والشبك، في الحكومات الإقليمية والمركزية.

ويتذكر أبوش ليلة السادس من أغسطس آب 2014 بعد نحو شهرين من سقوط الموصل حيث قال إن القوات الكردية التي كانت متمركزة في بلدة قرقوش المسيحية أعلنت فرارها فجأة.

وتمكن كثير من سكان قرقوش وعددهم 55 ألفا من الفرار قبل أن يصل المتشددون بساعات قليلة، لكن أبوش قال إن الرحيل المفاجئ لقوات البشمركة التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان العراق أظهر إلى أي مدى يتعين على الأقليات الدفاع عن أنفسها.

وأضاف أبوش، وهو مهندس وضابط سابق في الدفاع الجوي في ظل صدام حسين، متحدثا في قاعدته التدريبية في بلدة القوش التي تبعد 50 كيلومترا من الموصل “قالوا لنا ‘سنحميكم’. وفي العاشرة والنصف مساء قالوا ‘سنغادر’. كان الأمر صعبا للغاية خاصة بالنسبة للنساء والأطفال.”

وهو الآن قائد قوة آشورية يقول إنها لم تحصل سوى على نصف الأسلحة التي تحتاجها من السلطات وتعتمد بشدة على التبرعات من المسيحيين العراقيين الذين يعيشون في الخارج.

ويعد أبوش رجاله في مضمار حواجز بساحة تدريب جبلية صغيرة تبعد 13 كيلومترا فقط عن مقاتلي تنظيم داعش. ومهمتهم هي طمأنة السكان المحليين بأن عودتهم إلى منازلهم في المناطق التي يتم طرد المتشددين منها ستكون آمنة.

وعود ومبررات

يقول آخرون إن هجوم الموصل سيفيد العراقيين من جميع الطوائف.

وقال هوشيار زيباري وهو مسؤول كردي كبير “الهدف الإجمالي لهذا الهجوم هو إعادة الناس إلى منازلهم بأمان لا أن نتخلى عنهم، المسيحيون والشيعة والسنة والجميع.”

أما خسرو كوران العضو الكردي في البرلمان العراقي، فقال إن قوات البشمركة المسلحة بأسلحة خفيفة انسحبت من قرقوش في 2014 لأنها لم تكن مستعدة لهجوم داعش. لكنه أبدى تعاطفا مع وجهات نظر أبوش.

وقال “أتفق مع أن الأقليات من الأيزيديين أو المسيحيين أو الشبك يجب أن تكون لديهم قوة شرطة محلية خاصة بهم لحماية مجتمعاتهم وهذا هو السبيل المثالي لحل مشكلة الثقة.”

وفي بغداد رفض متحدث عسكري شكاوى أبوش بشأن نقص الدعم من الحكومة المركزية قائلا إن الميزانية لا يمكن تغييرها باستمرار للتكيف مع الأعداد التي تنقص أو تزيد لكل قوة مشكلة لقتال داعش.

وقال “الحكومة حريصة على تقديم الدعم لكل من يقاتل داعش.”

وهيمن السنة، أكبر أقلية عراقية، على البلاد حتى سقوط صدام حسين في 2003.

والآن الشيعة هم من يسيطرون حيث يدير ساسة من طائفتهم التي تمثل الأغلبية الحكومة وتسيطر فصائل مسلحة شيعية على الكثير من الشوارع.

وفر مئات الآلاف من المسيحيين من الموصل ومدن أخرى في السنوات الأخيرة في مواجهة الترويع والتهديدات بالموت والعنف.

بحثًا عن حماية دولية

وعانى الأيزيديون على الأخص من وحشية داعش الذي يعتبرهم عبدة للشيطان. وقتل التنظيم المتشدد مئات الأيزيديين في 2014 بينما فر الآلاف إلى مخيمات في المنطقة الكردية. واغتصبت العديد من النساء اللائي لم يتمكن من الفرار أو تحولن إلى إماء للجنس.

ودفعت هذه المحن بعض الأيزيديين إلى التوصل إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكنهم أيضا سوى الاعتماد على أنفسهم.

فعلى سبيل المثال لم تحصل إحدى الميليشيات الأيزيدية، وحدات مقاومة سنجار، إلا على دعم جزئي من الدولة حتى على الرغم من كونها جزءا من قوات الحشد الشعبي التي تمولها الحكومة وفقا لقائدها سعيد حسن.

وأضاف أن هذه الميليشيا قوامها 2700 مقاتل لا يحصل منهم سوى ألف على رواتب من بغداد.

وأضاف حاجي حسن وهو عضو مدني في إدارة وحدات مقاومة سنجار “أغلبية عظمى من الأيزيديين يريدون إدارة حكم ذاتي تحت حماية دولية. ليست لدينا ثقة في الإدارة الإقليمية. كانوا يعاملوننا بشكل سيء حتى قبل سيطرة داعش.”

وقال أيزيديون آخرون في مخيم متداع قرب فندق من فئة الخمس نجوم في وسط أربيل يرتاده مسؤولون تنفيذيون غربيون إنهم يعتمدون على سخاء العشائر المحلية للحصول على إمدادات مثل الأرز والسكر.

فكر علي خلف الذي يسكن المخيم، ويعمل على نحو عارض كعامل يدوي، في المستقبل. وقال “الأيزيديون وحيدون. حتى إذا طرد داعش من الموصل فنحن نريد قوة دولية لحمايتنا من الإبادة الجماعية”.