مشهد الانتخابات المغربية ومفارقاته

مشهد الانتخابات المغربية ومفارقاته

المصدر: إرم نيوز ـ عدلي صادق

 

تستحق الانتخابات العامة لمجلس النواب في المملكة المغربية التي بدأت، الجمعة، التأمل والإعجاب، إذ تتبدى في المشهد المغربي ظاهرة لافتة جديرة بالاحترام تتمثل في تراجع الاعتبارات الأيديولوجية أمام ضرورات تعزيز قوة دفع الأطياف السياسية والحزبية، بالبرامج الهادفة الى تحقيق رخاء الشعب المغربي، والحفاظ على هيبة الدولة، والتنافس على طريق خدمة المغاربة.

وعلى هذا الأساس تجري الأمور في الانتخابات المغربية التي بدأت، الجمعة، وهي الثانية بعد دستور 2011 الذي صيغ لتفادي رياح ما سُمي ”الربيع العربي“.

وفي المشهد الانتخابي المغربي، تشكلت مفارقات، وتحالفات ذات طبائع متباعدة أو حتى متنافرة؛ فضلاً، عن التقارب اللافت بين البرامج الاجتماعية والاقتصادية والتنموية.

أول هذه المفارقات، أن التداول السلمي للسلطة، حسب نظام التعددية الحزبية، يحتكم الى مؤسسة القصر، أي الى الملكية، باعتبارها سلطة عليا أولى، تاريخية ودستورية ولها شعبيتها باعتبارها أمنت للشعب المغربي، حقه في اختيار أداة الحكم وإدارته.

وفي الحقيقة، وبحكم ضرورات الأمور وطبائعها، وُجدت أو ظلت موجودة، في محاذاة المؤسسة الملكية، قوة حاسمة لما اصطُلح على تسميته ”الدولة العميقة“ التي ستكون دائماً عنصر الأمان والضمان، ليس برجال الظل ومراكز قوى الطغيان، وإنما بحماية التراث السياسي للبلاد، بكل خطوطه وجذوره وشرعيته التاريخية، وصون صلاحيات الدولة وأجهزتها الحامية لمصيرها من عبث العابثين.

منذ استقلال المغرب في العام 1956 أتيحت للشعب تسع تجارب انتخابية تشريعية، لذا فإن نضج الثقافة الانتخابية عند المغاربة، جعلهم أقل تعرضاً للرياح التي هبت في المنطقة العربية منذ شباط (فبراير) 2011 ذلك علماً بأن أسباب اندلاع ثورات الغضب الشعبي في البلدان العربية كانت ولا تزال حاضرة في المغرب.

لكن الفارق بين المغرب وسواها، أن التجارب الانتخابية للمغاربة، منحتهم الثقة بأن عملية التغيير والإصلاح والتطوير، ومحاربة الفساد، يمكن أن تتقدم عبر صناديق اقتراع متاحة، وقد زاد هذه الثقة صدقية، الدستور المعدل في العام 2011 الذي صيغ لتأمين تمثيل أوفى للمجتمع وحصص أوفر للشباب والمرأة.

كان الدستور قد جمع في بنوده،  بين رغبة القصر في الاستفادة من درس الثورات العربية التي اندلعت واستغلتها قوى أصولية متطرفة، لتحرفها عن مسارها، وضرورة الحفاظ على الدولة العميقة، التي تتحكم في القواعد السيادية للنظام، وتستطيع أن تحسم وأن تضبط، في اللحظة المناسبة، على ألا تتدخل إن ظل المسار الديموقراطي جارياً وفق الخط الصحيح والإيجابي، بالنشاط الحزبي البنّاء والواضح، والتعددية السياسية، وبانعتاق الممارسة الديموقراطية.

معنى ذلك، أن الديموقراطية المغربية، أصبحت تأخذ مفاعيلها وقد أدرك كلٌ من طرفي اللعبة، أي النظام والقوى السياسية؛ حدوده.

وعليه اختارت عناصر العمل السياسي البارزة والبارعة، الالتقاء مع عناصر أخرى، دون أية عوائق أو قيود حزبية وأيديولوجية، منبثقة عن تحجر أو عناد.

وتشكلت على هذا الصعيد مفارقات أخرى، من أمثلتها أن وزير الثقافة المغربي الحالي يمثّل حزب ”التقدم والاشتراكية“ أي الحزب الشيوعي التاريخي، في حكومة إسلامية، أما نبيل بن عبد الله، زعيم الحزب، فقد أعلن في الانتخابات الراهنة عن استمرار تحالفه مع حزب ”العدالة والتنمية“ الإسلامي.

هنا، نصبح أمام مشهد تتجاور فيه، ولا تتصادم، بل تتعاون فيه قوى ذات توجهات فكرية يفترض أنها متصادمة، ما يدل على أن المغاربة أدركوا أن الصراعات بين أصحاب الأيديولوجيات، لن تجلب سوى الكارثة.

ويُسجل للنظام في المغرب، أنه عندما قرأ المشهد المغربي جيداً، واستفاد من المشهد العربي، قرر سريعاً منح شعبه دستوراً متطوراً، ضامناً لتمثيل أفضل للمجتمع، توخياً للمصلحة العامة ومنعاً لتفشي ظاهرة التطرف،فقد لاحظ النظام أن طبائع الأمور في المغرب العربي كله، تجعله يزداد إسلاموية جهادية، بل وداعشية، لذا كان ضرورياً أن يعاجل المغاربة بتقديم جرعة إضافية من الديموقراطية، تتعزز في ظلها الثقافة الانتخابية، مع أخذ كل مقتضى للحفاظ على استقرار الدولة.

ولعل أطرف ما في خيارات القصر، هو التوجه الى تعزيز اختلاط أصحاب الايديولوجيات في برامج للحكم لمواجهة مصاعب الحياة اليومية للناس، فقد كان هذا الخيار ذكياً، لا سيما وأن استطلاعات الرأي تقول إن التوجهات الشعبية ستعطي الأحزاب الإسلامية أصواتاً أكثر، ما يعني أن التكليف برئاسة الحكومة المقبلة، سيكون لأحد الإسلاميين، على أن يكون معه آخرون، لا يستطيع العمل بدونهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com