البيك وليد جنبلاط.. من مقارعة ”الباب العالي“ إلى لقب المعالي

البيك وليد جنبلاط.. من مقارعة ”الباب العالي“ إلى لقب المعالي

المصدر: إرم نيوز ـ خالد أبو الخير

”من يأخذ الحياة بجدية سهل أن ينجلط، وطول العمر مرتبط بالقدرة على اتخاذ موقف ساخر أو بالتحدي“. هذه العبارة الاستهلالية قد تصلح كمقدمة للدخول إلى تفاصيل سيرة وليد جنبلاط، النائب والسياسي اللبناني الدرزي؛ سيد “ المختارة“، الذي عاش سنوات الجمر والأمل، وأكد حضوره في بيئة سياسية غير مؤاتية، بل ومعادية في أحيان كثيرة، وما زال ينشر آراءه ”الصادمة“ بلا تردد.

ينتمي جنبلاط إلى الجيل الذي حرص والده كمال جنبلاط أن يحميه من المؤثرات الغربية السيئة، حين كان وزيرا للداخلية، فهو الوزير الذي منع المغني الفرنسي ”جوني هوليداي“ من دخول لبنان، ”لكي لا يسمم أفكار الشباب“، وليس من المرجح أن وزيرا عربياً فعلها بعده!

اغتيال الأب

بيد أن مؤثرات أخرى، لطالما كافحها كمال جنبلاط، أودت بحياته في اغتيال مباغت وقع عام 1977، بواسطة سيارة تصادف أنها تحمل لوحة أرقام عراقية، على مقربة من حاجز سوري تابع لقوات الردع العربية إبان الحرب الأهلية بلبنان.

ورغم أن أصابع الاتهام وجهت لنظام حافظ الأسد، آنذاك، كون الاغتيال حدث، وفق جنبلاط الابن، ”عقب تفوه الوالد بكلام غير لائق بحق الطائفة العلوية“، التي ينتمي إليها الرئيس السوري، إلا أن، الدروز الذين غضبوا يومها لاغتياله، أقدموا على قتل 144 مسيحياً في منطقة الشوف انتقاما، وذلك بسبب النزاع الدرزي ـ المسيحي القائم آنذاك.

هكذا، تفرق دم كمال جنبلاط بين القبائل والطوائف، كما دماء الكثير من السياسيين اللبنانيين والبسطاء الذين لم يعد يتذكرهم أحد.

لاحقاً، بُعيد حركة 14 اذار التي أخرجت الوجود السوري من بلاده بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وجه الابن أصابع الاتهام صراحة إلى دمشق، في كلا الاغتيالين!

في تعليق نادر له قال وليد جنبلاط: ”من خلال محكمة رفيق الحريري، أخذت بثأري من قتلة كمال جنبلاط“.

كان واثقاً، آنذاك، أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن مسؤولين كبار في النظام السوري سيلقون عقابهم على الجريمة، بيد أن ذلك لم يحصل، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على الواقعة، فقد داهمت الثورة سورية، وارتكبت جرائم بها، تتجاوز اغتيال الحريري إلى محاولة اغتيال شعب.

ربما وجد رئيس اللقاء الديمقراطي بعض العزاء في وضع علم الثورة السورية على قبر والده في اذار/ مارس الماضي، ليؤكد أنه لن ينسى ولن يغفر للنظام الذي اغتال والده.

ووليد نفسه، تعرض هو الآخر إلى عدة محاولات اغتيال، منها واحدة باستخدام سيارة مفخخة في منطقة الصنايع عام 1983، أي بعيد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، الذي وقف فيه إلى جانب القوى الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.

بيت.. بلا قيثارة

الذين يعرفون وليد جنبلاط يصفونه بأنه سياسي بارز، ذكي ومثقف ومحارب شرس، وآخرون يصفونه بالمتلوّن، وعدم الثبات على موقف.

صراخه الأول، كان في بلدة المختارة بقضاء الشوف عام 1949، وتحديدا في ذات البيت القديم الذي يمارس أعماله منه حالياً، ويستقبل فيه ضيوفه من انحاء شتى من لبنان والعالم.

والدته مي أرسلان ابنة شكيب أرسلان، أحد زعماء الدروز، حصلت على تعليمها الأساسي في مدرسة الـ“ليسيه“، وأكملت دراستها في فرنسا، قبل أن تقترن بكمال جنبلاط، وهي في العشرين من عمرها، ووليد هو الثمرة الوحيدة لهذا الزواج.

اهتمامات الوالدة بالموسيقى والتاريخ والتراث تركت أثرا في نفسه، وما زال يحن لتلك اللحظات التي كان يمضيها بصحبتها، والآفاق التي لا تحد، والتي كانت تفتحها بلمسات شعرية وروحانية، وحين رحلت في 2013، ظل البيت بلا عود، وبلا قيثارة.

ينحدر آل جنبلاط في لبنان من أصل كردي، كرس زعامتهم اعتراف العثمانيين بهم عندما عينوا ”حسين باشا جانبولاد“ حاكمًا على كلّس بحلب، وظلوا قديمًا في حلب حتى قام ”علي باشا جانبولاد“، وهو أحد زعمائهم، بثورته ضد الباب العالي، فقضى العثمانيون عليها بعدما قتلوه، فلجأ بعض أفراد هذه الأسرة إلى لبنان، وتحديدا إلى ”المعنيين“ الدروز في إقليم الشوف، وتبنوا مذهبهم.

سلسلة من الأحداث التي شاركوا بها، وأدت إلى الانتصارات التي حققها الأمير حيدر الشهابي في القرن الثامن عشر، قادت إلى إقطاع آل جنبلاط أراضي الشوف، ورفعتهم إلى درجة المشيخة، وهم، منذ ذلك الوقت، أمراء الشوف، وصولا الى عصرنا الحاضر.

يعتبر الدروز من مؤسسي الكيان اللبناني منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الأول، وهم قد جاؤوا بالمسيحيين الموارنة للعمل في أراضيهم كأجراء، لأن غالبية الدروز ينحدرون من عائلات إقطاعية تملك الأراضي، ولكن لا تعمل بالزراعة، بل مهنتها الرئيسية هي القتال والحرب.

الفتى النحيل، الذي تلقى دروسه الابتدائية في ”الكلية العلمانية الفرنسية“ في بيروت، وأنهى دراسته الثانوية عام 1969، كان يبدو حيياً وغضاً، حين يتحدث بالكاد يسمع صوته، لكنه يمتلك روح الدعابة دائما، وبعض العناد.

تأثيرات الفلسفة

انشغالات والده بالفلسفة الشرقية تركت أثراً في نفسه، فطالع بعض كتبها، وعلمته أن ينظر إلى الحياة بمنظار فلسفي ومتقشف.

في العام 1973 نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية، وعنّ له أن يصيب شيئا من الفرح في بيروت، ست الدنيا، آنذاك، و“سويسرا الشرق“ التي لم تفتح عينيها الوسنانتين بعد على الصراعات المتفجرة.

وربما تأثرا بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ، الذي قرأ الشيء الكثير عن حياته، والذي ”تمنى لو أنه بقي في الجامعة ”فأراً“ قارضا للكتب بدل الانتقال الى العمل السياسي“، عمل وليد جنبلاط اولاً مدرسا لمادة التاريخ في ”الجامعة الوطنية“ في عاليه، ومن ثم في ملحق جريدة النهار كاتبا لمقالات سياسية واقتصادية.

لكن الأماني غير الوقائع، فقد اضطرته ”الحتمية التاريخية“ إلى رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي عقب اغتيال والده، فغرق في السياسة.

وحتى حين كان يكتب افتتاحية جريدة ”صحيفة الأنباء“، الناطقه باسم حزبه، لم يكن يساوره الشك بصحة مقولة الفيلسوف هيراقليطس: ”إنك لايمكن أن تنزل النهر.. مرتين“!

نجح أثناء وبعد الاجتياح الاسرائيلي في مقاومة الحملة التي شنتها القوات المارونية ضد الدروز، بالتحالف مع الاسرائيليين، ورد على اجتياج القرى الدرزية وقتل وطرد سكانها وإحراق مساكنهم ومقدساتهم، مما ثبت مركزه القيادي في الطائفة الدرزية.

وزاد بأن تحالف مع رئيس حركة أمل نبيه بري في انتفاضة 6 شباط 1984 التي اسقطت اتفاق 17 أيار بين لبنان واسرائيل، وكان وقعه الرئيس أمين الجميل.

انتخب، عقب اتفاق الطائف، نائبا في برلمان 1991 عن المقعد الذي شغر بوفاة والده، وانتخب بعد ذلك عدة مرات.

حصل ”البيك“ على لقب ”معالي“ أثناء الحرب الأهلية، وبعد اتفاق الطائف، وكان آخر وزارة ترأسها في عهد الرئيس رفيق الحريري كوزير دولة لشؤون المهجرين.

وعقب اغتيال الحريري أطلق ما بات يعرف بثورة الأرز، وكان من أبرز قادة حركة 14 آذار التي نادت بسيادة واستقلال لبنان ورفع الوصاية السورية عنه، ونجحت في إخراج القوات السورية.

له مواقف مناوئة من حزب الله الذي بات يرفع ”راية الولي الفقيه“ علناً، ويرفض تدخله في سوريا، ومحاولته سرقة السلطة في لبنان.

لكن سيرته لا تخلو من الطرافة كذلك، فقد أثار الإعلام قبل فترة حدث استقباله، برفقة كلبه، في المختارة، ملكات الجمال المفترضات في العالم، ومطالبته بعقد جلسة تشريعية فوق العادة للبرمان لتشريع زراعة الماريغوانا في لبنان، على غرار ما تعتزم كندا القيام به.

”ذو الروح الفولاذية“

”البيك“ تزوج مرتين، زواجه الأول كان عام 1981 من الشركسية الأردنية «جيرفت جنبلاط» ولهما ثلاثة أبناء: تيمور، أصلان وداليا، وهو يعد تيمور حاليا ليكون خليفته.

أما زوجته الثانية نورا الشرباتي، فلم تنجب منه، وهي ابنة وزير الدفاع السوري الأسبق أحمد الشرباتي التي زارت دمشق لآخر مرة عام 2010، بعد انقطاع طويل جراء التوتر في علاقات جنبلاط مع نظام بشار الأسد، لتشرف على ترميم منزل عائلتها القديم.

حين ينظر وليد جنبلاط إلى ما يجري في سوريا، الآن، يدرك أن ”الترميم“ لم يعد فعلا مناسباً أبداً: ”بعد مئة عام تعود لعنة سايكس بيكو، وها هو الكيان الكردي يتبلور في شمال سوريا.. والتاريخ لا يرحم، والمسؤول الأول هو النظام الذي رفض التسوية منذ البدء“.

في الكردية يعني اسم ”جان بولاد“ (جنبلاط)، ”ذو الروح الفولاذية“، بيد أن مشكلة البيك الرئيسية، حتى لو كانت روحه كذلك، إنه لا يعدو أن يكون قائد طائفة أو حزب، في بلد تلعب على أرضه كل الدول.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com