فايز السراج.. ”الباش مهندس“ الارستقراطي يواجه وعورة تضاريس ليبيا

فايز السراج.. ”الباش مهندس“ الارستقراطي يواجه وعورة تضاريس ليبيا

المصدر: خالد أبو الخير- إرم نيوز

لم يكن فايز السراج، المرشح الوحيد، والأبرز لترؤس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، والناتجة عن اتفاق الصخيرات السياسي، لذا كان إعلان المبعوث الدولي إلى ليبيا، برناردينو ليون عن اختياره لهذا المنصب من بين 25 اسمًا، يوم 8  تشرين الأول/ اكتوبر 2015 مفاجئًا، بل وغير متوقع.

بالنسبة لليبيين، كان السراج مجهولاً لم يسبق أن برز في الإعلام بما يكفي، لكن الرجل الذي اتصف بهدوئه البالغ، وتنمّ ملامحه عن تردد، لم يكن مترددًا أبدًا.

ولد بطرابلس عام 1960، وفيها تربى ونشأ في كنف أسرة ثرية عرفت بمحافظتها وعملها في السياسة.

 والده الراحل مصطفى فوزي السراج، وزير الاقتصاد والتعليم والزراعة أيام حكم الملك ادريس السنوسي، هو أحد رفاق السياسي بشير السعداوي في حزب المؤتمر، ومن البناة الأوائل للدولة الليبية بعد الاستقلال.

أنهى فايز السراج، دراسته الجامعية من جامعة طرابلس، وحصل على البكالوريوس في العمارة والتخطيط العمراني عام 1982، وماجستير في إدارة الأعمال 1999.

 لم يعرف عنه اهتمامه بالسياسة، وهو الذي نشأ في ظل حكم العقيد معمر القذافي، الذي كان يعتبر“من تحزب خان“، فلا سياسة إلا في إطار الكتاب الأخضر، وحركة اللجان الشعبية.

لكنه؛ كباقي أولاد عائلات طرابلس الارستقراطية، وطبقة الملاك، كان يشعر بالغبن وربما الحقد، جراء سياسات من نوع “ البيت لمن يسكنه والأرض لمن يزرعها“، الاشتراكية التي نفذها القذافي، وقضمت حقوق الاستقراط والطبقة الوسطى.

نجم السراج يسطع

عين في بداية حياته المهنية، كمهندس معماري في إدارة المشروعات بصندوق الضمان الاجتماعي، ثم انتقل للعمل بالمكتب الاستشاري الهندسي للمرافق، كمستشار هندسي، واكتسب من عمله ذاك خبرة واسعة في التصميم والإشراف على العديد من المشروعات الإستراتيجية التخطيطية والمعمارية.

في تلك الاثناء تعرف على المهندسة نادية رفعت، وتزوجها، وقد عرفت إبان عملها في بلدية طرابلس بالسمعة الطيبة والفكر الخلاق.

بعد سنوات، اختار التوجه للعمل في القطاع الخاص، كعضو مؤسس في مكتب تريبوليس للاستشارات الهندسية، وأنجز عدة مشروعات خاصة وعامة.

غداة تفجر ثورة 17 فبراير/ شباط، لم يكن السراج من أولئك الذين قادوا الشارع ضد نظام العقيد معمر القذافي، وربما تردد في حسم موقفه، لكن ثمة من قال إنه ”لم يكن بعيدًا عن الأحداث، وإن بشكل غير مباشر“.

أخذ نجمه بالظهورعقب نجاح الثورة،  كعضو في الهيئة التحضيرية للحوار الوطني، إذ بذلت هذه الهيئة جهودًا مضنية في محاولة جمع أطياف المجتمع المختلفة حول مائدة حوار وطني، لكن دون جدوى.

ولعله الآن يستعيد جهود تلك الهيئة، ليتلمس الطريق الذي قد يقود فعليا إلى توحيد الليبيين.

السراج يرفض تعيينه وزيرًا للإسكان

وحين لاحت بوادر انتخابات البرلمان الليبي، ترشح السراج لعضوية مجلس النواب عن مدينة طرابلس، دائرة حي الاندلس، ذلك الحي الراقي في طرابلس، واختير بعيد نجاحه، رئيساً للجنة الإسكان والمرافق في مجلس النواب، وعضوًا في لجنة الطاقة.

في عز التراشق بين المؤتمر الوطني والبرلمان، بعد رفض الأول تسليم السلطة له، ورد اسمه كوزير للإسكان والمرافق في حكومة أحمد معيتيق، التي شكلها المؤتمر يوم 4 أيار/ مايو 2014، لكنه اعتذرعن قبول المنصب، مبررًا السبب في رسالة وجّهها لرئيس الوزراء المكلّف: ”اعتذر عن المشاركة لتسارع الأحداث في البلاد والمناخ السياسي العام وغياب الاستقرار الأمني وقصر عمر الوزارة المتوقع“.

لم يكن اعتذار السراج مفاجئًا فحسب، بل في غير محله، نظرًا لأن الأخير كان ناقش مع معيتيق رؤى وإستراتيجيات بخصوص وزارة الإسكان والمرافق وتحديد أولوياتها، وذلك في نطاق زمني محدد، وتحت ظروف معينة، واتفق الطرفان عليها، فهل كان مرد اعتذار السراج “ توقعه“ دورًا أكبر في المستقبل؟ سؤال يطرحه مراقبون.

بعد مباحثات ماراثونية استغرقت 14 شهرًا، وقع أعضاء من البرلمان الليبي، والمؤتمر الوطني المنتهية ولايته وشخصيات ليبية أخرى، اتفاق سلام برعاية الأمم المتحدة، في مدينة الصخيرات المغربية، يوم 17/ كانون الأول /ديسمبر 2015.

ونص الاتفاق، على تشكيل حكومة وحدة يترأسها فايز السراج، وتقود مرحلة انتقالية من عامين تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية.

وحتى قبل صدور بيان تشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي، سارعت حكومة الانقاذ برئاسة خليفة الغويل وميليشات فجر ليبيا، وبقايا المؤتمر الوطني إلى تسيير مظاهرات في طرابلس ضد الحكومة وصفتها بالعمالة، بل وحذر الغويل، رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من القدوم إلى طرابلس قائلا:“ إن هذه الخطوة غير قانونية“، مشيرًا إلى إمكانية إلقاء ”القبض على أعضائها“.

وابتداء من مطلع العام 2016 نشرت ميليشيات مسلحة في بعض مناطق العاصمة طرابلس، ومطارمعيتيقة لمنع وصول السراج إلى عاصمة بلاده.

وعكس المتوقع، ظهر السراج في ليبيا حينما زار بيوت عزاء لجنود ليبيين متدربين استهدفهم هجوم انتحاري لتنظيم داعش المتطرف في زليتن يوم 1 آذار/ مارس 2016، وهي الزيارة التي تعرض خلالها إلى محاولة اغتيال باطلاق النار على موكبه، فنقل على جناح السرعة بطائرة عسكرية عمودية إلى مصراته.

وصول السراج إلى العاصمة طرابلس نهاية الشهر نفسه، لم تكن قفزة إلى المجهول، بل كانت محسوبة بدقة شديدة، ففي الوقت الذي أغلقت فيه الميليشيات الطرق وراقبت الأجواء، وصل السراج عبر البحر إلى قاعدة بوستة البحرية، محاطًا بضباط حرس السواحل الليبيين الذين أدوا التحية العسكرية له.

وفي كلمة له، قال ”آن الأوان لنعمل معًا من أجل ليبيا، وطي صفحة الأمس والنظر إلى المستقبل بروح متسامحة واثقة بالله، ليبيا، لليبيين جميعًا، والانتقام والإقصاء والتشفي والحقد لا يبني دولة“.

هذه الاجواء من التفاؤل التي انعكست على الليبيين الذين عانوا الأمرين من الانقسام والميليشيات وعسر الحال، لم تستمر، فالبرلمان الليبي رفض عقد جلسة لمنح الثقة لهذه الحكومة، وحكومة الغويل التي سلمت صلاحياتها للسراج ثم تراجعت عنها لا تزال تدير الأمور“عبر الدولة العميقة“، فالعديد من الوزارات والمؤسسات، والميليشيات لا تزال تصول وتجول؛ ما هدد موقعه كرئيس حكومة فاعلة، في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور، تكشف عنه طوابير الليبيين أمام البنوك التي تفتقر إلى السيولة، فضلاً عن أن المصالحة الوطنية لا تزال تقدم رجلاً، وتؤخر أخرى.

المنطقة الخضراء بنسختها الليبية

الانجاز الوحيد الذي حققته الحكومة التي لا تزال تقيم في ”المنطقة الليبية الخضراء“، قاعدة بوستة البحرية، يتمثل في محاربة الإرهاب، وخصوصًا تنظيم داعش، والذي ورد كأولوية في مهامها، وفق اتفاق الصخيرات برعاية أممية.

 بيد أن تنفيذ حملة لاستعادة مدينة سرت الليبية من تنظيم داعش، والاستعانة بالولايات المتحدة لقصف بعض مراكزهم المختارة، والموقف من الحرب الدائرة في الشرق، بما في ذلك التدخل الفرنسي، كل ذلك أثار حفيظة جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الليبية المقاتلة والقاعدة، فأعلنوا حربهم ضد السراج.

خبراته المتراكمة في البناء وشق الأنفاق وتشييد الجسور والتركيز على تمتين الأسس ورفع الأعمدة، تنعكس اليوم على أدائه الحكومي الذي يتسم بالحرص والتأني بناء على حسابات دقيقة جدًا، خصوصًا وهو يعمل في بيئة غير مؤاتية، بل ومعادية لتوجهاته.

 وأخيرًا كرس ”الباش مهندس السراج“ نفسه وحكومته على الأرض في العاصمة طرابلس، مدعومًا من المجتمع الدولي، لكن مشواره لا يزال يحتاج إلى تخطيط وتكتيك وتجريب، قد يحتاج معها إلى استخدام “ البلدوزرات“ لإعادة تسوية الأرض، تمهيدًا للبدء بالبناء، وأي مهندس معماري يعرف أن العبرة دائمًا ”في حسن التشطيب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة