”عَلْوَنة الجيش“ في سوريا.. تكتيك خفي لـ“الأسدين“ همّش الضباط السنة

”عَلْوَنة الجيش“ في سوريا.. تكتيك خفي لـ“الأسدين“ همّش الضباط السنة

المصدر: إرم نيوز ـ إبراهيم حاج عبدي

حرص النظام السوري على نبذ مفردة ”الطائفية“ في إعلامه وأدبياته السياسية، لكن على المستوى العملي بدت الصورة مختلفة، إذ هيمن الضباط من الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الرئيس السوري بشار الأسد، على المراكز القيادية الحساسة في الجيش والأمن.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة العلويين، الذين يشكلون نحو 10 في المئة من إجمالي عدد سكان سوريا، تصل إلى حوالي 85% من نسبة المتخرجين من الأكاديميات العسكرية العليا، سواء داخل البلاد أو خارجها.

وكدلالة على وطأة هذا الواقع، راح السوريون، ومنذ استلام حافظ الأسد الحكم في مطلع سبعينات القرن الماضي، يتهكمون ويقلدون ”اللهجة العلوية“ لدى تخويف أحد الاشخاص.

وتسرب ذلك إلى الدراما التي أسندت أدوار ضباط الأمن فيها، غالبا، لشخصيات تتحدث اللهجة العلوية، من باب التوثيق والمصداقية على اعتبار أن هذه الدراما مرآة للواقع.

ويرى خبراء أن هذا الواقع شكل نقمة ونعمة في آن، فهو كان أحد اسباب اندلاع الأزمة في البلاد، لكن هذه التركيبة العلوية للجيش كانت بمثابة الضمانة لعدم انهياره خلال مراحل الصراع الشرس مع قوى المعارضة المسلحة.

الانشقاق ظاهرة سنية

وبدا طبيعيًا، أن يظل الانشقاق عن الجيش السوري، في ظل الأزمة المندلعة، ظاهرة سنية بحتة، بينما لم ينشق أي ضابط علوي، وهو ما يعزز الطابع الطائفي للجيش السوري.

ويرى المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو أن تقوية الانقسام الطائفي في سوريا في السبعينات، على خلفية الصراع بين الأخوان المسلمين ونظام الأسد، إضافة للتدخّل غير المؤيد شعبياً للأخير في لبنان، زادت من اعتماد الأسد على أقربائه وأبناء طائفته، ممّا كثف الطبيعة العلوية لنظامه.

ومن المعروف أن أحد ”التكتيكات“ التي اعتمدها آل الأسد، هي شغل المناصب العسكرية العليا بأقاربهم؛ إذ بدأ حافظ الأسد ولايته كرئيس لسوريا، بتعيين شقيقه رفعت الأسد قائدًا لوحدات سرايا الدفاع، وشقيقه الآخر، جميل الأسد، رئيسا لقسمٍ خاصٍ في وحدات الدفاع المكلفة بتأمين المناطق العلوية، وكذلك عدنان الأسد، ابن عم الرئيس، قائدًا لسرايا الصراع، وأخيرًا، كان عدنان مخلوف (أخو زوجته)، المسؤول عن الحرس الجمهوري.

واتبع بشار التكتيك ذاته، إذ استمر شخصيات من آل الاسد في شغل المناصب العسكرية والأمنية العليا في البلاد، وتتشابه الإحصاءات خلال عهد بشار الأسد، مع الإحصاءات الواردة في عهد والده؛ إذ توضح الأرقام أن من بين 21 قيادة عسكرية لـ18 فرقة عسكرية، هم النواة الرئيسة للجيش السوري، يوجد قياديان فقط منتميان للطائفة السنية.

وكان لافتا في عهدي الأب والابن أن رئاسة الحكومة والوزارات والمناصب التنفيذية تسند لشخصيات سنية، غير أن السلطة المطلقة كانت تتركز في أروقة فروع الأمن فحسب، لدرجة أن ضابطا علويا برتية صغيرة في فرع أمني يتفوق بنفوذه على سلطة وزير.

مظلومية الضباط السنة

ويطرح الباحث هشام بو ناصيف في دراسة له، أسئلة في هذا السياق، من قبيل: كيف جذرّت خمسة عقود من التمييز الطائفي الفاقع المظلومية السنية في الجيش السوري؟ وكيف أثّرت علونة الجيش على العلاقات بين الضبّاط السنّة والضبّاط العلويين؟

ويرى الباحث، استنادا لمجموعة من الحوارات واللقاءات، أن الضباط السنة يشكون من المعاملة التفضيلية لزملائهم العلويين، وهو ما ولد سخطًا عميقًا على ما هو واضحٌ من تمييز ممنهج معادٍ للسنة في المؤسسة العسكرية.

 ويضيف أن الضباط السنة حانقون نتيجة إهمال مصالح الجيش كمؤسسة، مما يتناقض بحدّة مع الجهود المبذولة لتزويد الوحدات العلوية المسؤولة عن أمن النظام بكلّ ما يلزمها، بما يضمن تفوّقها على وحدات الجيش النظامي لجهة التدريب والعتاد.

وبحسب الدراسة، يشتكي الضباط السنّة، كذلك، من فرض منظومةٍ أخلاقيةٍ عليهم يرونها معاديةً لتعاليم الإسلام، مثل الضغط عليهم لمعاقرة الخمر، وتحذيرهم من مراودة الجامع للصلاة فيه.

خطاب ايديولوجي مضلل

وترى الدراسة أن تحالف النظام مع إيران على خلفية النزاع الشيعي السني المتفاقم في الشرق الأوسط، يزيد من شكوك الضباط السنة، الذين ازدادت قناعتهم في العقد السابق لـ2011 بأن الخطاب الأيديولوجي للنظام قشرةٌ تخبئ طبيعته ودوافعه الطائفية.

ومن مظاهر التمييز ـ كذلك ـ حظر سفر الضباط السنة في بعثات خارجية؛ على خلفية معتقدهم الديني؛ إذ يُعد المعتقد من شروط الاختيار للبعثات وفقًا لما يُنظمه كل من مكتب لشؤون الضباط وهيئة التدريب.

وتنحصر مسؤوليات الضباط السنة في الجيش السوري في المهام الإدارية والخدمية، كما أنهم محرومون من التدريب العسكري المُتطور، وغالبا ما يحالون للتقاعد في أواخر الثلاثينات من أعمارهم قبل بلوغهم رتبة عميد.

وتمثلت تبعات انحدار غالبية الضباط من الطائفة العلوية السورية، وسيطرتها على المناصب العليا؛ في سعي هذه الأغلبية في استثمار نفوذها لفرض نمطهم داخل المُؤسسة العسكرية، وترهيب كل مُخالفٍ لهذا النمط من الضباط السنة؛ بإحالتهم للمعاش، أو محاكمتهم عسكريًا.

وظلت قيادة القوات الجوية، والبحرية، محسومة للقيادات العسكرية المنتمية للطائفة العلوية خلال عهد بشار الأسد، وكذلك جميع رؤساء الوكالات الأمنية المسؤولة عن السيطرة على القوات المسلحة، في عهده، وقادة الحرس الجمهوري، وقادة القوات الخاصة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة