الروابدة.. صيدلي الحكومة الأردنية دون رتوش

الروابدة.. صيدلي الحكومة الأردنية دون رتوش

المصدر: خالد ابو الخير – إرم نيوز

‫نكتته الحاضرة، لطالما فسرت على الوجه الذي لا يقصده، رغم أنه يصر على أنه لايطلق النكات، إنما يقول ما يعتقده.. دون رتوش.‬

خروجه الدراماتيكي من رئاسة مجلس الاعيان، نُظر اليه كرسالة سياسية من الملك عبدالله الثاني عبّرت عن غضبه من الرجل الذي ظهر بمظهر المناكف في أكثر من مناسبة.

بيدّ أن  عبدالرؤوف الروابدة ، كما هو شأنه دائما، لم يعلّق.. وترك للآخرين أن يفسروا كيفما شاءوا.

يغيب لقب ”رئيس الوزراء الأسبق“ الذي التصق به ويبدو ضيقًا! ثم يعود، وفي الحالين يثير جدلاً قلّما يتوقف. سواء قال، أو أومأ، أو مشى.

بمناسبات عدة، لم يخفِ الروابدة تطلّعه إلى العودة الى الكرسي البرّاق في الدوار الرابع، مقر الحكومة الأردنية، ولا يجد غضاضة من أن يتكتم عما يمكن أن يفعله إذا أصبح رئيس وزراء، قائلاً: ”بدكم إياني أعلمهم شو راح أعمل إذا جئت، لا.. كل واحد يحمل حمله“.

رأى عبدالرؤوف سالم النهار الروابدة، النور في الصريح من أعمال محافظة إربد عام 1939.

ومثلما رزقه الله بابن وحيد هو عصام، وثماني بنات، كان هو أيضًا وحيد والده من الذكور، بين ست إناث.

 في طفولته لم يكن طفلا مدلّلاً، فقد اضطلع بمسؤوليات في تلك البيئة الفلاحيّة التي عاش بها، منها معاونة والده في (الدكّان) التي يمتلكها.

مدرسته الأولى كانت كُتّاب القرية، وقد حفظ القرآن الكريم، وهو ابن ست سنين، ثم تعيّن عليه أن يقطع 5 كيلومترات يوميًا الى مدرسته في بلدة الحصن، ومن أساتذته فهد الفانك وعلي زايد الذي يدين له بعشقه الرياضيات.

الرحلة التي قام بها برفقة والده إلى القدس عام 1946 أسعدته حين اشترى له والده دفترًا وقلمًا وأعطاه أول درس في الجغرافيا، وعنها يقول: حفظت كل القرى على الطريق.

حادثة مهمة وقعت حين كان ابن 8 سنين، حين خطب بالمصلين في مسجد القرية، وكان الإمام قد تغيب، فقال أحدهم: اطلع يا عبدالرؤوف، وألبسه أحدهم شماغ، وهكذا كان.

ومن قرية الصريح المنغلقة إلى بيروت المنفتحة على الدنيا التي  درس في جامعتها الأمريكية، الصيدلة، وتخرج عام 1962، شكلت عنده نقلة حضارية.

اقترن بابنة عمّته، وهو في السنة الثالثة من دراسته، وأخذها معه إلى بيروت، وحين تخرج كانت معه ابنته الكبرى.

في شبابه انتمى إلى حركة الإخوان المسلمين، مدفوعًا بشغفه في الدين والتاريخ، لكنه لم يكمل المشوار.

حال عودته إلى أرض الوطن عُيّن في الكرك، لكنه احتج على اضطراره لقطع 250 كيلومترًا إلى المدينة الجنوبية، ولقي احتجاجه أذنًا صاغية من وكيل الوزارة فعيّنه في عمان ”صيدلي الحكومة“.. هكذا كان اسم الوظيفة، وتقتضي تسجيل الأدوية والتفتيش على الصيدليات.

عمل الروابدة في وظائف حكومية عديدة، إلى أن برز أمينًا للعاصمة 1983-1986، ثم أمينًا لعمان الكبرى 1987-1989، وما تزال بعض الحدائق التي أنشأها تروي قصة رجل ما زال دوره في تلك الآونة مثار خلاف، مثلما الحال بالنسبة لحقائبه الوزارية التي كان أولها وزارة المواصلات وآخرها التربية والتعليم.

اختير عضوا في المجلس الوطني الاستشاري الأول والثاني والثالث في نيسان 1978، حتى شباط 1983، وأيامها برزت مواهبه السياسية.

مع عودة الديمقراطية عام 1989 ترشّح للانتخابات بمواجهة الشيخ أحمد الكوفحي، وفاز بها بجدارة، ومنذ ذلك الحين غدا رقمًا صعبًا في مجلس النواب ونائبًا مخضرمًا تكرر فوزه ونجاحه وحضوره القوي.

المناظرة في برنامج ”الاتجاه المعاكس“ على قناة الجزيرة مع المعارض ليث شبيلات، أظهرته شخصية وطنية، صلبة وقوية الحجة، ولفتت إليه الأنظار. يومها أعاد التلفزيون الأردني بث الحلقة، بأوامر عليا.

اختياره أول رئيس للوزراء في عهد الملك عبد الله الثاني عام 1999، بعد رحيل المغفور له الملك الحسين، عُدَّ موفّقًا. لكن نزاعًا تفجر مع وجود الشخصية القوية والمختلفة عنه، عبد الكريم الكباريتي في رئاسة الديوان الملكي، ما تمخض عن استقالة الكباريتي أولاً وتبعها – بأشهر قليلة – رحيل حكومته.

أهم ما يذكر عن عهد حكومته قراره ترحيل قادة حماس عن الأردن، وهو يُقسم أنه من اتخذ القرار عن قناعة، ولم يتلق أوامر من الملك.

يُعلّق: ”رئيس الوزراء الذي يفهم دوره وصلاحياته، لا سلطة عليه إلا سلطته هو“، و“أنا لست من الرجال الذين يقولون: لقد جاءتني أوامر من فوق“.

واحدة من نكاته في البرلمان عن تحويل قانون غسيل الأموال إلى لجنة الصحة والبيئة تحولت إلى مشادة كلامية بين النائبين عبد الكريم الدغمي وعبد الحفيظ بريزات وتراشق بالأكواب.

وحتى قبل أن يُنظّم الاعتصام الشهير أمام بيته، سبق للروابدة القول: لا مانع عندي من إحضار رؤساء الوزارات وإجلاسهم على كراسي اعتراف، بل يضيف: ”أنا مع سن قانون (من أين لك هذا؟) خاص برؤساء الوزارات“.

حظي ”أبو عصام“ بشهرة تعدت حدود الأردن، فقد عمل على حل قضايا كبيرة خارج الحدود، منها وساطته في قضية مقتل ابنة الشيخ اليمني عبد الله الأحمر.

في مرّة، تحدث الملك عن ديناصورات السياسة، فأقرّ الروابدة أنه ”ديناصور“، ”بمعنى الكبير والضخم، وليس بمعنى الرجعي والمنقرض“.

عموماً، كثيرًا ما يتحدث في مجالسه الخاصة بأنه وجيله باتوا ينتمون إلى الماضي، والبركة في الشباب.

ما تزال الصيدلية التي افتتحها في مطالع شبابه في المدينة الرياضية، حيث هي، وبذات الاسم ”صيدلية الروابدة“ وأحيانًا يُرى وهو يتزود منها بالدواء.. والذكريات.

يمضي الروابدة أيامه حاليًا في قصره فوق رابية من روابي منطقة أبو نصير العمّانية، التي سكنها بُعيد أن غادر بيته القديم فوق ”الشعب“ وتحت ”الدستور“ (صحيفتين أردنيتين كان مبناهما في الشارع الذي يقطن به)، ولا أحد يدري هل هي استراحة المحارب، أم أن الاستراحة هذه المرة.. ستطول.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة