ديار بكر.. حرب إبادة تركية لا نهاية لها

ديار بكر.. حرب إبادة تركية لا نهاية لها

المصدر: خاص - شبكة إرم الإخبارية

من وراء الجدران المحصنة في هذه المدينة على نهر دجلة، يحاول المقاتلون الأكراد مواجهة الدبابات التركية، حيث يستلقي المقاتلون على الشوارع المغطاة بالثلوج، في الوقت الذي يقبع الآلاف من السكان محاصرين في منازلهم بفعل المعارك التي لا تظهر أية بوادر لنهايتها.

وتهدف الحكومة التركية من خلال هذه العملية العسكرية على مدينة ديار بكر المعقل الكردي الرئيسي، إلى توجيه ضربة قاصمة لتطلعات جيل جديد أكثر جرأة من المسلحين الأكراد الذين يسعون للحصول على الحكم الذاتي في بلد يقمع حقوقهم منذ عشرات السنين.

ويتوقع القليل من الناس أن تؤدي هذه المواجهة في قلب ديار بكر -التي تعد العاصمة الفعلية للأكراد، وواحدة من 3 مواقع رئيسية تشن الحكومة التركية عملياتها العسكرية فيها جنوب شرق تركيا- لوضع حد للتمرد الذي أدى إلى إزهاق المئات من الأرواح.

يقول أحد أفراد النخبة في الشرطة التركية التي تراقب نقطة تفتيش محمية بأكياس الرمل :“أهلاً بكم إلى الجحيم“، وذلك بعد أن فتح المسلحون الأكراد النار من أحد الشوارع القريبة.

وكانت الشرطة التركية قد اعتقلت العشرات من القيادات الكردية في جميع أنحاء البلاد، وذلك في إطار دعم الرئيس رجب طيب أردوغان للجهود الرامية إلى تجريد السياسيين الأكراد البارزين في البلاد من الحصانة، تمهيداً لاتهامهم بخيانة الوطن.

كما دفع تنامي قوة الميليشيات الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في حربها ضد مسلحي داعش على الجانب الآخر من الحدود داخل الأراضي السورية الناشطين الأكراد في تركيا، إلى زيادة الضغط على الحكومة التركية، للمطالبة بتطبيق الحكم الذاتي في المناطق الكردية.

وقال هنري باركي مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي في واشنطن: ”كل يوم يمر، تتسع الهوة بين أنقرة والمناطق الكردية“.

وبالنسبة للقاطنين خارج جدران القلعة القديمة في ديار بكر، لا تصلهم أخبار العمليات العسكرية في المدينة إلا عبر الصور التلفزيونية للنعوش الملفوفة بالأعلام، والمدنيين الفارين من مناطق القتال الحضرية.

غير أن نتائج العمليات العسكرية التركية من المرجح أن يكون لها تأثير كبير على تطلعات الملايين من الأكراد في تركيا، لاستعادة حلم بناء دولة كردية والذي أحبطته القوى العالمية بعد الحرب العالمية الأولى.

ولا يريد القادة الأكراد أن يضيعوا هذه الفرصة، حيث يقول كبير المشرعين الأكراد صلاح الدين دميرتاز، وأحد الذين يحاول أردوغان تجريدهم من الحصانة البرلمانية: ”يجري الآن إعادة كتابة مصير منطقة الشرق الأوسط، ولا نريد نحن الأكراد تكرار الأخطاء التي وقعت قبل 100 عام“.

ويقود دميرتاز جماعة سياسية كردية استمدت القوة من النجاحات التي تحققها الجماعات الكردية المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا، حيث تمكنت هذه الجماعات من إقامة حكم ذاتي في المناطق التي استولت عليها من خصومها في تنظيم داعش.

ويضيف دميرتاز في مقابلة أجرتها معه صحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي: ”الأكراد قوة متنامية في الشرق الأوسط“. ويحاول دميرتاز استغلال المكاسب التي تحققت في سوريا وجهود أردوغان لتهميش الحزب الديمقراطي الكردي لتصعيد دعواته لإقامة الحكم الذاتي، وهي مطالبات تثير جدلاً واسعاً في تركيا، خاصة وأن بعض المشككين يعتبرون أنها خطوة على طريق الاستقلال الكامل للأكراد.

وبعد تنامي قلق أردوغان من هذه المساعي الكردية، أطلق حملة عسكرية واسعة على المسلحين والناشطين الأكراد في جميع أنحاء البلاد. وواحدة من أهم المعارك بين الجانبين تلك التي تجري في مدينة ديار بكر، حيث أمضى حوالي 2.000 من قوات الأمن التركية عدة أسابيع في قتال أعداد صغيرة من المقاتلين الأكراد، والذين نصبوا العديد من الكمائن في أحد الأحياء يعد موطناً لبعض من أقدم المساجد في التاريخ الإسلامي.

ومنذ 2 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كانت أجزاء كبيرة من ديار بكر تحت حظر التجول لمدة 24 ساعة في اليوم، وهرب قسم كبير من السكان البالغ عددهم 24.00 نسمة تقريباً بحسب ما يقول أكسوي الحاكم المعين من قبل أنقرة في ديار بكر، في حين لا يزال أكثر من 4.000 شخص محاصرين في منازلهم، في الوقت الذي تحاول القوات التركية إخراج حوالي 100 مقاتل من المدينة.

وفقاً للمعلومات الصادرة عن الجيش التركي، فقد قتل حوالي 440 مقاتل كردي منذ منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بعد أن أرسلت تركيا 10.000 من أفراد قوات الأمن إلى منطقة العمليات العسكرية الحاسمة التي تستهدف الآلاف من المقاتلين الأكراد الذين أعلنوا الحكم الذاتي في عدد من المدن والبلدات في أنحاء جنوب شرق تركيا.

ويضيف أكسوي: ”من غير المقبول تواجد المسلحين في وسط المدينة. نحن نحترم حرية الناس في التعبير، لكن الأمر يصبح غير مقبول عندما يتحول إلى مقاومة مسلحة“.

وتستخدم القوات المسلحة التركية الدبابات لهدم المتاريس التي أقامها المسلحون الأكراد في أحياء المدينة لتحديد مناطق الحكم الذاتي، وتوجب على بعض المدنيين الراغبين بالفرار من مناطق الصراع رفع الأعلام البيضاء أثناء عملية الفرار.

وفقدت تركيا أكثر من 200 عنصر من أفراد قوات الأمن، منذ أن أعلن حزب العمال الكردستاني نهاية وقف إطلاق النار الذي استمر لعامين في يوليو/ تموز من العام الماضي.

وأثارت العمليات العسكرية للحكومة انتقادات شديدة من قبل السياسيين مثل السيد دميرتاز الذي انتقد كلا الجانبين على عمليات العنف، واتهم قوات الأمن التركية بتنفيذ أعمال إرهاب ضد المدنيين حيث قال: ”كل من يهاجم المدنيين يقوم بأعمال إرهابية، فالدولة يمكن أن تنفذ إعمالاً إرهابية، وهذا ما تقوم به الحكومة في بلدنا“.

وتزايدت المخاوف بشأن العمليات العسكرية التركية في ديار بكر، في أعقاب وفاة ميليل ألبا الدين، وهي أم تبلغ من العمر 42 عاماً عثر على جثتها مقطوعة الرأس، بعد أن تلقت قذيفة أو صاروخ في منزلها خارج منطقة حظر التجول، عندما كانت تجلس لتناول الطعام مع أفراد أسرتها.

ويقول سكان الحي إن السيدة ألبا الدين قتلت بقذيفة مدفعية أطلقتها القوات التركية في 3 يناير/ كانون الثاني الجاري، في حين يقول ألكسوي أن التحقيقات لم تظهر بعد فيما إذا كانت المرأة قد قتلت بفعل قذيفة أطلقتها القوات التركية، أو بسبب صاروخ جاء من جهة المسلحين الأكراد.

ووصف رمضان بايلان وهو صاحب محل تجاري يبلغ من العمر 46 عاماً المشهد المروع، بعد أن هرع إلى المنزل الذي سقطت فيه القذيفة، وعثر على جثة المرأة مقطوعة الرأس.

ويضيف بايلان: ”كان أمراً لا يمكن تصوره، لقد دمرت هذه العمليات معنوياتنا هنا، حيث نسمع أصوات الاشتباكات كل ليلة، ونخشى نتيجة لذلك على حياتنا، وأنا لا أستطيع أن أتذكر ما قلته قبل 5 دقائق، فأنا محطم للغاية، ونريد أن نرى نهاية لهذا الصراع“.

ومنذ يوليو/ تموز الماضي، قتل 194 مدنياً مثل السيدة ألبا الدين في جنوب شرقي تركيا وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية، في الوقت الذي يقول المسؤولون الأتراك إنهم يفعلون ما بوسعهم لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين.

ويرى السكان أن العمليات العسكرية التركية في البلاد، هي محاولة جديدة للحكومة لقمع المحاولات الكردية للحصول على الحكم الذاتي للأكراد الذين يمثلون حوالي 20% من السكان.

ويقول فيليكناس أوكا وهو نائب كردي عن مدينة ديار بكر إن الحواجز هي مجرد ذريعة لاستهداف الشعب الكردي، غير أن المراقبين لا يتوقعون أن تؤدي هذه العمليات التي يرجح أن تستمر طوال الشتاء إلى حسم الصراع الدائر بين الطرفين على مدى عقود والذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف إنسان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com