الإضرابات ترسم مستقبلا غامضا للديمقراطية بتونس 

الإضرابات ترسم مستقبلا غامضا للديمقراطية بتونس 

تونس – يقف الاقتصاد التونسي المتعثر على قدم واحدة، وهو يستعد للانطلاق في حزمة إصلاحات هيكلية بضغط من المنظمات المالية العالمية، لكن حمى الإضرابات المتصاعدة والتوترات الاجتماعية ترسم مستقبلا غامضا للانتقال الاقتصادي، في الديمقراطية الناشئة.

وتعيش تونس التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة بعد أن أمنت انتقالا سياسيا ديمقراطيا منذ 2011، على وقع احتجاجات اجتماعية واضرابات عمالية مطالبة بوظائف ومنح وتنمية تتصاعد وتيرتها من حين إلى آخر في مناطق متفرقة بالجنوب الفقير على وجه الخصوص حيث يمكن أن تقترب البطالة من 50 بالمئة.

وطالبت الحكومات المتعاقبة منذ 2011 بهدنات اجتماعية لكن التأخر في تطبيق غالبية الاتفاقات المبرمة مع النقابات وتأخر برامج التنمية في الجهات الفقيرة أبقى وتيرة الاضرابات والاعتصامات على حالها لتتسع رقعتها الى أغلب القطاعات وبشكل يكاد يكون يوميا، في النقل والتعليم والصحة والكهرباء والقضاء وغيرها.

وأدت الاحتجاجات العمالية الى تعطل انتاج الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي في ولاية قفصة وهو أبرز نشاط صناعي في المنطقة ومن بين مصادر الدخل الرئيسية للبلاد، وقد تراجع إنتاجه إلى مستويات قياسية في 2014 وصل إلى 8.3 مليون طن مقابل قرابة 8 ملايين طن عام .2010

كما اندلعت احتجاجات عنيفة في ولاية قبلي الواقعة على أطراف الصحراء للمطالبة بفرص عمل في شركات بترولية منتصبة في الجهة وتتمتع بعقود تنقيب، لا سيما مع الإعلان مؤخرا عن اكتشافات لآبار نفطية جديدة.

ويترافق ذلك مع اتهامات تسوقها أحزاب معارضة للدولة بالتستر على ثروات نفطية وعقود تحوم حولها شبهات فساد مع شركات نفطية عالمية.

ويردد المحتجون في تلك المناطق أنهم لا يلحظون تغييرا يذكر في البنية التحتية والتنمية والاستثمار وغلاء المعيشة، وهي المطالب الرئيسية التي أشعلت الثورة ضد حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011.

وقال حسين العباسي أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد، إن “الحكومة لا تملك عصا سحرية لتغيير الأوضاع في طرفة عين ولكن يحتاج الناس إلى أن يشعروا بوجود نوايا جدية لحل المشاكل وضبط أجندة لتقديم الحلول”.

وأضاف قائلا “منسوب الغضب يتفاقم وهناك مطالب مشروعة وإذا لم تجد هذه المطالب آذانا صاغية فإن التجربة علمتنا أنها يمكن أن تتحول إلى انتفاضة”.

ويشكل خلق فرص عمل لنحو 600 ألف من الشباب العاطل من بينهم 200 ألف من حاملي الشهادات العليا أكبر تحد تواجهه تونس لحماية ديمقراطيتها الوليدة والاستقرار السياسي من خطر القلاقل الاجتماعية.

لكن عمليا فإن نسبة النمو المتوقعة من قبل صندوق النقد الدولي وهي ما بين 5.2 و3 بالمئة للعام الجاري غير ملائمة لانتظارات الشباب فيما يتعلق بالتشغيل وتحسين مستوى العيش.

ويتوقع الخبراء في تونس الأسوأ، إذ تنخفض التوقعات إلى ما بين صفر وواحد بالمئة لعام 2015 إذا تم الأخذ بعين الاعتبار الهبوط القياسي في انتاج الفوسفات الذي يوفر 6 بالمئة من الناتج الخام وتراجع القطاع السياحي الحيوي بنسبة 7 بالمئة بعد الهجوم الارهابي على متحف باردو واستمرار الاضرابات العشوائية.

وقال الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان “نسبة النمو في الربع الأول بلغت 7.1 بالمئة وهذا لم يحدث منذ سنوات ويعني ذلك ان الاقتصاد ليس في مرحلة تعافي بل بصدد التدهور”.

ويوضح سعيدان “ما يحدث في تونس يشبه السيناريو اليوناني في عدة نقاط من بينها الانتدابات الواسعة والعشوائية في القطاع العام وارتفاع الدين الخارجي واستمرار وتيرة الاضرابات”.

وتتجه الحكومة إلى اقتطاع أيام الاضرابات من الأجور للحد من الفضوى. وحذر رئيس الحكومة من أن الاستمرار في الاضرابات توجه خاطئ وعواقبه وخيمة.

وكلفت زيادات في الأجور لنحو 800 ألف موظف في القطاع العام تم توقيعها الشهر الجاري، خزينة الدولة أكثر من 500 مليون دينار.

وقال وزير المالية سليم شاكر إن الحكومة ستتجه إلى الاقتراض لتغطية هذه الزيادات غير المتوقعة. وكان قد صرح قبل ذلك في أبريل/نيسان الماضي بأن تونس تحتاج إلى 3.1 مليار دولار من حجم التمويلات الأجنبية لسد العجز في الموازنة في 2015.

ويتوقع أن تصدر الحكومة خلال شهر أو شهرين قانونا ماليا تكميليا للموازنة العامة بهدف الحفاظ على التوازنات المالية للدولة.

وتحت وطأة الضغوط الاجتماعية والأمنية وافق صندوق النقد الدولي على إمهال الحكومة التونسية حتى نهاية العام؛ للانتهاء من الإصلاحات التي تعهدت بها مقابل تقديم قروض.

ولكن أزمة الانتقال الاقتصادي في تونس لا تعكسه فقط فوضى الاضرابات والمخاطر، فالعوائق تكمن أيضا عند مستوى البيروقراطية المتفشية في أجهزة الدولة وفي العلاقة بين السلطة المركزية والجهات.

وكشف جرد حكومي جزئي للمشاريع المعطلة في جهات البلاد عن وجود نحو مليار دينار تم رصدها من السلطة المركزية لم يتم استغلالها. وهو أمر يضاعف ضرورة الانطلاق في الإصلاحات الإدارية للدولة وكيفية وضع النظام الديمقراطي الجديد موضع تطبيق فعال.

وتلك إحدى النقاط التي نادى بها المنتدى العالمي الخامس للديمقراطية المباشرة الحديثة، الذي نظمته تونس في وقت سابق من الشهر الجاري، والذي حث الديمقراطية الناشئة والحكومة الحالية على المضي قدما في ترسيخ اللامركزية وتوسيع الديمقراطية التشاركية بين المواطنين.

وربما تحتاج حكومة الحبيب الصيد في المرحلة المقبلة إلى أكثر من مجرد الدعوة لممثلي الدولة في الولايات بأن يغادروا مكاتبهم ويطلعوا على مشاكل الناس في الشوارع، إلى ضرورة وضع نظم حكم أكثر شفافية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع