الفوضى تمزق بنغازي.. مهد الانتفاضة على القذافي‎ – إرم نيوز‬‎

الفوضى تمزق بنغازي.. مهد الانتفاضة على القذافي‎

الفوضى تمزق بنغازي.. مهد الانتفاضة على القذافي‎

بنغازي – عندما دارت اشتباكات بالمدفعية بين قوات حكومية ليبية ومتشددين إسلاميين في الحي الذي يعيش فيه ”خليل البرعصي“ أدرك أن الوقت قد حان لحزم أمتعته والرحيل. فانتقل هو وأسرته إلى مدرسة مهجورة يعيشون فيها على مساعدات الهلال الأحمر بينما كانت المدينة تتداعى من حولهم.

وبعد مرور عام على بدء الحرب أصبحت بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية مقسمة إلى مناطق تسيطر عليها قوات موالية لواحدة من الحكومتين المتنافستين في ليبيا ومناطق خاضعة لسيطرة مقاتلين إسلاميين على رأسهم جماعة، تحملها واشنطن مسؤولية الهجوم الذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي عام 2012.

وكانت المدينة مهد الانتفاضة التي أطاحت بحكم معمر القذافي عام 2011 وقام بها سكانها الذين يفاخرون باستعدادهم للثورة والدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاستغلال.

غير أنه مع تساقط الصواريخ يوميا على شوارعهم تحولت أحياؤهم إلى أطلال وأصبح نحو عشر سكان المدينة البالغ عددهم مليون نسمة مشردين وأصبحت بنغازي الآن من أسوأ الأمثلة على الفوضى التي أعقبت سقوط القذافي.

ومثلما حدث في مناطق أخرى من ليبيا اصطفت جماعات مسلحة وراء كل من الحكومتين المتنافستين اللتين تدعم إحداهما ضابطا كبيرا بالجيش من عهد القذافي وتدعم الثانية الإسلاميين.

وتدفع كل من الحكومتين رواتب المقاتلين من إيرادات مركزية بمقتضى نظام أنشئ عقب سقوط القذافي بدأت بمقتضاه عشرات الجماعات المسلحة تحصل على رواتب من المال العام وهو ما يعد في واقع الأمر دعما ماليا للحرب الأهلية من صادرات النفط الليبية.

وقد انتقل بعض من النازحين عن بيوتهم في بنغازي للإقامة مع أقارب لهم يعيشون في مناطق آمنة. وانتقل آخرون مثل البرعصي وزوجته وأطفالهما الأربعة للإقامة في مدارس أصبحت خالية بعد أن حالت الاشتباكات دون فتحها للدراسة.

وقال البرعصي (47 عاما) الذي تنام أسرته منذ عشرة شهور على بطاطين في المدرسة مع نحو 15 أسرة أخرى حيث التيار الكهربائي متقطع ”خرجت من منزلي بسبب سقوط القذائف والاشتباكات داخل منطقتنا.“

وأضاف ”الآن أنا داخل هذه المدرسة ومعي عائلتي. لا أملك المال لتأجير منزل. الوضع داخل المدرسة سيء جدا. المياه تنقطع والحجرة باردة وأطفالي يعانون من البرد. ولم نتلق دعما من أي جهة حكومية ولا من المجلس البلدي. فقط الهلال الأحمر هو من يساعدنا.“

ويعيش ”البرعصي“ على راتب ضئيل يتقاضاه عن العمل كحارس في مستشفى.

* لا حسم

بدأت المعركة على المدينة قبل عام عندما شن اللواء خليفة حفتر ضابط الجيش المتقاعد حربا خاصة على جماعة أنصار الشريعة التي قالت واشنطن إنها مسؤولة عن الهجوم على بعثتها الدبلوماسية في 11 سبتمبر أيلول عام 2012 الذي قتل فيه أربعة أمريكيين أحدهم السفير كريستوفر ستيفنز.

وفي الشهر الماضي قرر البرلمان المعترف به دوليا ويعمل انطلاقا من مدينة طبرق في شرق ليبيا بعد أن دفعته حكومة منافسة للانتقال من العاصمة طرابلس تعيين حفتر قائدا عاما للجيش.

وحتى الآن لم يحسم القتال في بنغازي شيئا إذ يعتمد كل جانب من الجانبين على ”كتائب“ من المقاتلين لم تتلق تدريبا كافيا ومسلحة بأسلحة قديمة مثل شاحنات تويوتا المركب عليها مدافع رشاشة ثقيلة.

واستخدمت قوات جيش حفتر الدعم الجوي في سعيها لاسترداد أراض من المقاتلين الإسلاميين بما في ذلك منطقة المطار والأحياء الشرقية وعدة ثكنات تعرضت للاجتياح في الصيف الماضي.

غير أنه رغم تقدم الجيش بصفة شبه يومية مازال الإسلاميون متحصنين في منطقة الميناء في وسط المدينة حيث كان البرعصي يعيش قبل أن يضطر للفرار وكذلك في بعض الأحياء الغربية. وتدور الاشتباكات في الشوارع بين كر وفر بينما تحلق طائرات الهليكوبتر التابعة للجيش وتطلق نيرانها.

وقال فضل الحاسي آمر التحريات بالقوات الخاصة ”عندما يضغط الجيش ويتقدم تقوم الجماعات الإرهابية بقصف المدنيين من أجل إجبار الجيش على التراجع.“

وفي المدينة التي يستطيع الجميع فيها الحصول على السلاح انضم جيران مسلحون لكنهم يرتدون الملابس المدنية للقوات الموالية للجيش للمساعدة في تفكيك نقاط التفتيش التي أقامتها جماعة أنصار الشريعة.

* مدينة مقسمة

نظم خصوم حفتر أنفسهم تحت مظلة مجلس الشورى الذي يربط أنصار الشريعة وكتائب أخرى حاربت القذافي من قبل ولم يكن بعضها في البداية متحالفا مع الإسلاميين لكنها اتحدت في مواجهة الجيش الذي تتهمه بمحاولة إعادة نظام دكتاتوري على غرار حكم القذافي.

وهذا الشهر قالت الحكومة التي تعمل في طرابلس وليست معترفا بها على المستوى الدولي لكنها تسيطر على معظم المنطقة الغربية من البلاد بما فيها العاصمة إنها ستقدم الدعم بغير حدود لمجلس الشوري.

ومما يزيد الفوضى أن متشددين إسلاميين آخرين أعلنوا مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية بدأوا يستغلون الفراغ الأمني. وقتل هؤلاء المتشددين سبعة أشخاص في هجوم انتحاري على نقطة تفتيش تابعة للجيش الشهر الماضي.

أما الحكومة التي تؤيد حفتر فتصف مجلس الشورى بأنه مجموعة من الإرهابيين انضموا لتنظيم الدولة الإسلامية. وينفي مجلس الشورى صلته بالمتشددين.

وقال حفتر إن قواته تسيطر على أكثر من 80 في المئة من بنغازي رغم أن خصومه يخالفونه الرأي في ذلك. وبعد أن قالت قوات الجيش إنها على وشك السيطرة على الميناء ومبان حكومية قريبة منه نشر مقاتلو مجلس الشورى مقطع فيديو يصورهم في المنطقة.

وقال محمد بكير المتحدث باسم مجلس الشورى إن ما بين 75 و80 في المئة من بنغازي تحت سيطرة المجلس.

وأضاف أن معنويات المقاتلين مرتفعة وأصبح هدفهم الرئيسي الآن هو وضع نهاية ”لانقلاب حفتر“.

وبعد مرور عام على بدء القتال بدأ المقيمون في المدينة يتعلمون التكيف مع التغيرات.

ومازال مستشفيان فقط يعملان في المدينة في حين أن أغلب المدارس وجامعة بنغازي مغلقة. وكانت الجامعة مسرحا للاشتباكات على مدى أسابيع.

غير أن بعض مظاهر الحياة عادت إلى طبيعتها في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش فأعادت البنوك والمطاعم فتح أبوابها رغم أن صواريخ تنطلق أحيانا من بعض مناطق القتال القريبة وتصيب مباني.

وسقط مدنيان قتيلين بسبب الصواريخ يوم الاثنين الماضي.

والصباح هو عادة الفترة التي تكون فيها الشوارع أكثر أمانا من أي فترة أخرى خلال اليوم إذ يلجأ المقاتلون للنوم في الصباح بعد الاشتباكات طوال الليل. وفي الساعات الأولى من الصباح يصطف الموظفون العموميون أمام البنوك لصرف رواتبهم.

ويجلس الشبان في المقاهي لاستخدام الإنترنت.

وقال المحاسب محمد الفيتوري إن الناس لم تكن تذهب إلى أي مكان في بداية الحرب لكنهم يخرجون الآن للتنزه في شرق بنغازي في العطلة الأسبوعية بفضل الإحساس بقدر من الأمان.

ومازال الفيتوري (44 عاما) يقود سيارته إلى عمله كل يوم ويمر عبر نقطة تفتيش تابعة للجيش لكنه خفض ساعات عمله حتى يتمكن من العودة إلى بيته في الثانية بعد الظهر قبل أن تشتد الاشتباكات عقب صلاة العصر.

ويقول إنه يخرج للتسوق هو وزوجته لكنهما يضطران للعودة قبل الغروب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com