إرم تعايش المأساة الإنسانية للإيزيديين في العراق وسوريا

"شبكة إرم الإخبارية" تسافر إلى أكثر نقاط العالم سخونةً في الأحداث هذه الأيام، لتروي القصص الإنسانية للإيزيديين، والجرائم المرتكبة بحقهم، والتي صنفتها المنظمات الدولية بأنها جرائم حرب ضد الإنسانية.

المصدر: شبكة إرم الإخبارية - دهوك (إقليم كردستان العراق)، ديريك / المالكية (سوريا) - آلجي حسين

تختصر الشاخصات المرورية الفاصلة بين كلٍّ من أربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق)، ودهوك (ثاني أكبر مدن الإقليم)، والموصل (مدينة عراقية)، من جهة، وبين حدود (العراق) وديريك وقامشلو (مدينتان سوريتان) من جهة أخرى، المسافة بين الحياة والموت، وهي تحكي قصص إيزيديين نزحوا من أريافهم ومدنهم في (سنجار) إلى الجبل (شنكال) ومنها إلى المخيمات، تاركين وراءهم حوالي 12 ألف أسرة، وذلك ابتداءً من 3 أغسطس / آب 2014، ليصل عدد الإبادات الجماعية التي تعرضت لها هذه الأقلية عبر التاريخ حتى الآن إلى 74، بحسب باحثين إيزيديين.

وقبل الوصول إلى (مخيم خانكي) في ناحية (سيميل) بـ (دهوك)، تبدأ بسماع القصص الإنسانية الأكثر تأثيراً وفظاعةً لأشخاص يبدون أكبر من أعمارهم الحقيقية، وهم ليسوا بممثلين يروون مآسيهم لينقلوها إلى الرأي العام فقط، بقدر ما هم أصل المأساة نفسها، في عالم يريدونه خالياً من جرائم ضد الإنسانية.

وعندما يسير قطار الأيام بإطاراته الحادة على أجساد ضحايا الإيزيديين، ترتعد الأرض، ثم تركض الأزمنة والأمكنة، فتنتقل الحكايات إلى سحب الجثث والعيش معها مجدداً، عايشتهم وسافرت إليهم ”شبكة إرم الإخبارية“ في أكثر مناطق العالم سخونةً في الأحداث هذه الأيام؛ العراق وسوريا، عبر آلاف الكيلومترات، فلربما يكون في الإفصاح عن وجع الصرخات والآلام والأمراض والعُقد للرُّضع والأطفال والشباب والعجائز، حياة أخرى.

ولكن، كيف انتُهكت حقوق الإنسان هناك؟ وهل بالفعل توجد أزمة إنسانية سببها التطرف الذي يعتبر حلقة أساسية ناتجة عن واقع سياسي للإيزيديين؟

(مخيم خانكي) يضمد آلام الإيزيديين

هذان السؤالان حضّرا لي حقائب السفر إلى هذين البلدين، وأنا على يقين بأن العيش مع حالات الإيزيديين، الذين يسكنون بعيداً مني، لن يكون سهلاً.

والبداية كانت من العراق، حيث استخدام كافة وسائل النقل، ثم سوريا عبر قارب صغير عبر النهر.

فتحتُ حقيبتي الصحفية بعد أن وصلتُ إلى (العراق)، وتحديداً أكثر (إقليم كردستان)، حيث تنتشر عشرات الحواجز العسكرية في إقليم فيدرالي حذِر من استهداف أمنه الذي كان قد عكر صفوه تفجير (أربيل) بتاريخ 19/11/2014، لكن (دهوك) تبعد عن العاصمة أكثر من 300 كم.

وفي هذه المسافة، تسيّد المشهد أكثر من ثلاثة حوادث مروعة لشاحنات ثقيلة مع سيارات خصوصية، كون الشارع من أهم خطوط التجارة مع (تركيا)، فكان الوصول إلى (دهوك)، ثم الذهاب إلى أماكن تجمّع القصص المأساوية التي نتجت عن حرب على شعب مسالم يعيش في جبل سنجار ”شنكال بالكردية“، من خلال إبادة شنها تنظيم أطلق على نفسه اسم ”الدولة الإسلامية“، وهي تجمعات مع مخيمات متناثرة هنا وهناك، في ناحية (سيميل)، وغيرها.

ويُعد (خانكي) واحداً من هذه المخيمات، الأكثر كبراً وازدحاماً، حيث ترصد الحواس الإنسانية مشاهد وصوراً فريدة تجسد أصعب مفردات الحياة.

أزمة إنسانية ولاإنسانية

الغبار يغطي رموش الأطفال وشعرهن، وأمّ تسقي رضيعتها من دمعها، وأخرى من دمها عبر جرح في معصم يدها اليسرى، وثالثة تقتل أمها المعوّقة لأنها لا تقوى على المسير، ورابعة تُغتصب أمام الملأ، وخامسة تفقد زوجها أمام عينيها.

وتسير حياة أم فقدت ابنتيها في قريتها بالجبل، وأب تختطف قذيفة هاون حياة ابنته ذات الـ 19 عاماً، وعجوز تمشي أربعة أيام دون ماء ولا شراب، وشيخ لا يستطيع التعبير ويكتفي بالدعاء لله بأن يعم السلام والأمان على الجميع، وفتاة تبكي بعد أن سلبوا ”الحلق“ من أذنيها بالقوة ليسيل الدم على إيقاع الخوف والألم.

ولا تتوقف الحكايات هنا، فهذا قليل من كثير، حيث يتحول المكان إلى مسرح للأفكار المشوشة، لأن السير في شوارع المخيم يعلّم السائر فلسفة قطع الرؤوس وتحويل النساء إلى سلع تجارية في أسواق الموصل، وكل هذ الحالات كان لابد من توثيقها في أرشيف كامل من الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو ورؤوس الأقلام.

وهنا يوجد الكثير من المآسي في هذه البقعة الجغرافية التي لا تبتعد عن أماكن النزاع بين مسلحي ”الدولة الإسلامية“ من جهة و“البيشمركة“ و“وحدات حماية الشعب“ و“وحدات حماية المرأة“ و“الكريلا“، و“وحدات حماية شنكال“ الكردية من جهة أخرى، إلا 50 كيلومتراً.

يقول لي سائق سيارة الأجرة: ”كثيراً ما أوصل صحافيين أجانب، لكن هذه المرة أوصل صحافياً يعمل في وسائل إعلام عربية، هذا جيد أن تهتموا بنا“.

لا تفارق الغصة قلبه وهو ينتمي لمأساة مدينة (حلبجة) الكردية، التي سبق أن قُصفت بالأسلحة الكيميائية عام 1988، وقُتل فيها أكثر من 5000 شخص، معظمهم من الأطفال والنساء والعجائز.

ولم يكن متوقعاً أن يبكي الرجل الإيزيدي الأربعيني (خيرو عمر)، وهو يسرد قصة مقتل ابنته ”21 عاماً“ أمامه بقذيفة هاون، بعد أن هربوا من (حي آزادي) وحوصروا في (حي الشهداء) بجبل شنكال.

ولعل المعجزة وحدها هي السبب في بقاء (خيرو) على قيد الحياة حتى الآن، حينما تعرض لإطلاق نار في رأسه، لكن المسدس يتوقف عن العمل لمرتين متتاليتين، قبل القبض عليه وربطه في مؤخرة سيارة بيك آب عند حاجز اللواء 6، ”طلبت منهم أن يقتلوني أفضل من الضرب“، هكذا يصف.

سمع عمر أحدهم ينادي: ”هذول يهود اذبحوهم“. ولكن استطاع هذا الإيزيدي أن يتخلص منهم بعد أن أنكر ديانته.

يبكي خيرو ثلاث مرات كلما يتذكر مشهد قتل ابنته: ”كانت تمشي معنا ونحن نهرب، وسرعان ما اختطفتها قذيفة، لم نستطع حتى أن نلتفت إليها“.

صياح ديك يتناغم مع قيام (خيرو) بفرك عينيه، مع صوت جلي الصحون في الخيمة ليتوقف عن الكلام، في جو بارد ماطر موحل ينتظرنا خارجاً لننتقل إلى حكاية أخرى، سأبكي مع بطلها مجدداً.

حياة المرأة الإيزيدية الخمسينية (كامو رشو) لم تكن على ما يرام، إنها تدخن بشراهة، وهي كما تقول من عشيرة (باجو) في (تل قصب)، حوصرت أكثر من 7 أيام في منزلها حتى استطاعت الهرب، نامت بين القبور، إلا أن شجاعتها لم تنجح في إيقاف بكائها الهستيري وهي تروي حكاية نزوحها إلى الجبل.

تبكي: ”جاء إلى جانبي طفل يبكي، فسألته ما بك؟ قبل أن يجيب رأيته يُخرج قمحاً يابساً من جيبه ويأكل ويحاول بلعه، لكن عبثاً، طبطبت على ظهره وأعطيته الماء حتى يقوم بذلك، ولكنه أخرج من جيبه الأخرى قطعة من خبز يابس قسمها إلى نصفين، محتفظاً بالآخر“. وبعدها علمت (كامو) أن هذا الطفل لم يأكل منذ ستة أيام، ولكنها صارت تطمئنه: ”ما دمت حية سأعطيك الخبز“.

تصر (كامو) أن تسكب لي الشاي كل حين وحين، وأنا أرفض، ولكنها رضخت أخيراً لرفضي، وتخشى من ذكر أسماء عائلتها المختطفين خوفاً على حياتهم، وعددهم 13 شخصاً.

ولأن هذه المرأة لا تستطيع التعبير عما رأته بعينيها، إلا أنها بعد أن قطعت مسافة 40 ساعة مشياً على الأقدام، وصلت بلا ملابس إلى حدود سوريا، بعد أن تمزقت بفعل الزحف والأسلاك الشائكة، ومنها تلتقطها قوة كردية وتوصلها إلى أقرب نقطة آمنة.

”حفيدتي لم تأكل منذ 3 أيام، ولكن الله حماها، وكنا 38 شخصاً بلا طعام، وأطلقت الرصاص على سائق حاولت أن أشتري منه كيساً من الطحين بمئة دولار (ورقة) لكنه لم يرضَ إلا تحت تهديد السلاح، ثم أطلقت 180 رصاصة لتخويف القرية التي اضطرت لاستضافتني ثلاثة أيام في بيت السيد بحري“. هكذا تعبر (رشو) التي تقول إنها في عام 1973 كانت نازحة في الجبل.

صور الشاعر (محمد مهدي الجواهري) كثيرة في المحلات، وصورة الطفل المعوق (أركان عيدو بركات خضر) ”11 عاماً“، مع عكازته لا تنفصل عن صور كثيرة من الألم الجمعي.

تقول أخته (عالية) التي تلبس قبعة من الصوف وحلقتين من ذهب تتدليان بشكل طولي من أذنيها، وتتمتع بقدر من الجمال، إنهم هربوا كالجميع إلى الجبل: ”7 أيام في الجبل، الصباح حار والنوم في العراء كان برنامجنا، وأخي المريض كنت أحمله على ظهري، وأخلع ثيابي في الليل لأغطيه بها“.

(أركان) تحول جسمه إلى مسرح للعمليات الجراحية، إن جاز التعبير، وهو الذي يخجل من الكاميرا والحديث، ليقطع المشهد صوت طفل يبكي، وسرعان ما علت أصوات البكاء لأكثر من طفل.. ماذا حدث؟

جاءتنا الإجابة من ربّ الخيمة: ”وعاء من الماء الساخن انزلق من المدفأة على أجسام ثلاثة أطفال وشوهتهم“.

لم نعلم ماذا حدث بعد ذلك، فتفاصيل الخيمة ومنظر الأب الذي يدخن في مقدمتها، وحديث ابنة الجيران (ريم خيرو جدعان)، التي لم تنم طوال أيام في الجبل خوفاً من الموت، ووالدها الذي مات في مدينة السليمانية (ثالث مدن كردستان العراق بعد أربيل ودهوك) بجلطة دماغية، كلها تفاصيل لم توقف فكرة الحنين لديها والعودة إلى منزلها في سنجار، وغطت على مصير الأطفال الثلاثة.

العراق.. انتهاكات حقوق الإنسان

الطريق إلى العراق وقراءة أسماء (الموصل) و(بغداد) و(زمار) وغيرها، تعطي الزائر مسبقاً فكرة أن الموت قاب قوسين أو أدنى منك وعلى بُعد كيلومترات قليلة، ولكن المسير في المخيمات التي زارتها ”إرم“ تستدعي لبس أحذية طويلة تجتاز الأوحال والطين بيسر، فها هو الشتاء يقصم ظهور النازحين ويعلمهم صعوبة العيش أكثر وأكثر.

يدلنا أحد مسؤولي (مركز الشباب الإيزيدي)، واسمه (شفان)، إلى أناس قد تكون لديهم قصص مؤثرة، وهو إذ فرّغ نفسه لخدمة النازحين بعد أن كان يدير هذه المؤسسة الشبابية، ومثله الكثير من الشباب الذين اختاروا طريق التطوع، بل وتوقفت مدينة (دهوك) عن كل شيء، إلا خدمة النازحين، والحياة فيها تسير على إيقاع قصصهم.

أما (فرمان سليمان) فيستقبلنا مصرّاً أن نجلس ونشرب الكولا، بعد أن هرب من قرية (كول غاباتي)، وسمع بـ ”سقوط شنكال“.

يحاول الفلاح (فرمان)، الثلاثيني، أن يُخرج أولاده الصغار من الخيمة كي يأخذ راحته في الكلام، باستثناء زوجته وبعض الجيران وابنتيه.. ويبدو أن لهاتين الابنتين قصة غير تقليدية، وهما تجلسان في زاوية من المكان بحالة نفسية ”انطوائية“.

يقول: ”حفرنا حفرتين لابنتينا في بستان الطماطم، وتبقيان بانتظارنا حتى نُخرجهما من تحت التراب وهن أحياء والقش يغطيهما من الأعلى.. كنا نخاف أن تختنقا كما كنّ خائفات علينا من القتل، لأننا كنا نقوم بوأدهما كل يوم لمدة ثلاث ساعات حين الشعور بالخطر والتفتيش من قبل المسلحين“.

وحالياً، تتم معالجتهما لدى طبيب نفسي، فقد باتتا كمجنونتين.

تتدخل الأم: ”لا نستطيع أن نعود حتى لو تحررت قرانا، فالأهالي سيقتلوننا“.

”نحترم كل الأديان ولكن ليس سهلاً أن تتغير ديانتنا في يوم وليلة، فكل الأديان تؤدي إلى توحيد الله“. يقول (فرمان).

المثير في قصة (فرمان) أنه أنقذ 47 شخصاً من عائلته وجيرانه وأوصلهم إلى بر الأمان، أي 6 عائلات، كما يقول، في الوقت الذي يعني اسمه ”إبادة“ باللغة الكردية أو ”القرار“ باللغة التركية، وكلمة الإبادة يرددها الإيزيديون بكثرة هنا، ويحصون عدد الإبادات دائماً، إلا أنهم يؤكدون أن هذه الكارثة أو الإبادة كانت أقوى، كونها مسّت الشرف والكرامة المتمثلتين بأسر الفتيات والزوجات.

الضابط الكردي (إدريس خليل) يرافقني ويتحدث عن بعض تفاصيل الحرب في الجبل والتي استمرت أكثر من أربعة أشهر، ليقطع صوته هدير شاحنة مسرعة نحونا على أحد شوارع (سيميل) في (دهوك).

وفي أحد منازل الإيزيديين المتواضعة على هامش المخيمات، تبكي امرأة على طفلها ذي العامين الذي مات بعد أن نفذ الحليب، لتأخذ الأم أودلاها الستة الآخرين وتتركه.

وتتوارد القصص، فهذه المرأة التي لم تذكر لنا اسمها تركت ابنها المعوق ”18 عاماً“ في الجبل، لأنها لم تستطع حمله طوال الطريق.

وهنا عائلة إيزيدية بطلتهم فنانة كردية معروفة واسمها (خاتي شنكالي)، تتحدث لـ ”إرم“ عما رأته بعينيها قبل أن تعزف على البزق وتغني أغنية لجبل سنجار.

والدها (الشيخ علي) يدعو للمحبة والسلام بين العالم قائلاً: ”لا فرق بين الأديان من الناحية الإنسانية، إذا لم نكن أخوة في الدين، فنحن أخوة في الإنسانية“.

وتضيف (خاتي): ”وُلد لنا داخل الجبل طفل في ظروف صعبة للغاية، وأسميناه (سروك)، تيمناً برئيس الإقليم مسعود بارزاني“. وتعني كلمة ”سروك“ الرئيس.

وكان (فرحان رشو) ينتظرنا خارجاً ويتمشى في المخيم واضعاً أصابعه الباردة في جيبه ليسرد حكاية 5 أيام في الجبل، بعد أن نزح وأسرته من قرية (كَرَسي).

باكياً: ”رأيت ابن عمي، ومقاطع فيديو من ذبحه على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلنا إلى المخيم ونحن 8 أشخاص بعد أن فقدنا الكثير“.

ويقول (مؤيد بدري علي): ”هربنا من مجمع رسالة، لكن كان هناك مَن يحفر وراءنا الأرض كي لا نهرب“، ليقطع حديثه مشهد طفلة تحمل أخيها وهي حافية القدمين، مع مشهد آخر لرجل عجوز يحاول أن يُبعد الأطفال عني، وله شوارب طويلة يكتفي بالدعاء والرحمة، يقول إنه من مواليد 1954.

فمن (كوجو) إلى (تلعفر) وضع المسلحون بعض الإيزيديين في المدارس وكانوا بالآلاف ثم تم ترحيلهم إلى القرى، وبعد شهرين إلى سوريا، حيث البقاء 10 أيام في مدينة الرقة ضمن مزرعة، وبالتالي أخذ بعض الفتيات كسبايا.

وتقول إحداهن واسمها (غزال): ”كنا نعمل في رعاية الخيول والحيوانات ثم هربنا ورأينا أحد الرعاة الذين ساعدنا إلى الحدود التركية، ومشينا كثيراً وتركنا بناتنا لديهم، ولا أخبار عنهنّ الآن“.

وتسمي هذه المرأة أسماء بناتها المختطفات: (شهناز دخيل بشار) ”7 أعوام“، و(أفراج دخيل بشار) ”11 عاماً“، و(هزو دخيل بشار) ”18 عاماً“.

وتقول (زيارة) التي فتحت ما يشبه بقالية صغيرة في المخيم، إن عائلتها استطاعت الهرب، مستغلةً عرساً للمسلحين.

مراكز ثقافة الإيزيديين

النوم في منزل مسؤول (مركز لالش الثقافي والاجتماعي) في (مخيم خانكي) بـ (دهوك) السيد (عنتر كلو)، كان لابد أن يحدث بعد أسبوع من التعب والتنقل بين المدن والقصص ووسائل النقل الكثيرة، ولاسيما أن المشي في المخيم بات مستحيلاً، فالظلام يخيم المكان والمطر غزير.

كانت الفرصة مؤاتية لإجراء لقاء معه واستغلال ساعات الليل للبدء بالعمل صباحاً من جديد.

(كلو) هو عضو اللجنة المشرفة على النازحين في المخيم أيضاً، يقول: ”نحن قوم نعرف الله، وهو عندنا فوق كل شيء“.

ويقول مسؤولو (مخيم خانكي) إن 1125 ربّ عائلة يسكنون هنا، أي حوالي 25 ألف نسمة، وهناك أكثر من 100 ألف يسكنون في منازل قيد الإنشاء والبيوت.

ويفصّل الشاب الإيزيدي في الشرح أكثر: ”لدينا ثلاث طبقات هي (بير – شيخ – مريد) وهؤلاء لا يتزوجون من بعضهم بعضاً، وهم مراجعنا، ويدعون إلى المحبة والسلام والابتعاد عن الشر بحكم ومواعظ، مروجين لعاداتنا وتقاليدنا، كما أن لدينا دعاء الصبح والمساء والفجر (شفق) بالتوجه إلى الشمس“.

وللإيزيديين فترة صوم ثلاثة أيام يأتي بعدها العيد، ولكن تم إلغاؤه هذا العام حداداً على ما حدث، ولهم رأس سنة شرقي يختلف عن الميلادي والهجري.

يضيف (كلو): ”فلسفتنا وميثيولوجيتنا أتت قبل الإسلام والمسيحية، ونحن متعلقون بالطبيعة ومفرداتها، وفي رأس السنة نلوّن البيض، في إشارة إلى أن البيض يشبه الكرة الأرضية، بأقسامها وتشكلها، والإيزيديون شعب مسالم لم يحارب أحداً، وكل ما في تاريخنا وكتبنا لا ذكر فيه للدم أو القتل، وكل ما ندعو إليه هو الحياة“.

ويجيب عنتر عن سؤال إشكالي يفيد إن للإيزيديين علاقة بالشيطان ضاحكاً: ”نحن بالطبع نغضب من هذا اللفظ، ورغم أننا نعتبر أن طاووس الملك هو رئيس الملائكة لدينا، والله فوق كل اعتبار، إلا أن الحكاية هنا مغايرة، وأسطورة الشيطان لا أساس لها من الصحة؛ وقتها تعرض كهنتنا للضغط من العثمانيين وطُلب منهم أن يخطبوا في الناس ويقولوا لهم إننا نعبد الشيطان، فما كان منهم إلا أن فعلوا ذلك خوفاً على حياتهم، ومنذ ذلك الوقت والكثير يتهمنا بذلك“.

المطر يشتد غزارة في الخارج، ورئيس مركز لالش يستحضر أمثلة من التاريخ في أن بعضهم اتهمهم بأن لهم أذناباً.

يضيف بحرقة بعد أن دخل والده وأخوته الذين يتمتعون بأعلى الدرجات العلمية إلى الغرفة: ”الإعلام ظلمنا، وحُرمنا من المدارس والمساجد، وكتبنا ضائعة، وتم تحريف جميع أقوالنا وتغييرها وإخراجها من سياقها، لنتداولها من أفواه شيوخنا عن طريق التواتر، ونحن الآن في عصر الديمقراطية الشفافة، والإعلام العربي لم يزرنا، ونحن سعيدون بزيارتكم“.

من الجدير بالذكر أن كلمة (لالش) تشير إلى معبد الإيزيديين، ويقع على بُعد حوالي 60 كم شمال غرب (الموصل)، ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

سوريا.. المهمة الأصعب

بعد أسبوع من الاستماع لقصص الإيزيديين في (العراق)، لم يكن الطريق إلى (سوريا) سهلاً، ورغم أن في حوزتي ”مهمة صحفية“، إلا أنني كنت دائماً أود الدخول بمظهر الزائر العادي، حتى أتمكن من تلمس القصص دون تمثيل.

فمن (دهوك) عليك أن تستقل 3 سيارات أجرة حتى تصل إلى الحدود العراقية السورية، ومن هناك تنتظرك إجراءات معقدة حتى تغادر إلى الجزء الآخر من نهر دجلة الذي يفصل بين الجانبين الكرديين، ففي العراق (جنوب كردستان) البيشمركة، أما في سوريا (غرب كردستان) الأسايش، ولا يتم الوصول إلى (سوريا) إلا بركوب قارب صغير يجب أن يمتلئ ويقطع النهر خلال ثوان معدودة.

هنا (سوريا)، والركّاب ينزلون بضائعهم من القارب، حيث تستضيف أراضي (كردستان) عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين ”الأكراد والعرب“، الذين هربوا من بلادهم بعد هجمات المسلحين وسوء الأوضاع الخدمية كالماء والكهرباء والغاز والاتصالات والوقود وغيرها، وهؤلاء يعودون إلى (سوريا) الآن، لأن حياة المخيمات أيضاَ لا تناسبهم.

وفي تلك اللحظة، لم يكن في البال أن هذا القارب نفسه بعد أسبوع سيحمل جثة شاب كردي سوري قضى في الإقليم بماس كهربائي وهو لم يتجاوز الـ 18، وتستقبله أمه بالزغاريد والبكاء وهو يتجاوز (دجلة)، رأيته حين عودتي.

في أول نقطة من (سوريا)، تنتظرك سيارة سوزوكي صغيرة وتطير بك بين الحجارة والتلال والمستنقعات والحفر التي شكّلها المطر، لتسأل بعدها عن ملاجئ أو مخيمات الإيزيديين النازحين، والتي تبتعد حوالي 50 كم منها، ومنها (مخيم نوروز)، وتشير كلمة نوروز عند الأكراد إلى عيد رأس السنة الكردية، وتعني ”اليوم الجديد“.

وتكثر حكايات ولادة الأطفال داخل الجبل لدى الإيزيديين، تلك التي تتقاطع مع حكاية (جدعان) التي قُتل فيها 14 شخصاً من أسرته أمام عينيه، ولكنه لا يصرح بالمزيد ”فقط قُتلوا.. ملينا من الصحافة“.

في (سوريا)، المخيم بارد رغم جهود ”الإدارة الذاتية الديمقراطية“ الكردية في إدخال الدفء إليه، فها هو (خلف شفان خلف) يتحدث مع ابنه عن 80 جثة رآها بعينيه، بعد أن فروا من (سولاخ) في الساعة الرابعة إلى ”قني/ميركا“، والمسلحون على مرمى حجر منهم.

”مشينا حتى الصباح ورأيت الآلاف يسيرون نحو الجبل، و(الدوشكا) من سطح الجبل ترمينا بحممها، ومن هناك نادى أحدهم بأن الماء موجود، ولك أن ترى المئات تهجم على قطرات الماء في نبع آيل للجفاف، ماؤه كمستنقع، كل هذا في قرية (أوسفا)“.

ويتذكر ”خلف“ بأسى ما حدث مع ابنته التي كانت تحاول أن تقضم الخبر اليابس، ولكن من شدة قسوته تحولت لثتها إلى بركة من الدم وتشققت، أما هو فلم يأكل طوال أيام، باستثناء بعض أوراق الشجر.

أما الابن المولود داخل الجبل أيضاً هنا فاسمه (أوجلان)، في إشارة إلى اسم الزعيم الكردي (عبد الله أوجلان)، فوصل مع أسرته إلى (سوريا) مشياً على الأقدام من (سيبا شيخ خضر كر زرك)، ومن الواضح سماع سعاله كل هنيهة، بعد أن قام والده بدور القابلة واستئصل سرة زوجته ”عذاب كبير لا يوصف“، هكذا يعبر، بعد أن روى قصة والده الذي فارق الحياة في الطريق.

يقول (شيرزاد شمو قاسم): ”لن ننسى ما حدث مع بناتنا وزوجاتنا ما دمنا أحياء“، مطالباً بعودة بنات أسيرات من عائلته، (زيري خلف) ”21 عاماً“، و(نسرين قاسم) ”32 عاماً“.

هنا تتدخل امرأة جالسة في الحديث داخل إحدى خيم (نوروز) في أقصى شمال شرق (سوريا): ”أمي محاصرة ولا أخبار عنها، ويخافون من الاتصال بنا، أمي معوقة ولي أخ مفقود اسمه خالد يوسف“.

وتضيف (بيزو سيدو قاسم): ”لا ليلنا ليل ولا نهارنا نهار“. وتشاركها الحديث (نالين يوسف) ”44 عاماً“.

خارجاً، ينادي أحدهم بأن ابنته التي وقعت من السيارة أمامه لم يستطع أن يرجعها، وأخرى تقول إنها سمعت بكاء طفلها ولكنها أنقذت واحداً وتركت الآخر.

أما (فريال عازار أمين) فلم ترضَ بتصويرها، لقد قُتل زوجها أمام عينيها.

وكمن يلتقط الأفكار من بين مئات الأصوات، لا تستطيع (فريال) التحدث كثيراً كونها في حالة نفسية سيئة.

وبعد أن هربت من (كر زري) وهي ابنة الـ 15 عاماً أخذوها إلى مدينة (بعاج) العراقية بعد أسرها حيث بقيت 17 يوماً في المشفى، لأنها تعرضت لإطلاق نار في كتفها.

تبكي: ”أوقفوا ابن عمي (زوجي) أحمد حسين شمو مع والده وأطلقوا النار عليه دون كلمة واحدة، ولم يمضِ على زواجنا شهران“.

ولكنها استطاعت أن تسرق مصباحاً من أحد المتشددين وتهرب، ومن الحدود السورية العراقية أوصلتها طائرة عسكرية إلى المخيم.

وتكشف (فريال) ووالدها ”60 عاماً“ عن مشاهدات لاإنسانية من اغتصاب الفتيات حدثت أمام عينيها، ورأت مناديل مخدرة استُخدمت للأنوف، وأطفالاً ماتوا من العطش.

يضيف والدها: ”لم نكن مسؤولين عن أرواحنا“.

ماذا حدث للإيزيديين؟

قالت الأمم المتحدة إن ”أفعال التنظيم يمكن اعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية“، وأن ”الإيزيديون تعرضوا لمحاولة إبادة تسببت بمقتل 3 آلاف إيزيدي و5 آلاف مختطف و400 ألف مشرد ومهجر في دهوك وأربيل وزاخو، فضلاً عن وجود 1500 امرأة تعرضت للاغتصاب الجماعي، 1000 منهن يبعن بالسوق كـ ”سبايا“، بحسب تقريرها المعنون ”الإيزيديون العراقيون تعرضوا لمحاولة إبادة“، بتاريخ 22 تشرين الأول / أكتوبر 2014.

وكان (ستيفان دوجاريك)، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، قد صرح بأن المنظمة حصلت ”على تقارير فظيعة على حالات اختطاف واحتجاز للنساء والفتيات والصبيان الأيزيديين والمسيحيين والتركمان“.

وأفاد بأن ”نحو 1500 امرأة من الإيزيديين والمسيحيين أرغمن على الاسترقاق الجنسي“.

كما نددت رئيسة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (نافي بيلاي) بالحملة التي يشنها تنظيم ”الدولة الإسلامية“ للتطهير العرقي والديني في العراق، مستشهدةً بقرارات مجلس الأمن الدولي (1261) و (2170) و (2178) والصادرة سنة 2014.

تشريد نصف مليون إيزيدي

في مقابلة لـ ”شبكة إرم الإخبارية“ مع قائمقام قضاء سيميل في محافظة (دهوك) (مازن محمد سعيد)، فقد كشف أن ”عدد اللاجئين في دهوك يتجاوز 200 ألف لاجئ، أي يفوق العدد المحلي لقاطني ناحية سيميل، الذين لا يتجاوز عددهم 160 ألف نسمة“.

وأضاف (سعيد) من مكتبه الذي لا يبتعد عن المخميات إلا عدة كيلومترات، أن ”المخيمات لا تضم فقط الإيزيديين، رغم أن نسبتهم تتجاوز 80%، إلا أن اللاجئين هم الذين هربوا من قراهم في زمار وشنكال وقوقوش وتل كيف والرمادي والموصل وبغداد، وغيرها من المدن العراقية التي سيطر عليها التنظيم“.

أما مدير تربية (دهوك) (عبد الله حسن عبد الله)، فقد أضاف لـ ”إرم“، أنه تم إشغال 103 مدرسة لصالح اللاجئين، فيما تم افتتاح 55 مدرسة مجدداً لاستكمال العملية التعليمية، وبقيت 48 أخرى تنتظر، في وقت استنفرت المدينة كلها للنازحين.

بينما تشير أرقام عمليات إغاثة وإيواء النازحين إلى (إقليم كردستان العراق) إلى ”نزوح نحو مليون وربع المليون شخص إلى الإقليم خلال الفترة الأخيرة“.

في حين أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن أعداد النازحين الذين تدفقوا إلى الإقليم تجاوز (1.2) مليون شخص، على لسان وزير الهجرة والمهجرين (ديندار نجمان دوسكي).

وبحسب إحصاءات غير رسمية، يبلغ عدد النازحين الإيزيديين أكثر من نصف المليون نسمة، وهؤلاء متمركزون في محافظة (دهوك) بإقليم كردستان العراق، فضلاً عن العالقين في (جبل سنجار).

وأعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أن ”الإقليم استقبل نحو 700 ألف نازح طردهم مقاتلو الدولة الإسلامية من منازلهم“، على لسان المتحدث باسم المنظمة (أدريان إدواردز).

من هم الإيزيديون؟

يقول باحثون ومؤرخون إن الإيزيدية (Êzidî أو ئێزیدی) تُعد من الديانات الكردية القديمة، وهي خليط من عدة ديانات قديمة مثل الزردشتية والمانوية أو امتداد للديانة الميثرائية، فيما ترى كتب بحثية أنهم يتمركزون قرب الموصل وجبال سنجار في العراق، مقدرين عددهم بنحو 600 ألف نسمة، وذلك في (الشيخان) و(بعشيقة) و(بحزاني) و(شنكار)/ (سنجار) و(زمار) و(القوش) و(شاريا) في (سيميل) و(خانكي) و(ديرهبون) في (دهوك)، كما تعيش مجموعات في كلٍّ من تركيا وسوريا (الجزيرة الفراتية وجبل حلب)، حوالي 20 ألف، وإيران وجورجيا وأرمينيا.

ويتحدث الإيزيديون بالكرمانجية ”لهجة أساسية من اللغة الكردية“، ويهتمون في دينهم بالتوحيد والصلاة، ولهم كتب مقدسة هما ”كتاب الجلوة“ و“مصحف رش“، وأعياد مثل عيد رأس السنة، وعيد القربان، وعيد الجماعة، وعيد ئيزيد، وعيد خضر إلياس، وعيد العجوة، وعيد أربعانية الشتاء، وعيد الميلاد، بحسب جمعية كانيا سبي الثقافية الاجتماعية في ألمانيا.

ويُعد (الأمير تحسين بك) من أشهر أمراء اليزيدية حالياً، بحسب المجلس الروحاني الأعلى الذي يضم سبعة أعضاء، وهو يقيم في ألمانيا، حيث توجد جالية كبيرة هناك.

ويشيد الإيزيديون عموماً بكتاب (الإيزيدية حقائق وخفايا وأساطير)، لـ (زهير كاظم عبود)، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وكذلك بكتاب ”مفاتيح لفهم أوسع حول الديانة الإيزيدية“، لـ (خليل جندي).

ويختلف الباحثون في تحديد نشأة وتطور الإيزيديين وظهورهم وحركة تطورهم التاريخي والمعرفي، وكذلك حول أصلهم وتسميتهم، بحسب كتاب (مدخل لمعرفة تاريخ الديانة الإيزيدية)، لـ (خليل جندي) أيضاً.

ويصفهم ابن تيمية بـ ”المسلمين من أهل السنة“ في رسالته إليهم، بحسب كتاب (اليزيدية من خلال نصوصها المقدسة)، لـ (آزد سعيد سمو).

وللإيزيديين مقعد في مجلس النواب العراقي، وآخر في مجلس محافظة نينوى ومجلس قضاء الموصل، وكذلك نائب في البرلمان الأوروبي.

وأخيراً، يعبر أحد النازحين عن سخطه من المجتمع الدولي، متسائلاً: ”ماذا يفيدنا التنديد الشديد لأعضاء مجلس الأمن إزاء القتل والاختطاف والاغتصاب والتعذيب الذي تعرض له كل العراقيين على أيدي ”داعش“؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة