”فورين بوليسي“: كيف أثار ميشال عون النزعة الثورية لدى اللبنانيين؟ – إرم نيوز‬‎

”فورين بوليسي“: كيف أثار ميشال عون النزعة الثورية لدى اللبنانيين؟

”فورين بوليسي“: كيف أثار ميشال عون النزعة الثورية لدى اللبنانيين؟

المصدر: أبانوب سامي – إرم نيوز

قبل أن ينهي الرئيس اللبناني ميشال عون المقابلة التلفزيونية الأخيرة التي تعرضت لانتقادات شديدة، كان المتظاهرون يغلقون الطرق الرئيسية في بيروت، ويهتفون مرة أخرى مطالبين برحيله، لكن الحقيقة هي أن الجنرال السابق لم يكن يستطيع إرضاء المتظاهرين مهما قال، وعندما أخبر أحدهم بضرورة البقاء في منازلهم حتى لا تحدث كارثة وطنية، قائلًا: ”أنا أضع هذا الاختيار أمامك“، كان يؤجج نزعتهم الثورية.

فخلال ساعات، خرج الآلاف من المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، وأغلقوا الطرق وأحرقوا الإطارات، وقال المتظاهر سامر كمون، وهو يقف في وسط الطريق مع مجموعة من أصدقائه: ”إنه يطلب منا العودة للمنازل وترك الحكومة تعمل، لكنه كان رئيسًا لمدة 3 سنوات، ماذا فعل، عون يمتلك أغلبية برلمانية، وإذا لم تستطع فعل شيء، من يستطيع“.

وحسب مجلة ”فورين بوليسي“ الأمريكية، يرى العديد من المتظاهرين أن عون لا يزال يحكم كجنرال في الحرب الأهلية اللبنانية، فلا يقبل بالتفاوض ويرفض مطالب المحتجين، بدلًا من التصرف كرئيس مُنتخب، حتى بين أولئك الذين ساندوه منذ عقود، أصبح هناك استياء من تردده السياسي وقلة إنجازاته كرئيس، لكن عون الذي قاد القوات في الجيش اللبناني المنقسم خلال الحرب الأهلية، قال في مقابلة الثلاثاء: ”دعوهم يراجعون تاريخي“.

بالفعل شرع المتظاهرون في مراجعة تاريخه، واتهم كمون الرئيس بسرقة أموال الشعب اللبناني لتمويل منفاه الذي دام 14 عامًا في فرنسا، قائلًا: ”لقد بدأ حربًا مع سوريا، وهرب. من أين حصلت على المال لتمويل حياتك في باريس هل كنت تعمل في صناعة المخبوزات، لا“.

في المقابل، يؤكد أنصار عون أنه كان يدافع عن البلاد من الاحتلال السوري الوحشي ويحمي شعبه من الجماعات المتنافسة. فمع تعمق الانقسامات الطائفية بالحرب الأهلية في لبنان، قاد عون لواءً عسكريًا يضم مسلمين ومسيحيين على حد سواء، وتم ترقيته إلى قائد القوات المسلحة اللبنانية في عام 1984، الذي اعتبره البعض محاولة للتوفيق بين الفصائل المتحاربة.

إلا أن هذه المحاولة لم تنجح، وتم تهريب عون من لبنان من قِبل الفرنسيين في 1991، لكنه استمر بالوقوف ضد الوجود السوري في لبنان واكتسب سمعة بأنه فوق الفساد والطائفية التي ما زالت تعصف بالسياسة اللبنانية، وانتقد الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان؛ لأنه لم يضمن انسحاب القوات السورية.

الشخص الخطأ

وعاد بعد أيام فقط من مغادرة آخر الدبابات السورية للبلاد في 2005، وسط احتجاجات ضخمة مناهضة لسوريا نشأت عن اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وخرج عشرات الآلاف من المؤيدين للشوارع، ورحبوا بعون كبطل في لبنان الحر، ووقف عون أمام بحر من الأعلام اللبنانية في ساحة الشهداء ببيروت، وقال للحشد من وراء لوح زجاجي مضاد للرصاص: ”لقد عدت إليكم اليوم، واستعاد لبنان حريته وسيادته واستقلاله“.

وكانت هند رميلي، معلمة تبلغ من العمر 45 عامًا، من بين أولئك الذين رحبوا به، وقالت: ”لقد ظننا أننا وجدنا أخيرًا شخصًا يستطيع تحقيق آمالنا“.

يذكر أن ثورة الأرز لعام 2005 كانت قد نشرت موجة من التفاؤل عبر لبنان، وخاصة بين قاعدة عون المسيحية، وبعد أسابيع من عودته والانتخابات البرلمانية، أصبح حزب الحركة الوطنية الحرة الذي يرأسه عون، أكبر حزب مسيحي في الجمعية الوطنية اللبنانية، وتعهد بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية والدعوة إلى القومية المدنية العلمانية.

وبعد مرور أقل من عام على عودته، أثار عون الجدل بتوقّيع اتفاق مع زعيم حزب الله حسن نصر الله، الذي ربطه رسميًا مع الجماعة الموالية لسوريا والمدعومة من إيران.

وقالت هند وهي تقف في ساحة الشهداء، محتجة ضد عون والطبقة السياسية اللبنانية بأكملها: ”لقد بنيت آمالي على الشخص الخطأ“، بينما قال ول داغر، وهو مقاول ووكيل عقاري لبناني: ”شعرنا بالخيانة. فقد كان عون يقول: لا نريد سوى الجيش اللبناني فقط في الجنوب، ولا نريد أي ميليشيات، ولا يجب أن يحمل الأسلحة سوى الجيش، لكنه في النهاية فعل عكس كل ما قاله“.

وأضاف داغر: ”لا يمكن لحزب الله أن يستعرض عضلاته هنا بدون هذا الغطاء المسيحي. لقد كانت هذه مبادلة واضحة، فقد منحهم ما يريدون ومنحوه ما يريده، ودفعنا نحن الثمن“، لافتًا إلى أنه ”عندما أصبح عون رئيسًا سعدنا واعتقدنا أن حلم حياتنا قد تحقق، وانتظرنا رؤية ما سيفعله، ولكنه لم يفعل شيئًا يذكر“.

قضى عون عقودًا في حشد الناس ضد الاحتلال السوري والتدخل الأجنبي في لبنان، وأسس حزب ”الحركة الوطنية الحرة“.

يرى بعض المتظاهرين أن ما يحدث هو نتيجة سياسة خالية من المبادئ، حيث تُؤلف التحالفات بناءً على زواج المصلحة والمصالح الشخصية بدلًا من التوافق الأيديولوجي والمواقف السياسية المشتركة، وبذلك يصبح أعداء الحرب حلفاء، ويتناوب الجميع على التقرب من دمشق، ثم رفضها.

ومع ذلك يقول مؤيدو عون إن هذا التحالف أنقذ البلاد، واخترق الانقسامات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين الشيعة، وخلق جسورًا عبر فجوات الحرب العميقة.

وتجمّع آلاف الأشخاص خارج القصر الرئاسي هذا الشهر وهم يرفعون العلم البرتقالي لحزب عون إلى جانب العلم اللبناني وهتفوا من أجل ”الحرية والاستقلال“، وحمل أحدهم صورة تظهر عون كجنرال شاب وكُتب عليها ”أنت كرامتنا“.

وخاطب عون الحشد، قائلًا: ”أخبركم أنني معكم، ومن خلالكم أرى كل الناس في لبنان، وأقول لكم أنني أحبكم كلكم، وكلكم تعني كلكم“، في إشارة منه إلى الهتاف الشعبي للمتظاهرين والذي يطالب بالإطاحة بالطبقة السياسية اللبنانية بأكملها.

وعندما أصبح منصب الرئيس متاحًا في عام 2014، سعى عون للوصول للسلطة، وظل لبنان بدون حكومة لأكثر من عامين بينما كانت النخبة السياسية تساوم وتفاوض، وفي عام 2016 أصبح عون رئيسًا.

يعتبر المتظاهرون أن الأمر لا يتعلق بتذبذبه الإيديولوجي فقط، بل خرقه لوعده بتوفير حياة أفضل للمواطنين اللبنانيين، حيث قالت هند: ”لقد وعدنا ببلد أكثر نظافة وكهرباء، لكن التلوث والقمامة والسياسيين أصبحوا أسوأ، وبات الفساد متفشيًا“.

هجرة إلى القصر

وعندما تحدث بعد نحو شهر من المظاهرات المناهضة للحكومة، قال عون للمتظاهرين: ”إذا لم يكن الناس راضين عن أي من القادة الكريمين، فليهاجروا“، وفي صباح اليوم التالي توجه آلاف المتظاهرين نحو قصره الرئاسي في مدينة بعبدا بالقرب من بيروت، ورفع بعض المتظاهرين لافتات تحمل مقالات صحفية تعود لعقود بصورة الجنرال عون وبعنوان ”جزار اليرز يحرق لبنان“.

وقال إلياس فوز، وهو يقف بين مئات الأشخاص على الطريق السريع المؤدي إلى بعبدا، الذي أغلقته حواجز الشرطة: ”نحن نهاجر إلى القصر الرئاسي“.

ويعتبر موضوع الهجرة حساسًا في البلد الذي يحتوي على 4.5 مليون نسمة وما لا يقل عن ضعف هذا العدد من المغتربين، بعد أكثر من قرن من الهجرة المدفوعة بالرغبة في الهرب من الحروب والظروف الاقتصادية السيئة.

وقال فوز: ”ما زلنا ننتظر منهم تشكيل حكومة جديدة، لكنهم يتجادلون ويتفاوضون مع بعضهم البعض بينما يظل المتظاهرون في الشوارع، كما لو لم نكن موجودين“.

وقال العديد من المتظاهرين إن عون يبدو أكثر اهتمامًا بضمان بقاء صهره جبران باسيل وزيرًا للخارجية في حكومة جديدة بدلًا من تشكيل حكومة يمكنها أن تنقذ البلاد من الانهيار الاقتصادي الذي يلوح في الأفق الذي ساعد في إشعال فتيل هذه الاحتجاجات، هذا على الرغم من قول عون إن لبنان بحاجة إلى التخلص من نظام التوريث الذي أدى للعديد من القيادات الفاشلة للبلاد.

وأكد فوز أن مشكلة الانفصال عن الواقع اللبناني لا تقتصر على عون فقط، بل جميع القادة السياسيين في البلاد، الذين قاد معظمهم المقاتلين خلال الحرب الأهلية، منوهًا إلى أنهم ”ما زالوا يعتقدون أنهم يحكمون بالطريقة القديمة، كأنهم حفنة من رجال الميليشيات على رأس منبر ديني، لكن الشارع قد تغير، وعليهم أن يعرفوا ذلك“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com