لغة السلاح تهدد حلم الليبيين بالديمقراطية في 2014

لغة السلاح تهدد حلم الليبيين بالديمقراطية في 2014

طرابلس- مرت فصول العام 2014 بصورة مأساوية قاتمة على المشهد السياسي في ليبيا.

ومع تصاعد أعمال العنف والفوضى، باتت لغة السلاح تهدد حلم الديمقراطية لدى الليبيين، الذين خرجو قبل أكثر من ثلاثة أعوام، في مظاهرات للمطالبة بسقوط نظام القذافي الذي حكم البلاد لأكثر من أربعة عقود، وسرعان ما تحولت المطالبات إلى ثورة مسلحة، أسقطت نظامه في أكتوبر 2011.

وشهد العام 2014 الذي تفصلنا أيام قليلة عن توديعه، منعرجات متباينة على مسار الثورة الليبية، وكان أبرزها هو تسيد لغة السلاح والفوضى المشهد، مع تنامي قوة وسيطرة المليشيات والمجموعات الإرهابية، وإحكامها القبضة على أكثر من نصف البلاد، ورفضها الخيار الديمقراطي الأخير، والذي أفرز انتخاب سلطة تشريعية جديدة قبل خمسة أشهر.

وبالمرور سريعا على الأحداث السياسية التي شهدتها ليبيا طوال عام كامل، نرى نجاح الشعب الليبي في انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الدائم في فبراير الماضي، والتي تحمل على عاتقها التأسيس لمرحلة نظام سياسي، يتجاوز حالة الثورية التي تعيشها ليبيا، وتدفعها نحو دول القانون والمؤسسات وسيادة حقوق الانسان.

ويقول في هذا الصدد، الصديق الدرسي المتحدث الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، بأن الهيئة منذ انتخابها بداية العام، وهي تعمل في ظل أجواء سياسية وظروف أمنية عسيرة، لكنها عاقدة العزم على المضي قدماً، في كتابة دستور ليبي يمثل مختلف الأطياف ويحفظ حقوق الجميع.

وتابع الدرسي، في حديثه مع ”إرم“: ”كان من المقرر الكشف عن المسودة الأولية للدستور في الـ 24 من ديسمبر، لكن الوضع العصيب الذي تمر به ليبيا، أدى إلى تأخر عرضها للاستفتاء، كما شعرنا بالحاجة إلى الاستماع لأكبر عدد من شرائح المجتمع المختلفة، وقد نجحت لجان الهيئة الثمانية من إنجاز مقترحاتها، التي تمثل صياغة أولية لا تعبِّر عن رأي الهيئة، ولم تناقش تلك المقترحات بعد، لكنها تمثل أفكار أولية، في حاجة للكثير من والتدقيق والدراسة النقدية، من مختلف النخب ومؤسسات المجتمع المدني في ليبيا“.

وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي المكونة من 60 عضوا، في 20 فبراير الماضي، ويتعين عليها كتابة المسودة في مدة أقصاها 120 يوما من تاريخ أول اجتماع للهيئة، لتعرض المسودة بعد ذلك للاستفتاء على الشعب بنعم أولا.

لكنها تجاوزت المدة المحددة التي انتهت في 21 أغسطس الماضي، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية، بجانب تأخر انتخاب 13 من أعضاء الهيئة الـ60، حيث لم تتمكن المفوضية العليا للانتخابات من إتمام عملية انتخابهم، بسبب احتجاجات من بعض الأقليات مثل الأمازيغ، على عدد المقاعد الممنوحة لهم.

الفصل الثاني للمشهد السياسي الليبي، بدأ في الخامس والعشرين من يونيو الماضي، عندما توجه نحو مليون ناخب ليبي من أصل مليون ونصف مسجل، بانتخاب مجلس النواب (البرلمان الجديد) المكون من 200عضو، ليحل محل المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، كسلطة تشريعية انتقالية ثالثة وأخيرة، قبيل انتخاب البرلمان الدائم.

الانتخابات نجحت واعترف العالم أجمع بنزاهتها، لكنها أحرجت التيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي لم تحظى بربع عدد المقاعد، وهو ما يعني فشلها في الهيمنة، ليتم التخطيط للانقلاب على الشرعية التي ارتضاها الليبيون لأنفسهم، عبر صناديق الاقتراع الحر والمباشر.

ويصف محمد المهدي الأستاذ الجامعي الليبي بداية الانقلاب على خيار الديمقراطي، بأنها أعقبت الإعلان عن النتائج، “ انتخب مجلس النواب الجديد بنظام القائمة الفردية عبر التنافس العام والخاص، ولم تشارك فيه الأحزاب والمكونات السياسية عبر القائمة الحزبية، كما هو في انتخاب المؤتمر الوطني العام السابق، وفور إعلان مفوضية الانتخابات النتائج، تأكد الإخوان والتيارات المتأسلمة، بإنها خارج قواعد السلطة وللنفوذ، ليتم إعلان الحرب على طرابلس“

ومضى قائلاً: ”تم تحريض مليشيات فجر ليبيا ومن يعاونها، على مهاجمة طرابلس ومطارها الدولي، وهو ما حدث عندما تم تدمير المطار وحرق خزانات النفط في أطراف العاصمة، وتم طرد الحكومة ودفعها التوجه أقصى الشرق، ليتم السيطرة على مصالح الدولة كاملة، كما أعلنوا رفضهم للانتخابات وأجبروا المحكمة العليا تحت تهديد السلاح، بإصدار قرار يعلن بإنها انتخابات باطلة، وها هي حالة الفوضى السياسية والأمنية تعم البلاد بفعلهم“.

وتشهد السلطة السياسية انقساماً، بوجود برلمان وحكومة في الغرب والشرق، واضطرت حكومة عبد الله الثني والبرلمان المنتخب في يونيو المعترف بهما من الأسرة الدولية، إلى الانتقال إلى طبرق والبيضاء أقصى شرق ليبيا، لممارسة مهامهم من هناك بشكل مؤقت.

وشكل نواب مقاطعون لجلسات البرلمان المنعقد في طبرق ومتعاطفين مع مليشيات ”فجر ليبيا“ التي سيطرت على طرابلس في نهاية أغسطس الماضي، ليشكلوا حكومة موازية برئاسة عمر الحاسي، وتم إحياء المؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته، ما أربك المجتمع الدولي بوجود حكومتين وبرلمانين يتنازعان على الشرعية.

بدوره، يعتقد عمران خليل الباحث الليبي في الشؤون الأمنية، بأن السلاح المنتشر وترسانة مقدرة بالملايين، جمعها القذافي طيلة عقود، هي أساس الأزمة وتفاقمها خاص في هذا العام.

وأوضح خليل في تصريحه لـ“إرم“: ”المجموعات المسلحة تمردت وتجرأت على سلطان الدولة الشرعي، لإنها تفهم جيداً أن لديها مخزون ضخم من الأسلحة والذخائر، وتستغل حالة الترهل في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، لتستمر في نهش المال العام وتوسعة معسكراتها، التي أضحت تحتاج إلى قوة دولية تساند الجيش الليبي، لإجبار أمراء الحرب التخلي عن فكرهم العدائي – المسلح “ .

ويضيف ”الكل شاهد قبل أسبوعين مهاجمة مسلحين تابعين لمصراتة وفجر ليبيا، منطقة الهلال النفطي بهدف احتلالها، ليقينهم أن سيطرتهم على منابع النفط، سيحكموا قبضتهم على شريان الدولة وعائدات مالية، تقدر بملايين الدولارات يومياً“.

وكانت قوات الجيش الليبي الأسبوع الماضي، قد صدت هجوما من قبل قوات ”فجر ليبيا“ ودرع مدينة مصراتة الثالث، الذين يشنوا حملة عسكرية واسعة، من أجل السيطرة على منطقة الهلال النفطي (500) شرق طرابلس، التي تعتبر أغنى مناطق النفط في ليبيا.

وينتشر في عموم المدن والبلدات الليبية السلاح والذخائر بشكل مضطرد، وتقدر تقارير شبه رسمية محلية، أن أكثر من 20 مليون قطعة سلاح منتشرة بين الثوار والمدنيين.

وقد ذكرت مجلة ”نيوزويك“ الأميركية في إصدارها الأخير، أنّ انتشار الأسلحة في ليبيا أسوأ من الفوضى السياسية التي تشهدها، وأن الأسلحة الخارجة عن السيطرة تسببت في تعقيد الأزمة، لتتحول البلاد بذلك إلى ”أكبر مستودع للأسلحة في الشرق الأوسط“، حسب وصفها.

وأوضحت المجلة الأمريكية، بإن هذا المستودع يتضمن الصواريخ والقذائف والبنادق وكميات صغيرة من مركبات كيميائية، منها مسحوق كعكة اليورانيوم الصفراء، الذي ظل في ليبيا حتى بعد إلغاء القذافي برنامج الأسلحة النووية.

كما تبدي الأمم المتحدة تخوفها البالغ من مخزونات السلاح في ليبيا، حيث أشار يودجين غاسانا رئيس لجنة العقوبات الليبية في مجلس الأمن الدولي، في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن حول ليبيا، بأن غياب الرقابة المركزية على مستودعات الأسلحة، وتواجد غالبية مستودعات السلاح تحت سيطرة مجموعات ”غير حكومية أو شبه عسكرية“، أسفر عن تحول البلاد إلى ”أكبر مصدر للسلاح غير الشرعي في العالم“.

أكرم الرحال مهندس ليبي (32) عاماً، وهو أحد الثوار السابقين، يرى أن مشكلة ليبيا تتلخص في السلاح، الذي لم يساعدنا العالم في التخلص منه.

ويتابع، “ عندما انتهت حرب التحرير وسقط الطاغية القذافي وزبانيته، لم أفرح كثيراً وأنا اتنقل في جبهات القتال، واشاهد كمية السلاح غير الطبيعية، وفكرت حينها بحجم التحدي للتخلص منه (…)، ليس سهلا بعد انتشاره بيد الشباب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com