المغرب.. هدوء سياسي وطبيعة ثائرة في 2014

المغرب.. هدوء سياسي وطبيعة ثائرة في 2014

الرباط- ”الاستقرار“ هو الكلمة الأثيرة في خطاب السياسيين المغاربة، بل وفي حديث المواطنين العاديين أيضا، وربما كانت هي الكلمة الأكثر رواجا في السياسة المغربية خلال عام 2014.

تتكرر الكلمة كثيرا حتى ليخال أن الأمر ”حشو كلام“، وأنها من قبيل عبارة ”الاستثناء المغربي“ التي طالما تندر منها سياسيون ومثقفون كثر، لكن المغاربة يصرون عليها وعيونهم وآذانهم متطلعة إلى ما يموج به بحر السياسة في بلدان الجيران المغاربي العربي من أحداث بعضها يهدد الإنسان ووحدة الأوطان.

وإذا كان النصف الثاني من سنة 2013 عرف اضطرابا في عمل حكومة عبد الإله بنكيران، بعد إعلان حزب الاستقلال (محافظ) الحزب الثاني في هذه الحكومة الانسحاب منها، وآنذاك كثر الحديث عن احتمال نهاية الحكومة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية (إسلامي)، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، في حال لم يجد بنكيران بديلا عن حزب الاستقلال لترميم حكومته.

لكنه ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر من السنة نفسها عندما تمكن بنكيران من إقناع حزب التجمع الوطني للأحرار (وسط) بتعويض حزب الاستقلال المنسحب، وإعلان الحكومة في نسختها الثانية المعدلة، وطيلة سنة 2014 ، ظلت الحياة السياسية في المغرب ”هادئة“، بل إن بنكيران ظل يردد أن عمل الائتلاف الحكومي، الذي يقوده، يعيش أفضل أيام انسجامه منذ كانون الثاني /يناير تاريخ تعيين الحكومة في نسختها الأولى.

هذا الهدوء السياسي الذي عاشه المغرب طوال السنة التي نودعها، وحالة الأمن التي تعرفها البلاد في محيط إقليمي مضطرب سياسيا وأمنيا، لم يمنع أن تتوارد بيانات وزارة الداخلية المغربية عن تفكيك ”خلايا إرهابية“ تتألف من مغاربة وأجانب، بعضها ”يعد جهاديين للسفر إلى سوريا“، وبعضها كان يريد استهداف مواقع ”حساسة“ في المغرب أو شخصيات مسؤولة في الدولة.

أيضا أطلقت الداخلية، وبتعليمات من العاهل المغربي في تشرين الأول الماضي /أكتوبر، برنامجا لتشديد الأمن في ما تعتبره مناطق حساسة، وحتى في الشوارع العامة للمدن الكبرى، وهو ما اعتبره البعض مضرا بصورة المغرب ويؤثر سلبيا على السياحة في بلد يقدم نفسه باعتباره الآمن في المنطقة.

مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة، اعتبر هذا التشديد الأمني دليلا إضافيا على اضطراد حالة الهدوء والاستقرار التي تعيشها البلاد.

وقال في مؤتمر صحفي مؤخرا إنه ”على خلاف ما قد يبدو للبعض فإن إعلان المغرب المتكرر عن تفكيك خلايا إرهابية له آثار إيجابية على السياحة في المغرب، وهذا شيء مهم، لأن المغرب مشهود له على مستوى المنطقة بفعاليته في تفكيك الخلايا الإرهابية“.

لم يكن هذا هو المشهد الوحيد في المغرب خلال سنة 2014 فقط، حيث شهدت المملكة تنفيذ إضراب عام في المؤسسات العمومية والخاصة نهاية تشرين الأول/ أكتوبر استجابة لدعوة نقابات مغربية؛ احتجاجا على مشروع للحكومة لإصلاح أنظمة التقاعد، وذلك بعد أكثر من 24 عاما عن آخر إضراب عام عرفه المغرب.

هذا الحدث على كبر حجمه في عقول المغاربة، اعتبره بنكيران عنوان ”عافية ”للمغرب، وشكر النقابات على تحملها لمسؤوليتها في تأطير (تنظيم) الإضراب، كما شكر السلطات التي سمحت بحرية الإضراب للمضربين والعمل لغير المستجيبين لندائه.

وزاد رئيس الحكومة بأن ”المغرب قطع مع ذكريات أليمة ارتبطت بالإضراب العام عند المغاربة“، في إشارة إلى الأحداث التي عرفتها الإضرابات العامة في سنوات 81 و 84 و 90 من القرن الماضي والتي راح ضحيتها العشرات من القتلى والمعتقلين وعرفت تخريب العديد من المباني والخسائر المادية الكبيرة.

على عكس الهدوء الذي شهدته السياسة في المغرب سنة 2014، كانت الطبيعة هادرة وثائرة، حيث شهد جنوبي المغرب نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي فيضانات وسيول واضطرابات جوية خلفت 47 قتيلا، بحسب الإحصاءات الرسمية، وجرفت مباني وأتلفت ممتلكات، وحولت مدن كلميم وتزنيت وسيدي يفني وغيرها إلى بركة مائية كبيرة، وتقطعت الأوصال بين أحياء المدينة الواحدة، كما قطعت الفيضانات الطرق الرابطة بين هذه المدن، وبينها وبين مدن شمال المغرب لأيام.

زاد من حدة آثار الفيضانات ما اعتبره المتضررون تأخرا للسلطات المغربية في التدخل لإنقاذ المتضررين الذي حاصرتهم الفيضانات، وانتشال جثث الذين قضوا منهم أو البحث عن المفقودين الذين كانت تمر الدقائق والساعات طويلة على أهلهم في البحث عنهم، ومعها ضعف آمالهم في العثور عليهم أحياء، ومما زاد الأمر تعقيدا انقطاع شبكات التيار الكهربائي والهاتف والإنترنت في أكثر الليالي غزارة في الأمطار.

مشهد آخر لم يكن إلا ليزيد من حرارة الانتقادات للسلطات، وهو يتعلق برواج صور في مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد، لجثث بعض ضحايا هذه الفيضانات محمولين في شاحنة لنقل القمامة، الأمر الذي اعتبره رئيس الحكومة نفسه ”يمس بكرامة المواطنين، ولا يليق بكرامة الموتى“.

ولم تكن الفيضانات والسيول وحدها من قضى بسببها مغاربة في 2014، فقد شهدت مدينة الدار البيضاء (شمال) كبرى المدن المغربية من حيث كثافة السكان، انهيار ثلاث بنايات سكنية في حزيران/يونيو الماضي، أودت بحياة 23 شخصا.

أيضا تسببت الأمطار القوية التي شهدتها المملكة ليلة الأحد 14 كانون الأول /ديسمبر انهيار ثلاثة منازل في المدينة القديمة للدار البيضاء نجم عنه مصرع شخصين، كما انهار منزل في مدينة أسفي (وسط)، ما أودى بحياة شخصين.

وفي 2014، حدثت وفاة مفجعة لعبد الله بها، وزير الدولة ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، والذي يوصف بـ“حكيم“ الحزب والحكومة و“النصف الثاني“ لعبد الإله بنكيران، وذلك في حادث قطار فوق قنطرة وادي ببوزنيقة على بعد حوالي 30 كلم عن العاصمة الرباط، مساء الأحد 7 كانون الأول /ديسمبر.

”قنطرة الموت“ التي مات فوقها عبد الله بها، غرق تحتها أحمد الزايدي، البرلماني والرئيس السابق لفريق حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض في مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان)، حيث غمرته مياه سيول الوادي وهو يحاول المرور بسيارته في ممر اعتاد المرور منه، وذلك قبل أقل من شهر من وفاة عبد الله بها.

وغيب الموت أيضا عن المغرب المهدي المنجرة، أحد أبرز علماء المستقبليات العرب، والذي ترأس الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية، وشغل مناصب قيادية عديدة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو).

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com