لبنان.. تعامل مرن مع الإرهاب

لبنان.. تعامل مرن مع الإرهاب

بيروت- لا تمثل لوائح الإرهاب الدولية، مرجعا جامدا للسلطات اللبنانية في تصنيف الجماعات العاملة على أراضيها أو في المنطقة بأكملها؛ ففي لبنان، يتوقف نعت أي مجموعة بأنها “إرهابية”، على أمور بينها تهديدها الأمن الداخلي للبلد.

ويواجه لبنان في الفترة الراهنة، موجة جديدة من الإرهاب؛ هي الأسوأ خلال السنوات التسعة الماضية، نتيجة تداعيات وتشابك الحرب الدموية الدائرة في سوريا منذ العام 2011، ونجحت القوى الأمنية اللبنانية إلى حد كبير بضبط تمدد “المجموعات الارهابية” والتصدي لها.

وقال خبراء في الشؤون الأمنية والسياسية والقانونية، إن لبنان لا يلتزم بشكل كامل بأي لوائح أمريكية أو خليجية لتصنيف المنظمات الإرهابية، وسط تفهم المجتمع الدولي لخصوصية البلاد التي تفرض “مرونة” في التعامل مع هذا الملف.

العميد المتقاعد الدكتور هشام جابر، رئيس “مركز الشرق الأوسط للدراسات”(غير حكومي)، قال إن “النقطة الأساسية التي يجب الانطلاق منها هي أنه لا يوجد تعريف عالمي واضح للإرهاب”، مضيفا: “لبنان ليس لديه إمكانية لتصنيف التنظيمات الإرهابية” في لائحة محلية.

وأوضح جابر أن المعيار الذي يعتمده لبنان لتصنيف مثل هذه الجماعات على أرضه هو “أن من يتعرض لأمن لبنان يصدر قرار قضائي بحقه (على) أنه ينتمي إلى تنظيم إرهابي”، مضيفا: “كل من يعتدي على الجيش ويقوم بتفجيرات ويعترف أنه يقوم بذلك لأنه ينفذ أجندة مجموعة معينة، يتم تصنيف هذه المجموعة عندها بأنها إرهابية”.

وشرح جابر أن لبنان “يتعامل مع كل مجموعة كحالة منفصلة”، وأضاف أن تنظيمي “النصرة” و”داعش” ومجموعات أخرى صغيرة “كانوا موجودين من قبل في جرود عرسال (على حدود لبنان الشرقية مع سوريا)، لكن عندما قاتلوا الجيش اللبناني اعتبروا إرهابيين”، متابعا أن “لبنان لا يعتبر الجيش الحر مجموعة إرهابية”.

وخاض الجيش اللبناني معارك ضارية على مدى 5 أيام في أوائل أغسطس الماضي مع “النصرة”، و”داعش” في بلدة عرسال اللبنانية الحدودية ومحيطها، أدت لمقتل وجرح العشرات من عناصر الجيش والمدنيين، بالإضافة إلى أسر العشرات من العسكريين منهم 24 ما زالوا بقبضة التنظيمين المتشددين.

بجانب ذلك، شهد لبنان منذ يوليو 2013، أكثر من 17 تفجيرا، نفذ غالبيتها انتحاريون في مناطق نفوذ حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة الهرمل شرقي البلاد، بعد تدخله في الأزمة السورية ودعمه نظام بشار الأسد، كما استهدفت هذه التفجيرات مواقع للجيش اللبناني في مناطق قريبة من الحدود في شرق لبنان.

وقال عبدالله بو حبيب، سفير لبنان السابق في واشنطن ومدير “مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية” (غير حكومي)، إن “التعامل مع داعش والنصرة على اعتبار أنهما (تنظيمين) إرهابيين بدأ مع المعارك في عرسال وخطف العسكريين”، مضيفا أنه قبل ذلك “كان هناك غض نظر عنهما” على الرغم من ورودهما على اللوائح الدولية للإرهاب.

ولفت بو حبيب، الخبير في السياسة الأمريكية، في حديث لـ”الأناضول” إلى أن “هذه المعايير الدولية (لتصنيف الإرهاب) لا تقيد لبنان تقييدا كاملا وشاملا”، مضيفا: “نحن نوافق عليها ونحاول التعامل معها بميوعة وسيولة”.

وأعطى بو حبيب، مثلا “حزب الله”، الذي تصنفه السعودية والولايات المتحدة على أنه “منظمة إرهابية” على الرغم من أن الأمم المتحدة لا تعتبره كذلك، لكن “لبنان يتعامل معه كحزب لبناني عادي وهو يشكل قسما من الحكومة اللبنانية”.

وأضاف أن “هناك تفهما أمريكيا وعربيا وسعوديا لهذا التعامل من قبل لبنان مع حزب الله”، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه “فيما خص التنظيمات الإسلامية، يلتزم لبنان إلى حد بعيد بتصنيفها لكن بمرونة وميوعة”.

من جهته، أكد المحامي نبيل الحلبي، مدير “المؤسسة اللبنانية للديموقراطية وحقوق الإنسان” (غير حكومية)، أن “أي لائحة للإرهاب تصدر عن مجلس الأمن كما هو الأمر بالنسبة للنصرة وداعش والقاعدة، يلتزم بها لبنان بشكل إجباري”، لكنه أوضح أنه بالنسبة للوائح التي “تصدر عن الدول فلبنان لا يلتزم بها لأنها تعكس مصالح هذه الدول”.

وأعطى الحلبي مثالا بورود اسم “الإخوان المسلمين” على اللائحتين السعودية والإماراتية للإرهاب، إلا أنها “موجودة في لبنان كحزب سياسي هو الجماعة الإسلامية، ولبنان لم يلتزم بهذا التصنيف السعودي والإماراتي، كذلك الأمر بالنسبة لحماس وحزب الله الواردة (أسماءهم على) اللائحة الأمريكية للإرهاب”.

وشرح الحلبي، المختص بالقانون الدولي الإنساني، ردا على سؤال عن المعايير التي يعتمدها القضاء اللبناني لتصنيف جماعة ما بأنها إرهابية، بأن “المحاكم اللبنانية تعتبر أن كل مجموعة تمت بصلة إلى السلفية الجهادية هي تنظيم إرهابي”.

وأضاف أن “كل سلفي يحمل السلاح يتم ربطه فورا بقضية إرهابية”، متابعا أن ما يساعد على تحقيق هذا الربط هو “وجود ثغرات في التحقيقات، حيث يتم أحيانا إجبار الموقوفين على الاعتراف بالقيام بأفعال لم يرتكبونها، خصوصا مع احالة معظم هذه القضايا إلى المحاكم العسكرية التي تشهد انتهاكات بحق الدفاع”.

ورأى الحلبي أن لبنان “لا يستطيع أن يضع لائحة خاصة به للإرهاب”. وفي هذا السياق، قال هشام جابر إن “وضع لائحة إرهاب لبنانية دونه عوائق سياسية وأمنية”، مضيفا أن لبنان يتعامل مع هذه القضية وفقا لمبدأ مفاده: “إذا لم يتعرض تنظيم ما لأمن لبنان، فلا يمكن اعتباره إرهابيا”، مشيرا إلى أن العالم يتفهم خصوصية الحالة اللبنانية في هذا الصدد.