العبادي في الأردن.. علاقات إستراتيجية جديدة

العبادي في الأردن.. علاقات إستراتيجية جديدة

عمّان – صفحة جديدة من علاقات استراتيجية جديدة بين عمّان، وبغداد، فتحتها زيارة رئيس الوزراء العراقي الجديد للأردن، وتحمل هذه الزيارة قراءة لتفاصيل الحدث تتمثل في:

أولا: الكف عن تغييب أي مكون من مكونات الشعب العراقي عن العملية السياسية.

ثانيا: توقف بغداد عن دعم نظام الحكم السوري في مواجهة شعبه. لم يكشف أحد عن ذلك، غير أنه يمكن استنتاجه من بين ثنايا الحدث.

ثالثا: تعجيل إنشاء أنبوب نفطي عراقي يمتد من البصرة إلى العقبة، لا يؤمن فقط حاجات الأردن من النفط، لكنه يحرر صادرات النفط العراقي من المرور في مضيق هرمز الخاضع للسيطرة العسكرية الإيرانية.. أي أنه يحرر الإرادة العراقية من ضغوط الطموحات والأطماع الإيرانية في ابقاء هيمنة طهران على بغداد!.

باختصار، إن حقق العراق الاستحقاقات المطلوبة منه، يكون قد سهل التوصل إلى استراتيجية مشتركة مع الأردن، تقوم على ثالوث اقتصادي سياسي، وأمني أيضا.

الذين تابعوا زيارة حيدر العبادي لاحظوا أن بعض مرافقيه بدأوا يتحدثون ”بروح عروبية وقلب قومي مفتوح“، على حد وصف صحيفة أردنية (العرب اليوم)،

بعكس الممارسات المذهبية الطائفية التي كرستها حكومة سلفه نوري المالكي، مع أن كليهما ينتمي إلى حزب الدعوة، الذي يمثل السلفية الشيعية في العراق.

الملك دعا العبادي بلغة لا ينقصها أي وضوح إلى ”تعزيز الوحدة الوطنية في العراق الشقيق، وتحقيق الوفاق بين مكوناته جميعهم وفقا للتعددية والديمقراطية“، مشددا على ”أهمية إشراك أطياف الشعب العراقي جميعهم في بناء حاضر ومستقبل العراق“.

ذات الأمر أكده أيضا الدكتور عبد الله النسور في التصريحات المشتركة التي أدلى بها والعبادي في المطار، أثناء مغادرة رئيس الوزراء العراقي. وفي المباحثات تطرّق الجانبان إلى تطورات الوضع في سوريا، حيث تم التشديد على أهمية الوصول إلى حل سياسي شامل للأزمة هناك، وبما يضمن وحدة سوريا أرضا وشعبا.

وأكد النسور أن الأردن ”يقف إلى جانب الدولة العراقية بكل مكوناتها“.

في الأردن.. خلايا ”داعشية“ نائمة!

سبب تأكيد الأردن على ضرورة تراجع الحكومة العراقية عن السياسات الطائفية والمذهبية الإقصائية لحكومة المالكي يكمن في:

1. استمرار تلك السياسة بدفع العراقيين السنة للإلتفاف حول ”داعش“ باعتبارها المدافع عن أرواحهم وحقوقهم ومصالحهم.

2. صعوبة احتفاظ الأردن بعلاقاته مع عرب الأنبار، المحايدة للأردن، في حال تطوير العلاقات مع بغداد، دون التراجع عن السياسات المذهبية والطائفية. وهذا يمثل خطرا متوقعا على أمن الأردن ذاته، لأنه يوفر فرصا حقيقية لفرض سيطرة ”داعش“ على الأنبار، برضا أهلها.

3. شعبية النظام الأردني مرشحة للتراجع في مثل هذه الحالة.. الأردنيون لا يقبلون تحسين العلاقات مع حكومة تنكل بسنة العراق.

ما يرجح طلب عمّان وقف بغداد دعمها للنظام السوري يكمن في:

1. أن استمرار دعم بغداد لنظام دمشق على قاعدة مذهبية طائفية لا يساعد على استعادة الأمن في العراق، ولا في سوريا.

2. أن هذا من شأنه تأخير الحل كثيرا في سوريا، ويهدد وحدتها، وكذلك وحدة العراق، محملا الأردن كلفا إضافية لا قبل له بها.

3. أن ذلك يضاعف الأخطار الأمنية على الأردن.

وقد تطرقت المباحثات بين الجانبين إلى تطورات الوضع في سوريا، كما ورد في الخبر الرسمي الذي وزعه الديوان الملكي.

اهتمام الأردن بتعجيل تنفيذ أنبوب نفط البصرة العقبة، له بعدان رئيسان لدى الأردن:

1. تأمين احتياجات الأردن النفطية، والغازية بأسعار تفضيلية، وتوفير كلفة الشحن، وتأمين 15 ألف وظيفة لأردنيين، فضلا عن رسوم مرور النفط عبر الأراضي الأردنية بقيمة تقدر بـ 3 مليارات دينار سنويا.. تساوي تقريبا ثلاثة أضعاف العجز السنوي في الموازنة الأردنية.

2. حين يتم تصدير النفط العراقي عبر ميناء العقبة، ومنه إلى قناة السويس، دون المرور بمضيق هرمز المسيطر عليه عسكريا من قبل إيران، ودون المرور أيضا بباب المندب، الذي يتجه الحوثيون للسيطرة عليه نيابة عن إيران، ولصالحها، فإن ذلك يساعد بغداد ـ إن قررت ـ على التخلص من ضغوطات إيرانية تهدف إلى إبقاء الهيمنة على قرارات بغداد السيادية.

مشروع أنبوب النفط ليس بالمشروع الإقتصادي ذو البعد السياسي الوحيد، المعلق بين البلدين.. فقد وقعه المالكي (آذار/مارس 2013 أثناء زيارة النسور لبغداد)، وجمده المالكي لاحقا اعتراضا على السياسات الأردنية.

هنالك أيضا مشروع سكة الحديد التي يفترض أن تربط بين البلدين، وقد ذكر به النسور في تصريحاته على هامش الزيارة.

وقد أكد الجانبان التزامهما بتنفيذ مشروع أنبوب النفط.

في ضوء ما لمسه الملك من حديث العبادي، شدد على مساندة الأردن للتحالف الدولي، وإعادة الاستقرار في العراق.

ويلاحظ هنا أمران:

1. تأكيد الملك ضمنا أن دعم الأردن هو في إطار التحالف الدولي.. وقد يعني ذلك أنه لن يقوم بعمل عسكري بري ضد ”داعش“، أو أنه لن يقوم به منفردا. وبطبيعة الحال فهو لن يفعل ذلك دون ضمانات بعدم ترك واشنطن له وحيدا في المعركة.

ومهم هنا التوقف عند تحدث النسور للعبادي عن أن الأردن لديه واحد من أفضل مراكز التدريب للإعداد الشرطي، وتذكيره بأنه سبق أن درب 63 ألف عنصر أمن عراقي، مبديا استعداد الأردن للتعاون ولمساعدة العراق الشقيق في تأمين احتياجاته التدريبية.

وبدوره وصف العبادي الأردن بأنه ”الجار الأقرب والسند والعمق للعراق“، معربا عن تقديره لوقوف المملكة بقيادة الملك إلى جانب أشقائه العراقيين في الظروف الصعبة التي يواجهها بلدهم.

وقد انتهت المباحثات إلى توافق على عقد اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين بأسرع وقت ممكن، على أن تتبعها اللجنة العليا بين البلدين التي سيتم عقدها في بغداد في الوقت الذي يناسب الجانب العراقي ”حتى لو كان ذلك غدا“، وفقا للنسور.