أول رئيس صيني يزور الإمارات منذ 29 عامًا.. لماذا اختارها كأول وجهة خارجية بعد إعادة انتخابه؟

أول رئيس صيني يزور الإمارات منذ 29 عامًا.. لماذا اختارها كأول وجهة خارجية بعد إعادة انتخابه؟

المصدر: إرم نيوز

بعد 6 سنوات من إطلاق الشراكة الاستراتيجية بين الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهي الأولى من نوعها بين بكين ودولة عربية، يبدو من الطبيعي في نظر المحللين أن يختار الرئيس الصيني ”شي جين بينغ“ دولة الإمارات لتكون أول بلد يزوره بعد إعادة انتخابه من قبل مجلس الشعب الصيني في مارس الماضي.

وهو بذلك أول رئيس صيني يزور الإمارات منذ 29 عامًا.

فالشراكة الاستراتيجية التي أُعلنت في أبوظبي عام 2012 أثناء زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك، ون جياباو، شملت رزمة ثرية التنوع في الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والابتكار والفضاء، وحققت للبلدين نتائج تراكمية أقنعت كليهما بمنطق وجدوى الانتقال بها إلى مرحلة جديدة وبسوية أعمق، يُنتظر إطلاقها في زيارة الرئيس بينغ للإمارات، يوم الخميس.

الثقة التي تصنع الأرقام

الكشوف الرقمية لما حققته الشراكة بين بكين وأبوظبي في مجالات التجارة والأعمال والطاقة والسياحة مشهودة، غير أن الأهمّ من الأرقام التي يمكن أن تتذبذب في أسواق دولية متغيرة، هو الثقة التي بُنيت عليها العلاقة الاستراتيجية بينهما، وضمنت لها الاستقرار وحرص الطرفين على التوسع بها، وهو ما كان ركزّ عليه ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد في ثلاث زيارات لبكين آخرها في ديسمبر 2015، وكانت كفيلة بأن تكتشف القيادة الصينية بأن ما بينها وبين الإمارات أكثر من التكامل في الحاجات التجارية والاستثمارية المتبادلة.

ففي هذه العلاقة شيء مما يسميه الرئيس الصيني شي بينغ بـ“بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية“، وهي رسالة فيها الكثير من ما تقول الإمارات إنه نهجها في السياسات الخارجية والرؤية التنموية، ومنها العلاقات التجارية.

مبادرة بينغ للشرق الأوسط يبدأ تنفيذها من الإمارات

زيارة الرئيس الصيني بينغ للإمارات تأتي بعد أيام من ترؤسه في بكين ”منتدى التعاون العربي الصيني“، حيث طرح فيه مبادرة مليارية للتعاون التنموي مع دول ومجتمعات الشرق الأوسط، حظيت بتأييد الوفد الوزاري الإماراتي الذي شارك في الندوة. وفي التقدير أن تلك المبادرة ستكون موضع بحث معمق خلال الأيام الثلاثة التي سيمضيها الرئيس بينغ في الإمارات.

خصوصية الصين كما يراها بن زايد

في رؤيته للخصوصية التي تتسم بها الشراكة الاستراتيجية بين الصين والإمارات، يرى الشيخ محمد بن زايد أنها تجسّد عدة حقائق، بينها أن ”الصين تمتلك دورًا محوريًا في استقرار المنطقة ومستقبلها الاقتصادي. فهي عملاق اقتصادي دولي ولها ثقل سياسي عالمي، ودورها مؤثر في الاقتصاد والسلام“. وفي ذلك قناعة إماراتية بأن العلاقة الخاصة مع الصين ليست على حساب، أو بديلًا، عن علاقات مع قوى دولية أو إقليمية أخرى.

وفي المقابل، فإن القيادة الصينية عبّرت في كل المناسبات المشتركة، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في نوفمبر 1984، عن قناعتها بخصوصية رسالة الاتحاد الإماراتي وموثوقية النهج الذي بُنيت عليه الدولة الإماراتية، وهي شواهد عاينتها الصين منذ زيارة الشيخ زايد لبكين في مايو 1990، وكانت الزيارة الأولى لرئيس دولة على مستوى الخليج، ثم في زيارات الشيخ محمد بن راشد للصين عام 2008، وتوالي زيارات الشيخ محمد بن زايد لها منذ 2009 وحتى 2015،. وكذلك زيارة الشيخ عبدالله بن زايد لبكين في مايو 2017.

علاقات منزهة عن الانحياز والتجيير السياسي

وفي هذا التواصل الذي يقابله ما يماثله من الزيارات الصينية للإمارات، تأكد للطرفين أنهما يتفقان بموثوقية متبادلة على علاقات مُنزّهة عن الانحياز أو التبعية أو التجيير السياسي. أوجه التشابه في الفلسفة والاقتصاد – سياسية للدولتين، هي أنهما يتكاملان في البحث المشترك عن فرص متوسعة ذات قيمة مضافة، وبشكل تراكمي شفاف، تترجمه الأرقام.

وهذا هو جوهر الثقة التي تأسس عليها عام 2015 صندوق مشترك للاستثمار ببرنامج عمل وخريطة طريق تضمنت حوالي ألف فرصة استثمارية، جرى فيها التركيز على محاور رئيسية في مجالات الطاقة والغاز والطيران والصناعات المتقدمة والتكنولوجيا، والتطوير العقاري والاستثمارات المالية.

سنوات الابتكار والخير والسعادة الإماراتية

خصوصية أخرى لم تعرفها الصين في الكثير من شراكاتها التجارية العالمية، وهي أن الإمارات تتشارك مع الصين في رؤى استراتيجية ذات مضامين إنسانية، تبدأ من القناعة بجدوى مشروع ”الحزام والطريق“ المعروف بالاسم الشائع ”طريق الحرير“، مرورًا بأنها جعلت الابتكار العلمي والتكنولوجي والذكاء الصناعي والريادة المؤسسية، ثوابت لخططها التنموية التي أدرجتها تحت عناوين سنوية تعتمد الخبرة والسعادة والشراكة والإنجاز والشرعية، كثقافة عامة ونهج في علاقاتها الدولية، وهو النهج الإماراتي الذي أسماه الرئيس الصيني بينغ بـ“مجتمع المصير الإنساني المشترك“.

ملامح النقلة الجديدة في الشراكة الاستراتيجية

الحصيلة الرقمية للسنوات الست الأولى من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، كما هي عشية وصول الرئيس بينغ إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، هي أن الإمارات تحتل موقع الشريك التجاري الشرق أوسطي الأول للصين، وموانئ الإمارات تُعيد تصدير 60% من التجارة الصينية للمنطقة، وفي الإمارات 4200 شركة وأربعة بنوك صينية كبرى و 100 رحلة جوية أسبوعية بين البلدين. وحجم التبادل التجاري بين الصين والإمارات يستهدف الآن 80 مليار دولار، بمعدل نمو بلغ 3000% منذ قيام العلاقات بين البلدين.

الصين بحاجة للموثوقية الإماراتية في البحر الأحمر والموانئ العالمية

حديث جهات الاختصاص عن استعداد الصين والإمارات للانتقال في شراكتهما الاستراتيجية إلى مرحلة جديدة متقدمة تدشنها زيارة الرئيس بينغ  يتكئ على نقطتين أساسيتين:

الأولى قناعة الطرفين بحاجة كل منهما للآخر في مرحلة تتسم فيها الأسواق والاقتصادات العالمية بالتوتر والتذبذب والتوجس والاستقطاب، وهي مقيدات تتجاوزها علاقات بكين وأبوظبي، سواء في مجالات الطاقة والغاز أو في مجالات الاستثمار والملاحة والفضاء.

والثانية، قناعة القيادة الصينية بصواب وجرأة النهج السياسي الإماراتي في محاربة الإرهاب وفي الاحتكام للشرعية، على مستوى المنطقة والعالم. وكذلك في مبادراته لتحصين مياه الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر من الاختراقات الإرهابية العلنية أو المموهّة التي يتولاها ثلاثي تركيا – إيران – قطر.

هذا فضلًا عن حصافة الرؤية المستقبلية في مواصلة واضطراد تجهيز مؤسسات وموانئ الإمارات لتبقى في مقدمة موانئ العالم بالجاهزية والكفاءة التي تجد فيها الصين كفاية وموثوقية للانتقال في الشراكة الاستراتيجية إلى مرحلة جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية، لتصل إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي وجنوب أفريقيا التي حظيت قبل أيام من دولة الإمارات العربية بعشرة مليارات دولار للاستثمار في مجالات السياحة والتعدين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com