تونس تقترب من إنهاء المرحلة الانتقالية

تونس تقترب من إنهاء المرحلة الانتقالية

حمام سوسة (تونس) – تملأ الموسيقى الصاخبة والاعلام البيضاء قاعة بمدينة حمام سوسة الساحلية حيث ينظم حزب المبادرة اجتماعا جماهيريا استعدادا لاختبار حظوظه في ثاني انتخابات برلمانية حرة في البلاد منذ الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي في 2011.

وقد يكون النسر شعار حزب المبادرة رمزا جديدا لكن عدة رموز من الماضي سيطرت على حملته في انتخابات يوم الأحد المقبل التي يطمح نظام بن علي في تسجيل عودتهم من خلالها بعد اقصاء استمر ثلاث سنوات.

وخلال اجتماع الحزب يقف ثلاثة من وزراء الرئيس السابق على خشبة المسرح في القاعة بمنتجع سوسة التي تعتبر معقلا لنظام بن علي وحتى الاغاني في القاعة هي نفسها التي كانت تردد في عهده.

ولا أحد يمكنه ان يمثل هذه العودة بوضوح أكثر من زعيم حزب المبادرة كمال مرجان وهو اخر وزير للخارجية لبن علي وأطلق حزبه سعيا لاستعادة موقع سياسي في البلاد.

وبدل ان تكون عنوان انتكاسة لانتفاضة تونس فان عودة رموز النظام السابق ينظر اليها ايضا على انها خطوة في الاتجاه الصحيح على عكس بلدان اخرى من دول “الربيع العربي” اختارت منهجا مغايرا.

وبعد اربع سنوات من الانتفاضة التي أطاحت بالديكتاتور بن علي وحاشيته وأجبرته على الفرار الى المملكة العربية السعودية فان انتخابات تونس هذا الاسبوع هي اخر الخطوات في طريق انتقال هش من الاستبداد للديمقراطية.

وبينما لاتزال لغة العنف والسلاح هي المسيطرة في بعض بلدان “الربيع العربي” مثل ليبيا واليمن تصالح سياسيو تونس مع الماضي وصادقوا على دستور جديد للبلاد واختار الخصوم التوافق لاخراج البلاد من أزمة سياسية.

وقال كمال مرجان لرويترز عقب التجمع الذي نظمه حزبه في سوسة “اذا كانت هناك فرصة لتشكيل حكومة وطنية فانا ادعمها تماما..ومثلما نرغب في ان لا يقصينا أحدا لا نريد اقصاء أحد”.

وستفضي انتخابات الاحد المقبل الى تشكيل برلمان جديد مكون من 217 نائبا وستفرز رئيسا جديدا للوزراء يخلف حكومة الكفاءات التي تقود البلاد حاليا. وستجري الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل.

ومنذ الثورة أصبحت المساومات لبناء التحالفات السمة الميزة للمشهد السياسي في تونس. وفي ظل توقع عدم فوز اي حزب بأغلبية واضحة عقب الانتخابات المقبلة يبدو تشكيل حكومة وحدة وطنية من أكثر الخيارات ترجيحا.

وقد يكون خيار حكومة وحدة وطنية من الخيارات التي تحتاجها تونس لانجاح انتقالها الهش. ويتعين على الحكومة المقبلة ان تخلق فرص عمل للشبان العاطلين والذين مازالوا ينتظرون جني ثمار الحرية والديمقراطية التي وهبتها اياهم الثورة.

ولكن هذه الديمقراطية الناشئة فتحت الباب أيضا لظهور جماعات اسلامية متشددة عانت كثيرا من قمع بن علي. ويمثل المقاتلون المتشددون اكبر تحد تواجهه تونس التي اصبحت من اكبر المصدرين للمقاتلين الى سوريا.

ويقول انتوني دوركين في تقرير للمجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية عن الانتخابات ان “ترسيخ ديمقراطية ناجحة في تونس قد يكون اشارة قوية الى ان الاصلاح السياسي والتعددية ليست محكومة بالفشل في العالم العربي دائما.”

*انتقال مهتز

وفي تونس توصل اثنان من اكثر الاحزاب اختلافا من الناحية الايديولوجية الى اتفاق حول مسائل ذات حساسية مثل دور الاسلام بعد جدل استمر وقتا طويلا.

ويواجه حزب نداء تونس الذي يقوده الباجي قائد السبسي وهو رئيس برلمان سابق اثناء حكم بن علي حركة النهضة الاسلامية التي فرت قياداتها الى اوروبا او سجنوا تحت حكم الديكتاتور السابق.

وفازت حركة النهضة بأغلب مقاعد المجلس التأسيسي في 2011 وكونت حكومة مع حزبين علمانين لكن اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية دفع بالبلاد للسقوط في اتون أسوأ ازمة سياسية.

وبعد أشهر من الاحتجاجات وعقب اطاحة الجيش المصري بالرئيس الاسلامي العام الماضي تخلت حركة النهضة عن الحكم لصالح حكومة كفاءات بعد اتفاق مع المعارضة العلمانية قاده اتحاد الشغل ذو التأثير القوي.

وأظهرت النهضة بشكل لافت انها أكثر مرونة وواقعية من الحركات الاسلامية في بلدان أخرى مثل مصر وليبيا وقبلت بعودة مسؤولي النظام السابق للسياسة بل رفضت مشروع قانون لعزلهم بعد ان منعوا من المشاركة في اول انتخابات حرة قبل ثلاث سنوات.

ويقول لطفي زيتون المستشار السياسي لرئيس النهضة “نحن لا نستطيع أن نفعل هذا بأنفسنا حتى إذا كان لدينا أغلبية..نحن بحاجة لجلب أكبر عدد ممكن من الأطراف الأخرى”.

ويحظى دستور تونس الجديد باشادة واسعة من الغرب وينظر اليه على انه من أكثر الدساتير الحداثية والتقدمية في المنطقة وانهى جدلا بشأن مسائل خلافية تتعلق بالدين والسياسة.

ويقول دبلوماسي غربي ان “تونس نجحت في ان تتميز عن بلدان المنطقة ورسمت لنفسها اتجاها واضحا لا يقصي احدا ويضم كل المكونات.”

*الوظائف وتكاليف المعيشة والأمن

وبينما سيطرت النقاشات حول دور الاسلام والهوية خلال اول انتخابات في تونس قبل ثلاث سنوات فما يشغل بال الناخبين التونسيين الان هو توفير فرص العمل وغلاء المعيشة وتوفير الامن.

وقد يصب حنين بعض التونسيين لأيام ما قبل الثورة من استقرار أمني واوضاع اقتصادية في مصلحة حركة نداء تونس وبعض الاحزاب التي يقودها مسؤولون عملوا مع بن علي ويقولون ان أيديهم ليست ملوثة بالفساد.

ويصور رموز النظام السابق او ما يعرفون باسم “فلول” أنفسهم على انهم يمتلكون المهارات والكفاءات اللازمة لمعالجة المشاكل الاقتصادية وتأمين المساعدة الدولية التي تحتاجها تونس لمكافحة المتشددين الاسلاميين.

وبعد خروجها من الحكم تسعى النهضة للبروز على انها تعلمت من اخطائها خلال فترة حكمها خصوصا بعد انتقادات معارضيها لادارتها للملفات الاقتصادية وموقفها المتساهل مع المتشددين في المرحلة الاولى من حكمها.

وقررت حركة النهضة التي يقودها راشد الغنوشي الذي قضى سنوات في منفى بلندن عدم تقديم مرشح لها للانتخابات الرئاسية المقبلة سعيا لما قالت انه دعم للتوافق الوطني وعدم رغبة في السيطرة على كل المنافسات.

وخلال حملة انتخابية بمنطقة الحرايرية بتونس العاصمة المكتظة بورشات اصلاح السيارات ومحلات البقالة كان رئيس الوزراء السابق والقيادي بحركة النهضة علي العريض وجها لوجه مع الحقائق الاقتصادية المؤلمة التي تواجه الطبقات الضعيفة.

وخلال جولته في المنطقة كان العريض وهو من الوجوه القوية في النهضة يتلقى طلبات لا تتوقف من شبان عاطلين يبحثون عن شغل ويريدون تحسين ظروفهم الاجتماعية.

وقال لطفي زيتون مستشار النهضة انه لا يمكنهم عمل ذلك بأنفسهم حتى لو كانت لديهم أغلبية. واضاف انهم يحتاجون الى ضم اكبر عدد ممكن من الاحزاب للعملية السياسية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع