بعد زوال خطر داعش.. مسيحيو لبنان يتطلعون إلى “دور أكبر”

بعد زوال خطر داعش.. مسيحيو لبنان يتطلعون إلى “دور أكبر”

شكّلت نهاية تنظيم داعش وهزيمته في العراق متنفسًّا لكلّ سكان المنطقة، لا سيما مسيحيي لبنان والشرق، الذين أدى الظهور العسكري للتنظيم بالعراق في يونيو عام 2014، وتمدّده إلى سوريا واحتلاله مناطق عدّة في جرود (ضواحي) السلسلة الشرقية للبنان، إلى بروز مخاوف كبرى لديهم.

وبعد هزيمة داعش وتحرير  بلدتي رأس بعلبك والقاع ذات الأغلبية المسيحية في جرود من عناصر التنظيم، في نهاية أغسطس الماضي، في عملية أطلق عليها “فجر الجرود”، يحاول المسيحيون لعب دور أكبر، ويأملون في عودة الدولة إلى لعب دورها على كافة الأصعدة، باعتبارها الضامن الوحيد لبقائهم في أرضهم.

ويوصف الدور المسيحي في لبنان بالمحوري، لا سيما دور أبناء الطائفة المارونية، الذين يشغلون أعلى المراكز في الدولة (رئيس الجمهورية، قائد الجيش، حاكم مصرف لبنان، عدد كبير من الوزراء والنواب وموظفي الفئة الأولى في الدولة).

دور إقليمي

يقول نائب البطريرك الماروني، المطران بولس صياح، إن “المسيحيين موجودون، ويلعبون دورهم ليس فقط في لبنان بل على صعيد المنطقة، وتمثل القمة الروحية التي عقدت في بكركي أكبر مثال على الدور المسيحي (أقيمت 14 ديسمبر الماضي)”.

وكان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي دعا إلى عقد قمة إسلامية مسيحية في مقره في بكركي (وسط غرب) من أجل توحيد الصوت في قضية القدس، ردًا على إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ديسمبر القدس عاصمةً لإسرائيل.

وأضاف صياح أن “مسيحيي لبنان سباقون إلى طرح مشكلات المنطقة، وأزماتها ومحاولة إيجاد حلول، وقد جمعت البطريركية المارونية كل الشخصيات الإسلامية والمسيحية من أجل طرح مسألة القدس، وهذا يدل على التلازم بين المسيحيين ومشكلات المنطقة”.

وتابع: “الإرهاب يضرب الجميع، ولن يخيفنا فهو لم يستثن أحدًا، ولا نقف عند مرحلة واحدة من الزمن بل إننا نتطلع إلى الأمام”.

واعتبر أن “أداء رئيس الجمهورية الماروني مميز باعتراف جميع قادة الدول، وظهر ذلك جليًا خلال أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وطرح مسألة القدس”.

وتظهر أهمية الحضور المسيحي في لبنان من خلال المشاركة في قمم إسلامية، حيث شارك الرئيس ميشال عون في القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي في 13 ديسمبر 2017 باسطنبول، التي خصصت لبحث تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وألقى عون كلمة مهمة عن القدس والقضية الفلسطينية.

وأثنى رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، خلال استقباله نظيره اللبناني سعد الحريري في 31 يناير الماضي على حضور عون، قائلًا: “كانت له كلمة مؤثرة جدًا، فشكرًا جزيلًا له مرة أخرى”.

وعانى المسيحيون في لبنان بعد توقيع اتفاق “الطائف” (وقع في السعودية عام 1989 وأنهى الحرب الأهلية) من إقصاء سياسي مارسه النظام السوري الذي كان موجودًا، حيث نُفي رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك، العماد ميشال عون، وسُجن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.

وعاد الزعماء المسيحيون إلى السلطة بعد الانسحاب السوري من لبنان في إبريل/نيسان 2005، وإطلاق سراح جعجع وعودة عون ليلعبوا دورًا في الحياة السياسية.

شكوى التهميش

وارتفعت الصرخات المسيحية المعترضة على تهميش دورهم السياسي، خصوصًا في بناء السلطة، وانتخاب النواب، حيث أعطى 64 نائبًا للمسيحيين و64 للمسلمين، غير أن اختلال الميزان الديموغرافي لصالح المسلمين، جعلهم ينتخبون معظم النواب المسيحيين.

وقالت مصادر سياسيّة إن الشكوى المسيحية بعد انتخاب عون رئيسًا، وإبرام التفاهم بين حزب “القوات”، و”التيار الوطني الحرّ” (أكبر قوتين مسيحيتين) قد انخفضت، لأن المسيحيين عادوا إلى الحكم، وبدأوا يحققون مطالبهم.

وأضافت المصادر أن الوجود المسيحي يرعاه رئيس الجمهورية المسيحي والكتل والأحزاب المسيحية، ولا شك أن اندحار الإرهاب أرسى الطمأنينة في نفوس المسيحيين.

وأوضحت أن “الدور السياسي الذي يطلع به المسيحيون كبير من خلال المؤسسات، من خلال حضور رئيس الجمهورية القمم الإقليمية والدولية والحديث باسم الدولة اللبنانية”.

تنسيق مع البابا

ويزور بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، مار يوسف الأوّل، الفاتيكان، السبت المقبل، ويلتقي البابا فرنسيس، ويطلعه على أوضاع مسيحيي الشرق، والملفات الكنسية.

ويرافق البطريرك الكاثوليكي، راعي أبرشية بعلبك (البقاع) للروم الملكيين الكاثوليك المطران إلياس رحّال.

وقال المطران رحال إن التنسيق بين الكنائس الشرقية والفاتيكان قائم، وسنبحث مع البابا كل الملفات، مشيرًا إلى أن خطر داعش قد زال، وأبناء منطقة الشريط الحدودي الشرقي يعيشون بأمان ومتمسكون بأرضهم.

واعتبر أنه “يتوجب على مسيحيي لبنان لعب دورهم الحقيقي، وأن يستعيدوا حقوقهم، فلا عودة إلى الوراء ولا تراجع عن الدور”، مضيفًا: “فنحن نصف البلد”.

ويبلغ عدد سكان لبنان نحو 5.4 مليون نسمة، ولا توجد أرقام حديثة بنسبة المسيحيين والمسلمين، وسط تقارير غير رسمية عن تراجع أعداد المسيحيين مؤخرًا نتيجة ارتفاع معدلات الهجرة.

وفي 27 يونيو 2016 شهدت بلدة القاع المسيحية على الحدود مع سوريا هجومًا شنه ثمانية انتحاريين من “داعش” في يوم واحد، أدى إلى مقتل 5 من أبنائها.