إسرائيل تعود للحرب بعد استنزاف التفاوض

إسرائيل تعود للحرب بعد استنزاف التفاوض

المصدر: إرم ـ ابراهيم حاج عبدي

لإسرائيل تاريخ طويل وحافل في التحايل والمراوغة والتهرب من استحقاقات التفاوض مع الجانب الفلسطيني، ولن تكون مفاوضات القاهرة هي المحطة الأخيرة التي أغرقتها تل أبيب بالتفاصيل، وأعطت ايحاء باستعدادها لتحقيق المطالب الفلسطينية، بينما كانت نواياها تذهب في اتجاه آخر.

آمال كاذبة!

وأثبتت الساعات القليلة التي أعقبت تعثر المفاوضات، إن إسرائيل هي المسؤولة عما آلت اليه اجتماعات القاهرة، فهي كانت تسعى إطالة أمد التفاوض بغرض التهيئة لاستئناف العدوان، واستبدال ارادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني بأوهام وآمال كاذبة في الاستقرار وإعادة الاعمار في قطاع غزة.

وثمة دلائل كثيرة على مسؤولية إسرائيل في إفشال جهود التهدئة، لعل ابرزها محاولتها اغتيال أحد أبرز قادة المقاومة الفلسطينية، وهو محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

ورغم ان الضيف قد نجا من محاولة الاغتيال بينما استشهدت زوجته وابنه، لكن ذلك لا يغير من حقيقة النوايا المبيتة لاسرائيل التي ارادت ان تغادر طاولة المفاوضات لتصعد في الميدان.

ويقول مراقبون إن إسرائيل اختلقت قصة ”خرق الفصائل الفلسطينية للهدنة، بغرض محاولة تحقيق انتصار معنوي، يتمثل بمحاولة اغتيال القائد العام لكتائب القسام“.

ويضيف المراقبون أن ”بنيامين نتنياهو حصل على معلومة استخباراتية متعلقة بالقائد العام لكتائب القسام فوجدها فرصة لتحقيق انتصار معنوي يرفع فيه من شعبيته المنهارة داخل المجتمع الإسرائيلي، ثم يتبع ذلك بالتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن من موقع اقوى“.

ضيف يقلق إسرائيل

ومحمد الضيف، الذي قام على مدى أكثر من عشرين عاما، كما يقول الجيش الاسرائيلي، بالتخطيط لعمليات كبرى ضد اسرائيل، أصبح قائدا لكتائب القسام في 2002 بعد استشهاد القائد السابق صلاح شحادة في غارة اسرائيلية.

وهو يحمل شهادة بكالوريوس في علم الاحياء من الجامعة الاسلامية في غزة وتبنى فكر المقاومة في بداية الثمانينيات.

وتعرض الضيف لخمس محاولات اغتيال نجا منها، ولا يوجد له سوى صورة التقطت قبل عشرين عاما يظهر فيها وجهه عابسا ونحيفا وغير ملتح.

ويقول مقربون من الضيف إنه لا يستخدم ايا من وسائل التكنولوجيا الحديثة، ويحيط نفسه بسرية لا مثيل لها ودائم الحذر ولديه سرعة بديهة غير عادية وذكي جدا“، وهو شاب خجول ومؤدب دمث الخلق، صوته دائما منخفض، هادئ بطبيعته ومتواضع ويحب القراءة والعمل الخيري ومولع بالعمل العسكري منذ أن كان مراهقا“.

ولد الضيف واسمه الحقيقي محمد دياب المصري في 1965 في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة. وسمي بالضيف لانه ”لا يستقر في أي مكان أصلا“.

ويقول موقع الجيش الاسرائيلي إن الضيف تولى دور ”مهندس كتائب عز الدين القسام“ بعيد اغتيال يحيى عياش.

حيلة إسرائيلية

وتفيد مصادر فلسطينية ان مفاوضات القاهرة حققت، بالفعل، تقدما، لكن الوفد الفلسطيني فوجئ بحيلة إسرائيلية، في اللحظات الأخيرة، تمثلت بتصعيد اللهجة الرافضة للاتفاق، ثم استعادت وفدها من القاهرة وشرعت في القصف بعدما زعمت ان الفلسطينيين خرقوا التهدئة.

وما يدحض مثل هذا الزعم الإسرائيلي هو ان المقاومة الفلسطينية حينما تطلق صواريخ باتجاه اسرائيل، فانها تتباهى بذلك وتعلن عن تفاصيلها بدقة، لكن في هذه المرة أعلنت، وخلافا لمزاج المقاومة، عن عدم علمها باطلاق أي صواريخ تجاه إسرائيل، مشيرة إلى أن إسرائيل تبحث عن ”ذرائع“ لمواصلة عدوانها على غزة، وهو ما يثير الشكوك حول الرواية الإسرائيلية.

الخشية من وفد فلسطيني موحد

علاوة على ما سبق، فإن إسرائيل لم تشأ أن توقع اتفاقا مع وفد فلسطيني موحد يضم أعضاء من فتح والسلطة الوطنية الفلسطنية إلى جانب ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية بينها حماس، ذلك ان الدولة العبرية تدرك ان توقيع اتفاق مع وفد يضم مختلف الطيف السياسي الفلسطيني، سيقوي موقع المفاوض الفلسطيني لاحقا في مفاوضات السلام التي تعثرت بدورها بعد عدة جولات.

ومن المعروف ان القضية الفلسطينية لا تختزل في رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر والسماح بالصيد في مياه شواطئ غزة، فثمة قضايا الحل النهائي التي تشمل اللاجئين والقدس والمستوطنات وسواها من القضايا التي تشكل جوهر الحقوق الفلسطينية المشروعة، وعندما توقع إسرائيل اتقاقا مع وفد فلسطيني موحد فانها تعلم بان ذلك يقوي الموقف الفلسطيني، وهو ما لا تريده إسرائيل.

وما أربك موقف المفاوض الإسرائيلي في القاهرة هو انه جاء الى طاولة التفاوض، فيما تفوح من أوراقه رائحة دماء أطفال غزة، وشعر الوفد الإسرائيلي بانه يحاور تحت ضغط صور النعوش والضحايا الذين سقطوا في غزة، فليس سهلا أن تفرض شروطا وانت مسؤول عن قتل نحو ألفي شخص، ويبدو أن هذا التصور هو كان لسال حال المفاوض الإسرائيلي الذي فضل الانسحاب على اتفاق للتهدئة.

وليس جديدا إذا قلنا إن إسرائيل لا تريد لقطاع غزة الاستقرار والهدوء والتنمية، بل تعمل لابقائه كانتونا معزولا، مهمشا، وتعمل كذلك لشق الصف الفلسطيني، وتوسيع الهوة بين الضفة والقطاع، وكل ذلك عقابا لاهل غزة الذين وقفوا الى جانب المقاومة، ولم يساوموا على حقوقهم المشروعة.

إسرائيل تفاوض ويدها على الزناد

وثمة سؤال يطرح نفسه، هنا، وهو لماذا ذهبت إسرائيل الى القاهرة إذا؟

من يستعيد جانبا من تاريخ الدولة العبرية، سيجد الجواب سريعا، ذلك أن تل أبيب التي تاجرت بدماء ضحايا الهولوكست النازي لسبعة عقود، لن تتردد مطلقا في استثمار فرصة المفاوضات كي تظهر نفسها أمام العالم على أنها دولة مرنة في مواقفها، وتريد الحوار وتنبذ القتل.

وفقا لهذا الفهم، فان إسرائيل أوحت بانها جادة في التفاوض حول المطالب الفلسطينية، ونجحت في خلق بروباغندا دعائية حول رغبتها في تثبيت تهدئة دائمة، لكنها تنصلت في اللحظة الحاسمة، لتعيد كل شيء الى نقطة الصفر، ولتبدأ في حرب جديدة، وهي اللغة الوحيدة التي تتقنها تل أبيب رغم كل مزاعمها وادعاءاتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com