المالكي يخرج من المسرح وينتظر في الكواليس

المالكي يخرج من المسرح وينتظر في الكواليس

المصدر: إرم ـ ابراهيم حاج عبدي

لم يكن أمام نوري المالكي من خيار سوى الاذعان، فالرجل الذي شغل أرفع منصب سياسي في العراق لولايتين متتاليتين، بعد سنوات المنفى الطويلة، رضخ أخيرا ورفع الراية البيضاء، معربا عن دعمه لخلفه حيدر العبادي، ومتنازلا عن الدعوى التي اقامها أمام المحكمة الاتحادية للطعن في عدم تكليفه برئاسة الحكومة الجديدة.

هزيمة بنكهة الانتصار

المالكي، الحائز على شهادة كلية أصول الدين في بغداد، والذي اتقن الدبلوماسية خلال ثماني سنوات في الحكم، أراد ان يستثمر هزيمته السياسية على نحو استعراضي، في محاولة لتحويل التنازل المؤلم إلى لحظة تخدم مستقبله السياسي، فقد ظهر برفقة خلفه العبادي محاطا بحشد من الوجوه السياسية العراقية البارزة، معلنا بانه سيكون ”داعما وعضدا“ لخلفه، قائلا بصيغة الجمع ”إننا زعماء للعملية السياسية“، قبل أن يؤكد عدم تشبثه بالسلطة.

وبدا هذا المشهد كافيا كي يوصل المالكي (1950) رسالة لمؤيديه بان حضوره السياسي لن يخبو بمجرد انتهائه من رئاسة الحكومة، وان ما جرى وإنْ مثل تقليصا لدوره وصلاحياته، غير ان ذلك لن يقلل من مكانته بوصفه قائدا لاكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب، وأن خروجه من المسرح السياسي إنما يعتبر محطة كي ينشط في الكواليس، ناهيك عن ان خلفه حيدر العبادي هو رفيقه في حزب الدعوة ذاته، وسيشكل هذا التنحي اختبارا لقدراته في قيادة العراق في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة.

ولعل ما لم يفصح عنه المالكي في خطاب التنحي هو ما رغب في ايصاله لمؤيديه الذين سيلتقطون الإشارات الخفية لكلامه، وسيشيدون بخصاله عندما يفشل خلفه العبادي في جلب الأمن والرخاء للبلاد.

الدواء الذي تحول إلى داء

حين سقط نظام صدام حسين وجاء المالكي إلى الحكم، استبشر العراقيون خيرا بولادة ديمقراطية ناشئة سوف تنقلهم من عهود الطغيان إلى آفاق الحرية. لكن، لم يمر وقت طويل حتى ثبت خطأ هذا الاعتقاد، فقد نسي المالكي سنوات النضال وآلام المنفى وسرعان ما ظهرت لديه نوازع سياسية وصفها خصومه بـ ”الانتهازية“، ولا سيما في ولايته الثانية، وكأنه راح يعيد انتاج الاستبداد لكن بصيغ أكثر تلطيفا.

لم ينجح المالكي في شيء مثلما نجح في صنع الخصومات والعدوات، فقد شكا الأكراد والسنة من سياسته الاقصائية حيث ربط غالبية السلطات والمسؤوليات بشخصه، وحارب طموح الأكراد في نهضة اقليمهم، وأصدر قرارات باجتثاث حزب البعث دون تمييز، وأصبح الآمر الناهي في كل كبيرة وصغيرة.

وفي موازة هذا التسلط السياسي، عاش العراقيون حالة حرمان من أبسط الخدمات كالكهرباء، رغم أن بلادهم تعوم على بحر من النفط، ومن موارد الماء النظيفة، فضلا عن قصور في مجال التعليم والصحة والنواحي الخدمية الكثيرة، فقد عاش المالكي في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد، بينما عاش السواد الأعظم من الشعب العراقي على أصوات الانفجارات والخراب ورائحة النعوش، ووسط معاناة معيشية قاسية.

وعلى مستوى السياسة الخارجية أثبت المالكي بانه تلميذ نجيب لإيران، فكان يصغي لتعليمات المرشد الإيراني الأعلى خامنئي الذي شكل بالنسبة له المرجعية الأولى، متجاهلا هوية العراق، وعمقه العربي، ولعل هذا ما دفع الى خلق توتر في العلاقة مع مختلف البلاد العربية وخصوصا بلدان الخليج.

ويقول منتقدوه، من باب التندر، إن كرسيه كان في بغداد بينما كان عقله يعمل وفقا لاملاءات آتية من قم وطهران.

ملفات شائكة

لا شك أن تنازل المالكي، الذي قاد البلاد بعقلية الفرد، يطرح أسئلة عدة حول مصير الميليشيات المسلحة الموالية له، وكذلك القوى السياسية التي ساندته، ومصير التحالفات التي أسسها، فقد عمل خلال سنوات على بناء شبكة واسعة في صفوف قوى الامن، ولديه رجال في الاستخبارات، وهؤلاء ليسوا مخلصين للعراق بقدر اخلاصهم للمالكي الذي أوصلهم الى تلك المناصب والوظائف، ومنحهم امتيازات لا تحصى.

على ضوء هذه الحقيقة، يرى مراقبون ان المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، ومفروشة بالورود، بالنسبة للعبادي الذي سيغرق في ملفات داخلية شائكة، وأولى هذه المهمات هي كيفية مواجهة تنظيم داعش الذي يسيطر على مناطق واسعة شمال العراق في ظل غياب اية استراتيجية حول كيفية مواجهة هذا التنظيم والقوة المطلوبة لردعها.

ويأتي في المقام الثاني الموقف من الأكراد الذين خاضوا معارك صاخبة مع المالكي سواء في ما يتعلق بالنفط او برواتب موظفي الاقليم او بخصوص المادة 140 حول كركوك، وكل ذلك دفع رئيس الاقليم مسعود بارزاني الى الإعلان عن نيته في تنظيم استفتاء حول استقلال الاقليم، ويضاف الى ذلك كيفية التصدي للواقع الخدمي والتعليمي والصحي ومشكلة البطالة.

ترميم العلاقات الإقليمية

وفي حين اثبت المالكي بانه صنيعة للمصالح والتحالفات الاقليمية، على صعيد السياسية الخارجية، فان على العبادي ان يبرهن على قدرته في صوغ سياسة اقليمية تحفظ للعراق مصالحه وتطلعاته، ورغم الترحيب العربي والاقليمي والدولي الذي رافق الإعلان عن تكليفه بتشكيل الحكومة، إلا أن ذلك لن يعفيه من العمل بحرص مع شركائه في العملية السياسية بحيث ينقل العراق من بلد تتجاذبه عواصف الإقليم، الى بلد يلعب دورا في استقرار الاقليم وفقا لمصالح وطنية وبما يحقق أشواق العراقيين نحو الامن والاستقرار.

ان ما يسجل لصالح العبادي، الذي أكمل دراساته العليا في بريطانيا، هو الاتفاق الايراني السعودي النادر حول اختياره لرئاسة الحكومة، ومن المعروف ان المالكي استطاع ان يوسع هوة الخلاف الى ابعد مدى بين طهران والرياض على خلفية الموقف من ملفات عدة منها الملف السوري واللبناني واليمني والبحريني وغيرها. وفي ظل هذه الخارطة المعقدة يبرز سؤال حول مدى قدرة العبادي على ترميم علاقات بلاده بمحيطه العربي والاقليمي، وهل سيتمكن من تحقيق معادلة يحتفظ فيها بعلاقة جيدة مع السعودية ودول الخليج من جهة، وكذلك الاستمرار في علاقة مماثلة مع الجارة إيران، من جهة ثانية.

ويشيد المقربون من العبادي بشخصيته، فهو يتقبل الآخر ومريح في التعامل، وهو أيضا من الشخصيات التي تستطيع أن تخالفها في الرأي دون الحاجة إلى الحذر، وهو ما قد يسهل مهمة وزير الاتصالات السابق في عقد صلات بين مختلف الفرقاء العراقيين، لكن على المهندس الكهربائي ان يبتعد عن سياسة سلفه المالكي ”الاقصائية“، حتى يتمكن من إضاءة ليل العراق الطويل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com