مستقبل حركات التشدد ”السنية“ في العراق

مستقبل حركات التشدد ”السنية“ في العراق

المصدر: إرم - من مروان شحادة

تسارعت الأحداث في العراق بشكل دراماتيكي، عقب سيطرة مسلحين سنة في مقدمتهم ”داعش“ على الموصل في العاشر من حزيران/ يونيو الحالي، وتوجت بإعلان“الخلافة“ على لسان الناطق الرسمي باسم ”الدولة الإسلامية في العراق والشام“، أبو محمد العدناني في الإصدار الصوتي الذي جاء تحت عنوان ”هذا وعد الله“، والصادر عن مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي.

وقد كشف إعلان العدناني عن الاسم الحقيقي لأمير “ داعش“، أبو بكر البغدادي وهو: إبراهيم بن عواد بن علي بن محمد البدري القرشي الهاشمي نسباً، السامرائي مولداً، والبغدادي سكناً وعلماً، بحسب البيان الصوتي.

في الطرف الآخر المقابل للمليشيات والتنظيمات والأحزاب ”الشيعية“ في المشهد العراقي، تشكلت جماعات متشددة وضعت على رأس أولوياتها الصراع الذي يستند إلى الهوية ”الطائفية ”، وتعلل ذلك للحفاظ على وجودها أيضاً للوقوف في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدف كيانها وتدافع عن الإقصاء والتهميش الذي تمارسه السلطة في كل من العراق وسوريا، وتصدرت الجماعات التي تنتمي إلى “ السلفية الجهادية “ قائمة هذه التنظيمات، وأشهرها تنظيمي “ الدولة الإسلامية في العراق والشام “ التي عرفت إعلامياً بـ “ داعش“، و“ جبهة النصرة لأهل الشام“ ناهيك عن مئات الفصائل والجماعات الإسلامية التي تؤيد هذا التوجه ودخلت في تلك التشكيلات بشكل مباشر وغير مباشر.

تعتبر “ داعش“ الامتداد الأخير الذي تشكل عقب سلسلة من التطورات التنظيمية داخل العراق وانتقل إلى سوريا، حيث بدأت نواته مع تشكيل الزرقاوي لجماعة “ التوحيد والجهاد“، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ثم الإعلان عن مبايعته للقاعدة عام 2004 وتحول اسم الجماعة لتصبح “ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين“، وقبل مقتل الزرقاوي تم تأسيس “ مجلس شورى المجاهدين“ بزعامة عبد الله رشيد بغدادي عام 2006، والذي ضم آنذاك أكثر من سبع فصائل وتنظيمات وجماعات إسلامية مسلحة، وكان هذا المجلس بمثابة نواة لتشكل “ الدولة الإسلامية في العراق“ بزعامة أبو عمر البغدادي – حامد داود الزاوي-.

في عام 2010 قتل أبو عمر البغدادي برفقة وزير حربه المصري “ أبو حمزة المهاجر“، وتولى المدعو “ أبو بكر البغدادي“، ويعتقد بأنه ابو دعاء “ إبراهيم عواد البدري“، زعامة “ دولة العراق الإسلامية“.

عام 2012، تأسست “ جبهة النصرة لأهل الشام“ بزعامة المدعو “ أبو محمد الفاتح الجولاني“، بدعم مباشر بالرجال والمال والعتاد والسلاح من “ دولة العراق الإسلامية“، وبدأ اسمها يتصدر الأخبار الخاصة بالأزمة السورية بفعل الاستراتيجية القتالية التي انتهجتها وسلوكها في التعامل مع البيئة الشعبية الحاضنة، وحققت تقدما ملحوظاً في الميدان.

وبعد مرور عام على تأسيس “ الجبهة“، التي ذاع صيتها كأحد الفصائل الرئيسية والأكثر فتكاً بالنظام في الثورة السورية، بدأت تتكشف ملامح خلافات حادة بين “ الدولة “ و “ الجبهة ”، وقام أبو بكر البغدادي بتاريخ 15 حزيران 2013 بالإعلان عن تأسيس إطار جديد للعمل التنظيمي والعسكري تحت مسمى “ الدولة الإسلامية في العراق والشام“، عبر رسالته الصوتية الصادرة عن مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي تحت عنوان “ باقية في العراق والشام“، ودعا فيها “ الجولاني “ للانخراط ومبايعة هذا التشكيل الجديد.

ودلالة هذه التسمية – الدولة الإسلامية في العراق والشام- في منظور الأيديولوجيا السلفية الجهادية أن مفهومي جند الشام والطائفة المنصورة حاضرين في الخطاب السلفي الجهادي بقوة، حيث تمثل بلاد الشام أرض المعركة الفاصلة بين الإيمان والكفر أو الحق والباطل، وأن القائمين على حمل راية الحق في منظور “ الجهاديين“ هم المنتمين للطائفة المنصورة.

للمرة الأولى تطفو الخلافات داخل الفضاء الايديولوجي للسلفية الجهادية على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، فجاء الخلاف بين “ الدولة “ و“ الجبهة “ بعد مبايعة الجولاني للظواهري، ليعبر عما هو كامن من اختلافات بين القيادة المركزية والفروع المنتشرة في العالم، وغلب عليها تأويلات فقهية تتعلق بالسلطة الأعلى – أهي إمارة عامة أو إمارة حرب – من جانب، وبأولويات واستراتيجيات العمل من جانب آخر، وحشد كل طرف مفكريه ومنظريه للدفاع عن توجهاته.

وقد وضعت الاستراتيجية الرئيسية لتنظيم القاعدة على رأس أولوياتها منذ الإعلان عن تأسيس “ الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين“ عام 1998، قتال الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، على اعتبار أنها داعمة للنظم السياسية العربية المستبدة، وراعية لحليفتها الاستراتيجية “ إسرائيل“ المغتصبة لفلسطين، وفي الوقت ذاته تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة.

وفي المقابل، تقوم استراتيجية “ الدولة الإسلامية في العراق والشام“ على أولوية مواجهة النفوذ والتوسع الإيراني في المنطقة ومحاربة ”المشروع الصفوي“ كما تصفه، وخصوصا بعد رحيل القوات الأمريكية عن العراق.

ويعني ذلك، أن سلوك الفرع العراقي يستند إلى الأساس الهوياتي في استراتيجيته وحركته، بينما المحرك لسلوك القيادة المركزية للقاعدة هو المصلحة الجيوسياسية، أما تمكين الشريعة فهو الهدف المشترك للطرفين، إلا أن توقيت الإعلان عن قيام الدولة في العراق فجر خلافات تم تجاوزها آنذاك نظرا للظروف الموضوعية والأسباب العملية، وساهم وجود بن لادن على رأس التنظيم بما يمتلكه من كاريزما واحترام على تدبير الاختلاف والتعايش الحذر.

على ما يبدو فإن “ داعش “ قررت المضي في تطبيق استراتيجيتها والالتزام ببرنامج عملها في العراق والشام، دون الاكتراث بمخرجات تشددها، مستندة في سلوكها إلى شرعية ولايتها العامة باعتبار أن زعيمها هو “ أمير المؤمنين“، في محاولة منها لنقل “ الدولة “ أو “ الخلافة “ من العالم الإفتراضي إلى الواقعي من خلال استخدام خيار القوة والمنعة واستثمار اللحظة التاريخية للمناطق التي تشهد حالة من الفوضى والانهيار للنظم القائمة، واعطت لنفسها ذريعة عداء الآخر وإعلان الحرب على جميع من يرفض مبايعة أميرها البغدادي بذريعة الإمام المتغلب بالقوة، بما في ذلك التمرد على القاعدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com