تركيا من “تصفير الأزمات” إلى افتعالها

تركيا من “تصفير الأزمات” إلى افتعالها

تاج الدين عبد الحق

قبل سنوات كان شعار تصفير الأزمات مع دول الجوار، هو الشعار الأثير للأردوغانية. وتحت هذا الشعار وجدت التجربة السياسية التركية طريقها للمنطقة مبشرة بعهد من الوفاق والوئام، الذي حاولت فيه أنقرة أن تطوي خلافات سياسية وأمنية مزمنة، من جنس الخلاف السوري التركي، والخلاف التركي الكردي، لا مع الأكراد في المناطق الحدوديه المجاورة، بل مع أكراد تركيا نفسها أيضا.

لم تكن الخلافات بين تركيا ومصر، في ذلك الوقت، على أجندة أحد، بل أن هناك من نظر إلى أنقرة والقاهرة على أنهما الحصان الرابح في الجهود الإقليمية الرامية لإعادة رسم الأدوار، وصياغة أسس جديدة للاستقرار في المنطقة، وأن شراكتهما، هي حجر الزاوية لاستعادة التوازن الإقليمي، والذي اختل إما بسبب النزعة العدوانية الإسرائيلية، أو بسبب الطموحات الإيرانية.

في البداية، لعب أردوغان على الوتر الفلسطيني الحساس، بسلسلة من المواقف الاستعراضية، التي كان أشهرها وأكثرها وقعا المناظرة الشهيرة في دافوس مع الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز، وكان ختامها الخطابات الملتهبة التي ألقاها على وقع القرصنة الإسرائيلية في المتوسط والتي استهدفت سفينة “الحرية” التركية.

كان الانفتاح التركي على المنطقة لا يشي بطموحات سياسية، بقدر ما يعكس رغبة في اقتناص فرص اقتصادية واستثمارية تعوض بها تركيا الفرص التي قد تفقدها جراء تمنع أوروبا وتصلبها في فرض الشروط على انضمامها للاتحاد الأوروبي.

وكان التجاوب العربي مع هذا الانفتاح، واضحا، لا على المستوى الرسمي فقط، بل على المستوى الشعبي، حيث أصبحت تركيا، القريبة، بديلا مفضلا لسياحة العرب واستثماراتهم العقارية وشراكاتهم التجارية.

ومع أن بعض الأصوات حذرت من الطابع السياسي لطموحات تركيا ومن النزعة العثمانية في الطرح التركي، إلا ان إيقاع التعاون في ذلك الوقت كان أسرع، وأوقع من تلك الأصوات التي ظنها البعض نغمات نشاز في سيمفونية التعاون المتنامي بين الجانبين، فقد كانت الشراكة الاقتصادية مع أنقرة واعدة، خاصة في ضوء التحولات التي حققها الاقتصاد التركي، وفي ضوء حالة الاستقرار السياسي النسبي الذي تمتعت به في السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية.

فجأة، تبدل االحال وانقلبت الأحوال، إذ دخلت تركيا في خلافات من كل نوع: في الداخل اندلعت التظاهرات، واضطرب الأمن للدرجة التي فقد فيها حزب أردوغان الأغلبية فاضطر إلى الدخول في جولة انتخابات جديدة وضعت أردوغان وحزبه على سطح صفيح ساخن عدة شهور.

تراجعت أنقره عن برنامج الوئام مع الأكراد، وتوقف الحوار مع حزب العمال الكردستاني، لترجع دوامة الإقتتال من جديد، لا في الداخل التركي فحسب، بل عبر الحدود أيضا.

دخلت أنقرة على خط ما يعرف بـ “الربيع العربي”، عندما استشعرت تقدم جماعة الإخوان في السباق إلى السلطة، فقدمت نفسها لا كنموذج إسلامي يحتذى، بل كقاطرة إقليمية تقود. لكن بمجرد أن دالت دولة الأخوان في مصر، تحولت إلى قاعدة حزبية وإعلامية لهم، في فضاء تتردد فيه أصداء أصوات كثيرة تدعو لمحاربتهم ولا تتوقف عن التنديد بهم.

وجدت نفسها منخرطة حتى النخاع في الصراع السوري بعد أن أصبحت معبرا أو مقرا لجماعات وتنظيمات جعلت من القتال في سوريا عنوانا للمعارضة ومظلة لممارسة أشكال غير مسبوقة من الإرهاب.

جعلت من الحدود المستباحة بينها وبين سوريا، قنوات لتدفق مئات الآلاف من اللاجئين لأوروبا، فاتحة الباب أمام أزمة عالمية بتداعيات أمنية، وإنسانية خطيرة، ومؤلمة.

لعبت دورا ملتبسا في مواجهة تنظيم داعش، حيث اعتبرها البعض حليفا في الحرب على الإرهاب، فيما كل الشواهد والدلائل تشير إلى أنها كانت في الضفة الأخرى، تقدم تسهيلات له حينا، وتغض الطرف عنه أحيانا.

أربكها التدخل الروسي في سوريا، فتصيدت الفرصة للنيل منه، وحاولت استدراج موسكو لمواجهة مع الناتو، فكانت حادثة إسقاط طائرة السوخوي التي أرادت تركيا أن لا تكون شرارة لخلاف بينها وبين روسيا فحسب، بل بداية لمواجهة تضع روسيا أمام الناتو، وعنصر ضغط دولي لإخراجها من سوريا، إلا أن خطأ الحسابات أحرجت حلف الناتو، ولم تغير من سلوكه، وظل مترددا، بين سندان بنود ونصوص التحالف مع تركيا، ومطرقة الحاجة للتحالف المؤقت، وغير المكتوب مع روسيا في الحرب على الإرهاب.

هذه التحولات لم تقوض أحلام أنقرة، التي كانت تتطلع لإستعادة المجد العثماني القديم فحسب، بل جعلت دورها في مهب ريح عاتية لم يعد بمقدور تركيا مواجهتها، وباتت ملزمة في الانحناء لها، كما فعلت عندما حاولت أن تجد طريقة اعتذار لموسكو لا تريق فيها ماء وجهها ولا تفقدها البقية الباقية من تأثيرها في الإقليم، أو مصداقيتها مع الحلفاء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع