حرائق الغابات تهدد ”لبنان الأخضر“

حرائق الغابات تهدد ”لبنان الأخضر“

بيروت- ”لبنان الأخضر“.. اسم يطلقه كثيرون على لبنان، نظراً للطبيعة الخضراء والثروة الحرجية الغنية في جباله وسهوله، إلا أن التسمية باتت مهددة بالتغيير، في ظل الحرائق الكارثية التي يتعرض لها البلد عاماً تلو العام.

وتشكل حرائق الغابات في لبنان مشكلة معقدة ومستعصية، لا يزال خطرها محدقا بغاباته، ونظامه البيئي، رغم كل الجهود المبذولة بهذا المجال، حيث تشير التقارير -بحسب الاستراتيجية الوطنية لمكافحة حرائق الغابات- إلى ازدياد الحرائق وارتفاع حدتها، ما يؤثر سلباً على نمو الأشجار واستمراريتها، وعلى الحياة البرية، فضلاً عن القيم البيئية والجمالية والثقافية والاقتصادية والسياحية للغابات، ما يؤدي إلى خسائر فادحة في كل المجالات.

وقالت الاستراتيجية الوطنية عام 2009، إن حرائق كارثية قضت على أكثر من أربعة آلاف هكتار من الغابات والأحراج عام 2007.

ويقول هشام سلمان، مدير برنامج الحفاظ على الطبيعة في ”جمعية الثروة الحرجية والتنمية“، التي تأسست عام 1992، وتعنى بالحفاظ على المساحات الخضراء في لبنان، إن ”موسم الحرائق بدأ في لبنان مع ارتفاع درجات الحرارة والتغير المناخي، وتدني نسبة الرطوبة، وبالتالي لا بد من دق ناقوس الخطر وتحرك كل المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة، لإنقاذ ما تبقى من الأشجار والغابات“.

ويضيف سلمان في تصريح صحافي أن ”موسم الحرائق بدأ باكرا هذا العام، فمنذ نيسان/ أبريل الماضي، والبلاد تشهد حرائق متتالية في أكثر من منطقة، وذلك يعود إلى تغير المناخ، وموجات الحر الشديد المصحوبة برطوبة منخفضة، إضافة إلى أزمة النفايات العشوائية بمحاذاة الأحراج، وهذا ما أدى إلى ارتفاع نسبة الحرائق (زادت بحوالي 20% عن العام الماضي)“.

ويتابع ”هي مشكلة قديمة جديدة نخسر كل عام ما يقارب 1400 إلى 1500 هكتار من المساحات الحرجية، مع الإشارة إلى أن مساحة لبنان الخضراء بلغت 13,5% فقط عام 2006، بعد أن كانت تغطي أكثر من 35% من مساحته الإجمالية، في الأعوام 1960 -1965، وهي اليوم آخذة بالتناقص بسبب استمرار الحرائق والتوسع العمراني“، وفقاً لقوله.

وحول كيفية اندلاع الحريق، يجيب سلمان أن ”ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ارتفاع حرارة الوقود (الأعشاب اليابسة الموجودة في الغابات) وتجفيفه، فيصبح سريع الاشتعال كالغاز“، مشيراً إلى أن ”تلك الظاهرة تتكرر وترتفع حدتها في آب/ أغسطس من كل عام، لتصبح نتائجها كارثية في أيلول/ سبتمبر، وتشرين الأول/ أكتوبر، بفعل الرياح الخماسينية التي تضرب لبنان، والمصحوبة بهواء ساخن ورطوبة منخفضة“.

ولفت إلى ”أن مناطق عدة في حوض البحر المتوسط معرضة لحرائق كارثية، وها هو لبنان يخسر كل عام آلاف الهكتارات من مساحاته الخضراء، وخصوصا في منطقة السلسلة الغربية لجباله، حيث أن 80% من المناطق المتواجدة فيها معرضة للحرائق بنسب متفاوتة“.

ويعتبر سلمان ”الإنسان هو المسبب الأساسي للحرائق، (بقصد أو بغير قصد)، حيث أن بعض المزارعين وبهدف تنظيف مساحاتهم الزراعية، يعمدون إلى تجميع الأقشاش والأعشاب اليابسة وإضرام النار فيها، وغالباً ما يفقدون السيطرة على النيران التي تمتد إلى مساحات واسعة من الأحراج والغابات، ما يتسبب بكوارث حقيقية، علما أن القانون اللبناني يمنع منعا باتا إضرام النار قرب الغابات في الفترة الزمنية الممتدة من حزيران/ يونيو إلى أيلول/ سبتمبر، فضلاً عن إطلاق المفرقعات النارية في المناسبات وأزمة النفايات“.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 70% من المزارعين تركوا أراضيهم وتوقفوا عن الاعتناء بها، ما سبب تراكماً كبيراً للأعشاب اليابسة، التي كانت معالجتها في السابق تشكل فواصل بين الغابات، من شأنها أن تمنع امتداد النيران، أما اليوم وبحسب سلمان ”فالغابات موصولة ببعضها، ولذلك أصبحت رقعة النار تتسع بسرعة فائقة“.

ويؤكد سلمان أن ”الوقاية من الحرائق هي الأهم، وأن هذا ما تعمل عليه جمعية الثروة الحرجية والتنمية منذ أعوام“، مشدداً على ضرورة ”العمل على أكثر من محور، من تنظيم حملات لتنظيف جوانب الطرقات من الأعشاب اليابسة، وإقامة فواصل بين الغابات، مرورا بتعزيز الحياة الريفية، وتوعية الناس والمزارعين على تجنب إضرام النار بطريقة عشوائية، وصولاً إلى تفعيل دور الدفاع المدني وتدريب عناصره وزيادة عددهم، لتمكينهم من مواجهة الحرائق والاستجابة بشكل سريع“.

وفي السياق ذاته، تقول برناديت مشعلاني (ربة منزل) من بلدة العربانية، في منطقة المتن الشمالي، إن ”الحرائق آخذة في التزايد، وعناصر الدفاع المدني تهرع إلى الأودية لإطفائها، ويقوم أبناء البلدة بتقديم المساعدة لهم“.

وفي المتن الجنوبي، في بلدة صليما، يعتقد كريم المصري أن ”الحرائق سببها بعض المفتعلين الذين يضرمون النار في الغابات من أجل الاستفادة من بيع الحطب والفحم، بعد احتراق الأشجار، وهو أمر لا يجوز ويزيد من خسارة المساحات الخضراء“.

أما في بلدة بمريم الجبلية، والتي شهدت حريقاً هائلاً قبل أيام، اعتبر فادي الأشقر، ”إحراق الأعشاب اليابسة من قبل المزارعين، وإشعال السجائر في الأحراج، سبباً أساسياً للحرائق“، مشيراً إلى أن ”النار تلتهم كل شيء، وتدخل إلى البيوت“، فيما دعا إلى ”مزيد من التوعية لوضع حد لهذه المخاطر المحدقة“.

 ووسط هذه الأجواء، يأمل اللبنانيون أن ينتهي موسم الحرائق بأقل أضرار ممكنة، وإلا فإن تراجع المساحات الخضراء في لبنان سيكون محتوما، وقد يصبح ”لبنان الأخضر“ مجرد حبر على ورق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة