في يوم العمال.. مهن قيد الانقراض مصر (صور)

في يوم العمال.. مهن قيد الانقراض مصر (صور)

المصدر: محمود صلاح - إرم نيوز

مساكن قديمة مرت على بنائها مئات السنين، وشوارع ضيقة للغاية معلقة داخلها زينة كثيرة ترسم البهجة، وسياح يلتقطون صورًا لهذا الطراز المعماري القديم، في الوقت الذي تعج فيه أصوات آلات النجارين والحدادين وغيرها من الصناعات في أرجاء المكان، وتفوح منه روائح العطور والبخور المخالطة لهواء الجو.

مشهد يحدث يوميًا، في منطقة خان الخليلي في العاصمة المصرية القاهرة، فداخل هذه المنازل القديمة، أشياء فريدة من نوعها لا يراها إلا الباحث عن مصدر هذا الإبداع، فهي بيوت متهاكلة من الخارج، ولكنها مازالت تحتوي على صناعات فريدة من نوعها بالداخل، تمزج بين الفن والإبداع، وبالرغم من ذلك كله، أصبحت على وشك الانقراض.

وتزامنًا مع عيد العمال العالمي، كان لـ“إرم نيوز“، لقاءات عدة مع مجموعة من أصحاب المهن القديمة في مصر، لا يزالون في طيّ النسيان، يعيشون مع أنفسهم حالة من المعاناة، بسبب ارتفاع الأسعار، ولا يعترفون بعيد للعمال، لأن مهنهم أصبحت على وشك الانهيار.

”آر كت“.. مهنة الفن الروحي

 في منزل لم يتخطّ ارتفاعه الطابقين، وفي مقدمته أبواب كثيرة، من بينها ورشة صغيرة، يجلس الشاب المصري، مصفى كمال، الذي يبلغ من العمر 35 عامًا، حيث يعمل في صناعة الـ“آر كت“، وهي مهنة قديمة منتشرة منذ مئات السنين، تهتم بالأكسسوارات والرسومات الفنية، عمل فيها مع والده منذ العاشرة من عمره، حتى صار عاشقًا لها ومبدعًا في فنونها.

وبحسب حديثه لـ ”إرم نيوز“، يقوم بجلب النحاس الخام، على شكل ألواح ويقوم بتقطيعها، حيث يمسك بيده قطعة نحاسية صغيرة يحدق فيها جيدًا، وبيده الأخرى آلة تشبه السكين في حدتها، يقطع بها بلطف وفن فريد من نوعه في هذا النحاس الخام، وبعد دقائق يصنع رسمة ساحرة، سواء كانت اسمًا أو شكلاً فرعونيًا قديمًا.

ويؤكد الشاب الثلاثيني، أنه حصل على شهادة الليسانس في الحقوق، ورغم ذلك لم يتخل عن هذه المهنة التي ورثها عن والده، فهو يأتي يوميًا إلى عمله في الثامنة صباحًا، وينهي في وقت الغروب.

ولا يرهق التعب البدني هذا الشاب، جراء عمله الطويل، والجلسة التي يظل عليها من الصباح حتى المساء، ولكن معاناته تكمن دائمًا في الحصول على المادة النحاسية التي يعمل بها، نظرًا لغلاء الأسعار اليومي بشكل جنوني.

وأضاف أنهم لا يعترفون بعيد العمال، كونهم يبحثون عن مصدر رزق يومي، وأن المهنة التي يعمل بها، أصبحت على وشك الانقراض، لأنه لا يوجد أحد يريد تعلمها، فالكل ينظر إلى العمل المريح، ولا يوجد أحد لديه صبر حتى ينهي العمل في هذه المهنة بالطريقة المملة هذه.

الفضة.. مهنة رفاهية المشتري ومعاناة الصانع

على مدار 40 عامًا، ظل الحاج سيد، يواصل عمله بنفس الوتيرة يوميًا، حتى أن هذه السنوات الطويلة، كانت كفيلة بأن تجعل الرجل الخمسيني يجلس على كرسيه من الفجر حتى الغروب دون أن يتحرك، فنظارته تراكم عليها الغبار، والتجاعيد غلبت على ملامح وجهه، ورغم ذلك، مازال ممسكًا بيده الشعلة النارية ينقش بها الزخارف على الأكسسوات والخواتم الفضية، التي يجد فيه راحة بدنه ونفسه.

وبحسب ما تحدث الرجل الخمسيني لـ ”إرم نيوز“، عمل في هذا المجال منذ صغره برفقة والده، وتقلبت به الدنيا يمينًا ويسارًا حتى شرب المهنة التي يصنع منها الأكسسورات الفضية والأسماء الفرعونية وغير ذلك من الأشكال: قائلاً: ”أحصل على الفضة من المسواقجي، الذي يجلبها من سويسرا، ولكن في السابق كان الجميع يعمل بالخلاخيل التي كانت ترتديها النساء الريفيات، والتي أصبحت غير موجودة اليوم“.

ويضيف الحاج السيد، بأنه ظل يعمل إلى جانب دراسته لسنوات، ولكن في الغالب تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وسوء المعيشة أجبره على ترك التعليم، لكي يستطيع أن يجني قوت يومه، ويعين والده على المصاريف.

وقال: ”مصيرنا مرتبط بالسياحة.. والمهنة بدأت تنقرض خلاص“.. كلمات تلفظ بها الخمسيني بنبرة محزنة، مؤكدًا أن العمل في الفضيات لا يكفي الشخص ولا يوفر منه شيئًا، والعمل مرتبط بالسياحة، ففي الفترة الماضية بعد الثورة المصرية في 25 يناير 2011، تدهورت السياحة، وهذا ما جعل الجميع يبتعد عن هذا العمل“.

”المكايل والأكواب

وبعد دقائق من انتهاء الحديث مع صاحب الفضيات، وبينما تمر في أحد الشوراع الضيقة، في منطقة خان الخليلي، تجد شبانًا يفترشون الأرض أمام ورشتهم، ويعملون بأيديهم في صناعة ”المكايل“ التي تستخدم في الألبان والزيوت وعمل الكنافة.

وهو مشهد ملفت للغاية، شباب يجلسون تحت حرارة الشمس الحارقة، ورغم ذلك تتعالى ضحكاتهم بين الحين والآخر، إذ يقول أحدهم ويدعى طه (32 عامًا): إنّ ”القدر ساقه للعمل في هذا المجال في الثانية عشرة من عمره، ليكتشف أنه لم يعد لديه مصدر آخر يجني منه قوت يومه غير هذا العمل الشاق“.

وبحسب طه، فإنهم يجلبون الألواح الخام من المحلات التجارية بالجملة، وهم من يقطعونها قطعًا صغيرة لعمل ”المكايل والأكواب“ النحاس، وقطع أخرى يجري استخدامها في موائد رمضان أيضًا.

ويبدو أن الأمر لم يختلف كثيرًا في هذه الصناعات المختلفة، فجميعهم يعانون من نفس الأسباب، وهي ارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على المواد خام، ويضحكون بسخرية أيضًا في نفس الوقت، عندما يسألهم أحد عن الاحتفال بعيد العمال الذي تهل ذكراه عليهم اليوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة