جرأة الفضائيات ”المستقلة“ تكشف سذاجة مثيلاتها ”الرسمية“

جرأة الفضائيات ”المستقلة“ تكشف سذاجة مثيلاتها ”الرسمية“

المصدر: إرم ـ ابراهيم حاج عبدي

شكلت الفضائيات المستقلة، التي انطلقت مع انتشار البث الفضائي قبل نحو عقدين، متنفسا للتعبير عن الأصوات والاتجاهات المختلفة، وأتاحت المجال أمام الناشطين والسياسين من مختلف المرجعيات والمشارب للظهور على الشاشاتوالجهر بما هو مسكوت عنه بعد عقود من الصمت القسري، وفي مقابل ذلك فقدت التلفزيونات الرسمية ألقها وحضورها، ولم تعد قادرة على التضليل، والاختفاء وراء شعارات معسولة لم تتحقق، قط، منذ نصف قرن.

من الواضح أن دور الإعلام الرسمي الذي كان سائداً في ظل غياب الخيارات، قد انحسر كثيرا، فالمشاهد الذي كان يضطر لمتابعة تلفزيونه المحلي ”الوطني“ باطمئنان حيناً، وتشكيك أحياناً، وتذمر في كل الأحايين، وجد أمامه فضاء واسعا ورحبا تتنافس فيه الشاشات من كل صنف ولون واتجاه.

وعلى رغم ان هذا التلفزيون الوطني دخل، بدوره، هذا الفضاء، لكنه حمل معه كل عيوب وأمراض ”رسميته“ التي قيدته وأوكلت إليه مهمة واحدة وهي الدعاية السياسية الفجة التي تقتصر على صيغة، نظيفة وفارغة، لأخبار السلطة السياسية، ونشاطات ”القائد الخالد“ وإنجازاته التاريخية، وجهود حكومته الرشيدة، مع هيمنة الفعلين ”استقبل“ و ”ودّع“.

وفي موازاة هذه الفضائيات الرسمية التي لا تزال مستمرة بخجل، وتواصل بثها بصوت خافت، ظهرت فضائيات أخرى مستقلة وغير رسمية، جريئة ومشاكسة، وإن كانت لها أجندات أيضا، فكل وسيلة إعلام لها هدف وتوجه سياسي معين، ولكن التلفزيونات غير الرسمية حريصة على أجندتها بلا ضجيج، وبعيدا عن الشكل الفاضح الذي نراه في الإعلام الرسمي، ليصبح الفضاء ساحة لمعركة شرسة، يشارك فيها الجميع في سباق محموم على استمالة من هو على الأرض.

الفضائيات غير الرسمية قلبت المفاهيم، وغيرت التقاليد الرسمية الراسخة، ومحت الحدود بين الوطني والإقليمي والدولي. فقد يكون الخبر الأول في نشراتها آتياً من الصين أو روسيا أو أفغانستان… وذلك تبعاً لأهمية الخبر وتأثيره، على خلاف الإعلام الرسمي الذي ينبغي له أن يبدأ بأخبار ”القائد الرمز“ حتى وإن نشبت حرب عالمية ثالثة! إذ ليس في قاموسه شيء اسمه ”السبق الصحافي“ أو ”المهنية“ أو ”الموضوعية“ أو ”المبادرة الفردية“.

هذه المفردات، التي دخلت قاموس التلفزيونات مع البث الفضائي، هي من اختصاص القنوات غير الرسمية التي تلجأ إلى معايير مهنية جديدة، جذابة ومدروسة، ولا تغيب عن شاشاتها كلمة ”عاجل“، فهي تلاحق الحدث بجيش من المراسلين الميدانيين، فضلاً عن الاهتمام بطريقة البث، والبث المباشر، وديكورات الاستوديو، وسواها من المقومات التي مهدت لها سبيل الانتصار على التلفزيون الرسمي الذي يغلب الولاء السياسي للعاملين فيه على مهاراتهم المهنية، وغالباً ما تكون مواده مشوهة بفعل الرقابة، ومضجرة في مضمونها، ما يخرجها من ميدان المنافسة، ويجعلها تثرثر في واد بعيد عن هموم الشارع الفعلية.

ولا شك أن مقولة ”الرأي والرأي الآخر“ التي لطالما تغنينا بها، لم تجسد إلا في حقبة الفضائيات غير الرسمية، فهي استطاعت ان تكرس عبر برامجها المنوعة، مبدأ الحوار والتعددية والاختلاف في الرأي، من دون أن نغفل أن لها بعض السلبيات أيضا.

والمفارقة، أنه وبالرغم من هذا الجو الفضائي الليبرالي، إذا صح التعبير، فإن الفضائيات الرسمية لا تزال متمسكة بلغتها الخشبية التي تعود الى ستينات وسبعينات القرن الماضي، ولا تزال تمتنع عن استضافة اية شخصية معارضة للنظام السياسي الرسمي.

ورغم محاولة الفضائيات الرسمية إظهار نوع من الانفتاح على الرأي الآخر المخالف، غير أن هذه الخدعة سرعان ما تكتشف وبسهولة، وما على المرء سوى ”صبر ساعة“ لمتابعتها، حتى يتأكد من سذاجة المادة الإعلامية الرسمية، فلا يجد من خيار سوى الضغط على زر الريموت كونترول سريعا ليتجول في فضاء لا يعرف الحدود والقيود والمحظورات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com