سميح القاسم.. قيثارة فلسطين تتوقف عن العزف

سميح القاسم.. قيثارة فلسطين تتوقف عن العزف

المصدر: إرم ـ خاص

في الحديث عن تجربة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، يتشعب الكلام، وتتعدد المسارات إزاء صوت شعري فرض حضوره لنصف قرن، وشكل مع الراحل محمود درويش ثنائيا شعريا تغنى بالمقاومة والنضال وبعدالة قضية الشعب الفلسطيني.

لم يمل القاسم في قصائده من التجوال في تضاريس أرض فلسطين، وإبراز عمقها التاريخي والحضاري، فمثل أدبه أرشيفا تروي آلام الفلسطينين التي لم تنته حتى لحظة رحيله، بل أن قصيدته ”تقدموا“ التي كتبها قبل سنوات، تكاد تعبر عن اللحظة الراهنة حيث القصف الإسرائيلي متواصل، يقول مخاطبا جنود الاحتلال:

تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

يموت منا الطفل والشيخ

ولا يستسلم

وتسقط الأم على أبنائها القتلى

ولا تستسلم

تقدموا

تقدموا

بناقلات جندكم

وراجمات حقدكم

وهددوا

وشردوا

ويتموا

وهدموا

لن تكسروا اعماقنا

لن تهزموا اشواقنا

نحن القضاء المبرم

تقدموا

تقدموا

في رصيد الشاعر الراحل نحو 70 كتابا توزعت بين الشعر والمسرح والرواية، وهو بهذا الرصيد الأدبي الغني نال الكثير من الجوائز واستحق ما أُطلِقَ عليه مِن نعوت وألقاب، فهو ”شاعر المقاومة الفلسطينية“ وهو ”شاعر القومية العربية“ وهو ”الشاعر العملاق“ كما يراهُ الناقد اللبناني محمد دكروب، والشاعر النبوئي، وهو ”شاعر الغضب الثوري“ على حد تعبير الناقد المصري رجاء النقاش، وهو ”شاعر الملاحم“، و“شاعر المواقف الدرامية“ و“شاعر الصراع“ كما يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي، ولقب كذلك بـ ”قيثارة فلسطين“.

في قصيدة القاسم نعثر على نبرة حماسية صاخبة، وحس ثوري طاغ، حتى غدا نتاجه الشعري موسوعة تضم طيفا واسعا من مفردات المقاومة والكفاح في سبيل انتزاع الحقوق، والإيمان بالنصر، وهي قصيدة تتمتع بنزعة إنسانية رفيعة، غير ان هذه الحماسة الثورية لم تفقد شعره ذلك الأسلوب اللغوي الرشيق؛ السلس، وتلك البلاغة الأدبية التي انقذت شعره من المباشرة، والمنحى الخطابي.

لم يشأ القاسم أن ينأى بقصيدته عن مظاهر الهزيمة والضعف في الواقع العربي، بل استطاع أن يشخص هذا الواقع المرير متخذا من القضية الفلسطينية مدخلا للحديث عن حالات الهزيمة والانكسار، بيد ان هذه المكاشفة كانت مقرونة بروح متوثبة تستنهض الهمم، وتعبر عن التفاؤل بان ساعة النصر ستأتي في ظل هذه الآلام، إذ أثبتت تجارب التاريخ أن تضحيات الشعوب لا بد وان تفضي الى الانتصار.

اشتهر القاسم بكتابته هو ومحمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينات ”كتابات شطري البرتقالة“، ووصف الكاتب عصام خوري هذه المراسلات بانها ”كانت حالة ادبية نادرة وخاصة بين شاعرين كبيرين قلما نجدها في التاريخ“، وتنشر قصائده بصوته على القنوات العربية والفلسطينية خصوصا هذه الايام على اثر العدوان الإسرائيلي على غزة.

”إنها مجرد منفضة“

في كتاب ”إنها مجرد منفضة“ يروي سميح القاسم سيرته بروح دعابة وتهكّم حكّاء يودّ جعل حكايته ممتعة. ”ليست سيرة ذاتية، هي محاولة لترميم صور من الذاكرة، صور قديمة، بالأبيض والأسود“. يقول الشاعر الفلسطيني في مطلع كتابه ويمضي في عرض صور ينتقيها من ألبوم السيرة. في سيرته كما حياته، تعدّى موقع الشاعر ليكون الشخصية العامة ورجل المجتمع.

حياة عاشها بالطول والعرض والنكتة أيضاً: قصص مع مشاهير الأدب والفن والشعر في العالم ورجالات السياسة… وجنرالات العدو أيضاً: من دعوة غداء في بيت القائد الجزائري أحمد بن بلة في باريس مروراً بإسحق رابين الذي جمعته به المصادفة في إحدى السفرات (!) إلى تفكير القاسم بقتل ديفيد بن غوريون في أحد الوديان.

سيرة يسردها بضمير المخاطب مطعّمة بالطرف وبسلاسة الصحافي المتمرس واللاذع. مساحة يفردها لإقامته في موسكو وغرائب الزمن السوفياتي: ”كنت في موسكو. ويزورك في فندقك عدد من أهل الأدب والسياسة والفن العرب المصريين. وكانت بينهم الفنانة سعاد حسني. حين شاهدت حقائبها الكثيرة المملوءة بالهدايا، علّقتَ مداعباً: يا لك من فنانة بورجوازية! ولم يتأخر ردّ سعاد حسني التي كالت لك الصاع صاعين: أنا بورجوازية؟ طب بص شوف أنا جايبتلك إيه هدية. أهو لينين شخصياً!“.

يكتب القاسم سيرته فتى وشاعراً يعارك الواقع في فلسطين المحتلة، ويمتطي شهرته الأدبية إلى عواصم العالم. يروي دخوله إلى ”الحزب الشيوعي الإسرائيلي“ وملابسات خروجه منه بعد اتهامه بـ“الشوفينية القومية“.

ينهي القاسم سيرته بما يشبه الاعتراف والمرافعة: ”ولأنّك لا تدّعي العصمة ولا تزعم الكمال، فإنّك تترك الجزء الأخير من هذا البوح العفوي وغير المقولب واللامحسوب، مجالاً لكلمة أخيرة. وها أنت منهمك بضرورة الاستعداد للحياة وضرورة الاستعداد للموت، لكنّك مؤمن بأنّه لا بُدّ من فرج قريب بقدر إيمانك بأنّك من حياة إلى موت ومن موت إلى حياة، ومن رمل إلى رمل، ومن تراب إلى تراب، ومن ماء إلى ماء، ومن رماد إلى رماد، ومن قمح إلى ورد. ومن كلّ شيء وأيّ شيء إليها، إلى المنفضة، فما هي إلّا منفضة. إنّها منفضة. إنّها مجرّد منفضة!“.

السخرية من المرض

عندما كان يصارع المرض، كان يحول المحنة إلى دعابة مرة، يقول القاسم: ”عندما أخبرني الطبيب بإصابتي بسرطان الكبد، أبلغني أنّ عليّ أن أخضع لعلاج كيميائي. رحت أضحك بشدة، ما أثار دهشة الطبيب وحيرته. قلت له: لقد أوقعتني في ورطة. الناس يعرفون علي الكيماوي. ومنذ اليوم، عليهم التعرّف إلى سميح الكيماوي“.

الشاعر المولود في مدينة الزرقاء الأردنية لأب عمل عسكرياً في الجيش الأردني، كان يمازح أصدقاءه إن هم أغضبوه قائلاً: ”لا تنسوا أنني وأبا مصعب الزرقاوي من مدينة واحدة“.!

وكانت هناك معضلة أساسيّة تلاحق القاسم طيلة حياته، وهي الهوية، إذ اختار القاسم الاستقرار في فلسطين. هذا الخيار فرض عليه أن يحمل هوية الدولة الإسرائيلية المحتلّة، ويتنقّل بجواز سفرها. سجالات كثيرة أثيرت بشأن مواقفه السياسيّة، وصلت إلى حدّ اتهامه ”بالتواطؤ“. لكنّه كان يردّ ”طاول التشكيك كلّ القامات العظيمة في التاريخ، حتى جمال عبد الناصر، وصلاح الدين الأيوبي. التشكيك مسألة إنسانية عادية لا تقلقني على الإطلاق“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com