المسلسلات الشامية.. تفريغ للمضمون وتهميش للتاريخ

المسلسلات الشامية.. تفريغ للمضمون وتهميش للتاريخ

المصدر: إرم – من سماح المغوش

استطاعت المسلسلات الشامية أن تحتل مساحة واسعة من ذاكرة المشاهد العربي، وأن تلفت الانتباه إليها متحدية زحمة المسلسلات في ”الماراثون الرمضاني“. فالبيئة الشامية التي قدمت عادات وتقاليد وأخلاق أهل الشام تمس بشكل عميق وجدان المشاهد العربي الذي ينحدر من ذات الانتماء للدين والعادات. لذا استطاعت هذه المسلسلات أن تكسب المعركة الرمضانية طوال سنوات.

لكن النجاح الذي غر على ما يبدو أصحاب هذه الأعمال، أو السعي المادي الذي أغفل القيمة الفنية، جعل هذه الأعمال في النهاية تتكاثر بشكل كبير، غير مكترثة بأي قيمة أو مضمون لتقدمه فقط على أساس شكلها الخارجي من ملابس وحارة وديكورات.

المرأة.. صورة حضارية أم رجعية؟

بعد النجاح الكبير لمسلسل ”ليالي الصالحية“، بطولة كل من النجمين عباس النوري وبسام كوسا، وهو المسلسل الذي فتح شهية الفنانين والمنتجين والمخرجين والكتاب إلى مواكبته. جاء مسلسل ”باب الحارة“ في 2006 والذي تدور أحداثه في عشرينيات القرن الماضي، معتمدا على نفس النجمين نظرا لنجاحهما سابقا في عمل مشابه..

واستطاع الجزء الأول من ”باب الحارة“ أن يحقق نجاحا كبيرا، وتعود أسباب ذلك إلى أن المسلسل شهد كوكبة من النجوم، إضافة إلى تبنيه في بدايته قصصا من الواقع المعاش آنذاك وتسليطه الضوء على القيم والأخلاق، وثالثا وقد يكون الأهم وجود كاتبين للعمل تعاونا على إظهاره بأحسن صورة وهما مروان قاووق وكمال مرة، إلا أن الكاتبان سرعان ما تفردا كلا منهما بأجزاء لاحقة من المسلسل الذي دفع صانعيه لمزيد من الأجزاء نظرا لنجاحه المنقطع النظير.

ولكن هذه الصورة الظاهرة من العمل، ماذا لو ألقينا نظرة على ما بين السطور؟

الرجل الشامي في الحقبة المفترضة أواخر الحكم العثماني وبدء الانتداب الفرنسي، هو رجل ذو ”شوارب“ غالبا عبوس الوجه، منفعل، صوته غليظ، يصرخ تارة يكيد لأحدهم تارة أخرى ويذعن أحيانا. وهذه الصورة النمطية للرجل الذي لا يفعل شيئا غير أن يتمثل بهذه الصفات ”المبالغ فيها“ امتدت إلى كافة المسلسلات الشامية الأخرى.

ولكن لم تكمن ها هنا خطورة هذه الأعمال وانتكاستها في القرن الواحد والعشرين على صورة الرجل النمطية، بقدر ما كرست صورة المرأة المهمشة والمذعنة والتي تكاد تكون ”جارية“.

فالمرأة في ”باب الحارة“ هي امرأة لا هم لها سوى إرضاء زوجها إلى حد العبودية أحيانا، ولا هم لها سوى القيل والقال، ولا هم لها سوى أن تتوارى خلف نقابها، ولا شاغل لها سوى انتظار الزواج أو الأوامر، وفي حين تعمد المسلسل إظهار الرجل المزواج كشخصية ”عصام“ الذي قدمها الفنان ميلاد يوسف، معتمدا كالعادة على الحق الشرعي، ظهرت المرأة وهي تتهافت وتفعل المستحيل لأجل كسب رجلها ولو لليلة.

فنستطيع أن نلاحظ أنه في الجزء السادس من المسلسل، ”تغندرت“ و“تزينت“ و ”تجهزت“ النسوة الثلاث (وهن زوجات عصام) في محاولة لإغوائه كل إلى مثواها، وهو كالملك الذي يفتل شاربيه ويشد كتفيه يستطيع أن يختار ويستطيع أن يتركهن جميعا.

ثم يأتي مشهد في إحدى الحلقات عن جلوس ”عصام“ كالإمبراطور لتقوم زوجاته بتدليكه واحدة على كتفيه والأخرى على يده اليمنى والثالثة اليسرى.

كما شدد المسلسل كثيرا على النقاب لدرجة أن ”الشتيمة“ كانت من النساء لأي امرأة هي في أنها ”قرعة“ أي غير محجبة أو الأدق منقبة، وكلما دخل رجل عليهن تململن وخافن ورمين النقاب على وجوههن حتى لا تقع مصيبة ما في أن يرى الرجل شيئا.

وليغدق علينا الفنان محمد قنوع بجملته: ”المرا اللي بتقبل ترفع صوتا عجوزا مالا مكان عندي“.

والسؤال هنا، هل تصوير المرأة بهذه الطريقة كان فعلا متعمدا، وهل كان متعمدا فنيا أم إعلاميا؟

وهل كان المجتمع العربي بحاجة إلى مزيد من تكريس صورة رجعية ومهمشة للمرأة العربية التي لا زالت للآن تسعى للحصول على أبسط حقوقها؟

ولماذا أغفل كتاب العمل وصانعوه، دور نساء سوريا الحقيقي في تلك الحقبة؟

فبينما المكائد والحرب مشتعلة بين ”سعاد“ و“فريال“ قامت نازك العابد وماري عجمي في عشرينيات القرن الماضي بالمطالبة بحق المرأة السورية بالاقتراع، وبينما تتهافت نساء ”عصام“ على نظرة واحدة منه، أسست نسوة سوريات من سنة 1925 إلى 1928جمعية مستقلة لتشغيل النساء اللواتي فقدن أزواجهن، وبينما حرص صانعو العمل على إخفاء المرأة خلف النقاب أسست عادلة بيهم مع نازك العابد في 1927 جمعية يقظة المرأة الشام، وفي حين كان الرجل هو الثوري الوحيد في المسلسل قامت مجموعة من النساء الدمشقيات في 1934 بمظاهرات تطالب بالاستقلال عن فرنسا.

وغيرها الكثير مما أغفله صانعو المسلسل سهوا أم عمدا؟ هنا يظل السؤال عالقا.

مسلسلات شامية.. استنساخٌ بلا معايير

توالت المسلسلات الشامية لاحقا بشكل لافت للنظر، فمن باب الحارة تبعه مسلسل ”أهل الراية“ ومسلسل ”الخوالي“ و“زمن البرغوت“ و“الحوت“ و“طالع الفضة“ و“الزعيم“ و“بيت جدي“ و ”الغربال“ و“طاحون الشر“ و ”قمر شام“ و“أبواب الريح“ وغيرها مما لا يعد.

وتبدو هذه المسلسلات تكرارا صرفا عن ذات الفكرة بين رجل يمثل البطولة والشهامة والأمانة وآخر أو آخرون يكيدون به أو بالحارة وكلهم يرغبون بالزعامة والوصول لمنصب، ونساء لا هم لهن سوى إرضاء الرجل الشرقي والامتثال لأوامره والقبول بأي شيء يفرضه، وطبعا هذه المسلسلات كلها تدور في حقبة ما بين اواخر الحكم العثماني إلى فترة الانتداب الفرنسي، متغاضية جميعها عن الخروج خارج أبواب الحارة إلا قليل منها لإلقاء نظرة ولو عابرة على عاصمة الأمويين في نصف قرن على الأقل من القرن العشرين.

جامعة دمشق 1925

عاصمة الأمويين تختفي خلف النقاب

الفترة التي أقبلت عليها المسلسلات الشامية كانت تمتد على الأقل من 1900 إلى 1950 أي منذ بداية نهاية الدولة العثمانية إلى إرساء الاستعمار الفرنسي لقواعده فيها، في فترة انتقلت سوريا من دولة سوريا إلى جمهورية سوريا الأولى مرورا بعدد كبير من الرؤساء والمنتدبين الفرنسيين، في فترة شهدت العديد من الصراعات وكانت حاسمة أغفل فيها كتاب المسلسلات إظهار السوريين كمدنيين يقاومون الاستعمار أو ينهضون ببلادهم وحركات كثيرة سواء شعبية أو سياسية.

ما سر إغفال الكتاب ”السيناريست“ السوريون لحقيقة هذه الحقبة؟

نحن لا نريد أن نظلم هذه الأعمال المحببة على قلب المشاهد العربي لبساطتها وروح أهلها في ذلك الوقت والقيم التي افتقدها الإنسان في ظل عصر العولمة، ولا نريد أن نسيء إلى عاداتنا وجمال قيمنا، إلا أن عددا هائلا من أعمال البيئة الشامية التي قدمت بتكاليف إنتاجها وإخراجها ومجهود فنانيها لم تستطع كلها أن تقدم ولو صورة مختلفة قليلا عن دمشق ولم تستطع ان تقدم للمشاهد العربي حقائق عن تلك الحقبة غابت عنه.

فما يميز كل بلد في العالم هو حركة التاريخ فيه، لتختصر هذه الأعمال جميعها دمشق وتقدمها للمشاهد العربي من خلف النقاب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة