تحليل: القدس في نظر ترامب امتداد لحرب ثقافية عالمية

تحليل: القدس في نظر ترامب امتداد لحرب ثقافية عالمية

في خضم الصخب السياسي والإعلامي والشعبي الذي رافق وأعقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الأربعاء، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرار نقل سفارة الولايات المتحدة إليها، تفاوتت التحليلات في تفسير إصرار ترامب على هذه الخطوة، رغم كل أشكال الاعتراض والرفض والتحفظ التي صدرت من مختلف أنحاء العالم، بما فيها من داخل البيت الأبيض والكونغرس.

القدس امتداد لحرب ثقافية عالمية

في تحليل نشرته صحيفة واشنطن بوست، اليوم الخميس، بعنوان “ترامب يعتبر القدس امتدادًا لحرب ثقافية عالمية”، عرض محرر الشؤون الخارجية إيشان ثارور (هندي الأصل) مرتكزات ثقافية وسيكولوجية في شخصية ترامب جعلته يُقدم على هذه الخطوة، وهو يعرف تمامًا أنها تشكل خروجًا على الشرعية والقوانين الدولية، وتجاوزها على الحقوق الوطنية للفلسطينيين والقومية للعرب والدينية للمسلمين، وفوق ذلك كله بما فيها من تعطيل مُرجحّ لحل القضية الفلسطينية.

عرض ثارور مشهد ترامب وهو يلقي خطابه القصير في البيت الأبيض، وإلى جانبه شجرة عيد الميلاد، ومن خلفه نائبه مايك بنس، يقف أبكمًا، كما قال.

استذكر الكاتب في تحليله جوانب من شبه إجماع المجتمع الدولي على معارضة قرار ترامب، وقال الكاتب إن هذه ثاني مرة خلال أسبوعين يتلقى فيها ترامب “توبيخًا صارمًا” من رئيسة الوزراء البريطانية. هذا فضلًا عن مشاعر القلق العميق التي عبر عنها بابا الفاتيكان وقيادات الشرق الأوسط، وتهديدات تركيا، وتحذيرات فرنسا، من أن خطوة كهذه ستشكل انسحاب أمريكا من عملية السلام في الشرق الأوسط.

سرديات دينية

تحليل ثارور التقط تعابير معينة من خطاب ترامب وفيه وصف القدس بأنها “عاصمة الشعب اليهودي التي أقيمت في العصور القديمة” وهو وصف فيه من التجاوز على التاريخ المعروف بقدر ما فيه من اقتباسات دينية لدى اليهودية السياسية والمسيحيين الإنجيليين الأقوياء الذي يؤمنون بنبوءة أن القدس هي عاصمة إسرائيل التي ستشهد نهاية العالم.

ولا يلغي التقرير رغبة ترامب في أن يصنع أزمة خارجية تخطف الاهتمام من مشاكله الداخلية والتحقيقات التي وصلت طاقمه في البيت الأبيض، بخصوص العلاقة السرية مع الروس.

الجانب الإيديولوجي

ويتوسع الكاتب في عرض الجانب الإيديولوجي الديني في موضوع القدس، الذي كان جزءًا من حملة ترامب الانتخابية. وبحسب الكاتب، فإنه إذا كان ترامب من داخله ليس متدينًا بتلك الدرجة فإن نائبه بنس معروف بأنه من الحركة الإنجيلية النافذة التي تدعم اليهودية في تعميم نبوءات أن “المسيح سيجلس على عرش داوود في القدس”.

ويشير الكاتب إلى أن رغبة ترامب في إعادة تحشيد اللوبي اليهودي الصهيوني، واللوبي الإنغليكاني المتنفّذ في الولايات المتحدة، تفسّر جزءًا من  دواعي جموح ترامب في موضوع القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل.

اليهودية -المسيحية

واستذكر الكاتب أن أحد الخطوط المركزية الخفيّة في التفكير السياسي لترامب منذ فترة غير قصيرة، هو استشارة وتعزيز ما يسمى بـ “اليهودية المسيحية” التي تتلاقى دينيًا في موضوع القدس، وتتوسع سياسيًا في دعم الإنجليكان الأمريكان للصهيونية.

وكان ترامب خطب في شهر أكتوبر تشرين الأول الماضي قائلًا:”نحن لا نعبد الحكومة وإنّما نعبد الله”، مضيفًا “أننا نكرس كل هجماتنا من أجل حماية قيم المسيحية – اليهودية”.

وأضاف الكاتب في تحليله أن النظرية المركزية في تفكير ترامب، كما أعلنها في برنامجه الانتخابي وتابعها بعد ذلك وصولًا الآن إلى موضوع القدس، تتمثل فيما يمكن تسميته “قبيلة الرجال البيض الذين يحملون القيم العالية التي تجمع عصبيات القومية والدم والتربة والهوية الغربية”، وهي باختصار قيم “اليهودية – المسيحية” التي أخذت “علامتها التجارية ” لدى ترامب من الشيطنة المستمرة للمسلمين المتشددين، بحسب قوله.

يتغذى على الصراعات والحروب

ويضيف الكاتب في وصفه لسيكولوجية ترامب بأنه يعيش ويتغذى على الصراعات، سواء كانت دينية أو عرقية أو وطنية. يحتاج إليها وينميّها ويشتغل عليها، ويجد نفسه فيها معتقدًا أنه كلما زاد تهديد غير البيض وغير المسيحيين، زاد عدد مؤيديه داخل الولايات المتحدة. وعندما لا تكون هناك تهديدات واضحة فإنه يخترعها ويفتعلها، كما هو في حالة القدس التي يعرف تمامًا بحساسيتها وقابليتها للتفجير ومع ذلك يسعى لها ويؤججها.