انبعاثات مسرطنة في غزة

انبعاثات مسرطنة في غزة

ينهمك عبدالله بنبش النفايات بحثا عن عبوات بلاستيكية، وسط أطنان من أكياس القمامة، محاولا تفادي التعرض لإصابة جديدة في يديه المثخنتين بجروح، بعضها غائرة وأخرى طفيفة، وإحداها كادت تتسبب بوفاته بعدما نقلت إليه سموما.

فبين ما يجمعه عبدالله من مواد بلاستيكية بهدف بيعها لمصانع تدوير البلاستيك في قطاع غزة، ثمة عبوات تحتوي على بقايا مواد كيميائية سامة تَحمل ميكروبات وجراثيم، مثل عبوات المبيدات الحشرية والأدوية والمنظفات.

تبدأ رحلة العبوات من مكبات النفايات، حيث يلتقطها عبدالله وغيره من "النباشين"، لتنتقل من أيديهم إلى أيدي "عاملي الجرش" حيث تُفرز بحسب لونها وحجمها قبل وضعها في ماكينات التفتيت، ثم تأتي مرحلة التنظيف.

لاحقا يجري صهر تلك العبوات في محارق، لينتج عنها في هذه المرحلة انبعاثات كيميائية خطرة، يتأثر بها سلبًا سكان قطاع غزة والعاملون في تلك المنظومة من بدايتها إلى نهايتها، لتشكل دائرة مغلقة من الأذى في جميع مراحلها.

المواطن الغزي عبدالله أثناء بحثه عن عبوات بلاستيكية وسط النفايات
المواطن الغزي عبدالله أثناء بحثه عن عبوات بلاستيكية وسط النفايات

تبدأ دائرة الأذى بعدم التزام "النباشين" وعاملي "المجارش" ومصانع التدوير، أثناء جمع وفرز تلك العبوات البلاستيكية الخطرة، بتدابير الأمن والسلامة، وتنتهي بعد وصولها لمصانع التدوير، إذ لا تخضع لعملية معالجة كيميائية، ما يشكل خطرًا على سلامة العمال وسكان المنازل المحيطة بمصانع التدوير، في ظل انعدام الرقابة والتوعية، وعدم وجود أجهزة لقياس الانبعاثات في قطاع غزة.

يحدث هذا وسط زيادة مطردة في عدد مصانع إعادة تدوير البلاستيك في القطاع، التي ظهرت لتعويض نقص المواد الخام، بعد أن فرض الحصار الإسرائيلي منع استيراد المواد الخام من البلاستيك وعدد آخر من المعادن.

وارتفع عدد معامل التدوير إلى نحو 60 معملا تستقر في شرق مدينة غزة، فيما لا يوجد أي رصد أو إحصائية رسمية لعدد مجامع البلاستيك والمجارش، بحسب ما يقول سامي النفار رئيس اتحاد الصناعات البلاستيكية.

أحد معامل إعادة تدوير البلاستيك في غزة
أحد معامل إعادة تدوير البلاستيك في غزة

وينتج قطاع غزة يوميا 2150 طنا من النفايات الصلبة، نحو 16% منها مواد بلاستيكية، و30% منها من الورق والحديد والنحاس والألومنيوم، و60% من المواد العضوية.

وتستقبل تلك النفايات مكبات "جحر الديك" شرق غزة، و"وادي السلقا" في الوسط، ومكب "صوفا الفخاري" بمدينة خان يونس جنوب القطاع، وفقا لمعلومات المركز الوطني للبيئة والتنمية في غزة، وهو ما يتوافق مع مسح البيئة المنزلية (2015) في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وقد دفعت الظروف الاقتصادية والبطالة عددا كبيرا من أبناء غزة للعمل في نبش النفايات داخل المكبات، ومنهم عبدالله (45 عاما)، وهو من سكان القرية البدوية شمال القطاع.

لم يجد عبدالله مهنة غير هذه لإعالة أسرته. ويقول إنه تعرض للتسمم الحاد أربع مرات بعد إصابته بجروحٍ غائرة بيده أثناء جمع عبوات البلاستيك، ولولا تلقيه مضادات التسمم سريعا لكانت أودت بحياته كما أبلغه الأطباء.

ليس التسمم وحده ما يفتك بأجسام النباشين، إذ يقول عبدالله: "فضلا عن الجروح على اختلافها، نتعرض باستمرار لنزلات معوية حادة، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى الوفاة كما حصل مع الطفل أسامة السرسك".

المواطن الغزي عبدالله
المواطن الغزي عبدالله

فوضى المكبات

بيدين عاريتين، يجمع حمزة شقالي (56 عاما) كل ما تطوله يداه من مواد بلاستيكية دون أن يفرزها أو يدقق في ما تحتويه من بقايا، كل ما يهمه جمع أكبر قدر من البلاستيك بغية الحصول على مردود أعلى.

يقول شقالي: "أصحاب مصانع التدوير لا يحددون نوعا معينا من العبوات، يأخدون منا كل أنواع البلاستيك، مقابل نصف شيكل للكيلو الواحد (14 سنتا أمريكيا).

يعمل حمزة منذ 12 عاما في نبش وجمع العبوات البلاستيكية، تساعده زوجته وأبناؤه الأربعة غالبا. وتعرض خلال هذه الفترة للعديد من حالات التسمم وإلى حروق جلدية، جراء ملامسته لمتبقيات السوائل فى العبوات البلاستيكية التي تحتوي على متبقيات كيميائية.

وتخضع مكبات النفايات لسلطة بلدية غزة. وتنقل سيارات البلدية القمامة من منازل المواطنين يوميًا، ولكنها لا تتولى مسؤولية فرزها ونقلها إلى مصانع التدوير. وهنا ظهر النباشون لتولي تلك المهمة، لتشهد أعدادهم ازديادا مطردا مع زيادة عدد مصانع التدوير.

"نباشون" يجمعون العبوات البلاستيكية
"نباشون" يجمعون العبوات البلاستيكية

وتعتمد مصانع التدوير على النباشين للحصول على أكبر قدر من البلاستيك لإعادة تدويره، لكن هؤلاء يعملون يوميا داخل تلك المكبات دون رقابة أو توعية، والأهم من دون الالتزام بأي من إجراءات السلامة.

في كانون الثاني/ يناير 2022، وقع الطفل أسامة السرسك ضحية غياب إجراءات السلامة داخل المكبات، بعدما سقطت عليه كومة من النفايات أثناء النبش بحثًا عن البلاستيك.

حاولت البلدية بعد ذلك منع النباشين من العمل داخل المكبات، لكن دون جدوى، وفقا للناطق الرسمي باسم بلدية غزة حسين عودة.

يقول عودة لـ"إرم نيوز"، إن "مجارش التدوير تجمع البلاستيك من النفايات المُرحّلة يوميًا، ولكن في ظل عدم قدرة البلديات على العمل في فرز تلك المخلفات، يملأ النباشون الفراغ، إذ يتولون جمع البلاستيك وبيعه إلى مصانع الجرش والتدوير".

عبوات بلاستيكية متراكمة في أحد معامل إعادة التدوير
عبوات بلاستيكية متراكمة في أحد معامل إعادة التدوير

الفرصة الأخيرة

ينقل عبد الله وحمزة والمئات من النباشين، ما جمعوه من عبوات ومواد بلاستيكية إلى معامل الجرش، ويتسلمها منهم العاملون في الفرز داخل تلك المصانع.

تنتقل تلك العبوات البلاستيكية الخطرة بعد ذلك إلى عاملي الجرش.

يقول سعد حسن (وهو اسم مستعار لأحد عمال معامل جرش البلاستيك في قطاع غزة): "بنستلم العبوات البلاستيكية من النباشين وبنشتغل على فرزها حسب لونها وحجمها قبل جرشها وتفتيتها إلى قطع بلاستيك صغيرة".

لا يختلف حال "حسن" عن عبدالله وحمزة، فهو الآخر ينخرط في فرز العبوات البلاستيكية دون أي إجراءات سلامة أو معدات حماية سواء كانت قفازات أو غيرها. ويقول: "تعرضتُ في العديد من المرات لحروق وأمراض جلدية أثناء فرز ونزع الأوراق عن العبوات وتحضيرها للتفتيت".

يعمل حسن على تصنيف العبوات والمواد البلاستيكية حسب لون وسماكة البلاستيك، متجاهلًا محتوى العبوات ومصدرها أيضا.

يؤكد ذلك جلال العربي، صاحب أحد معامل الجرش، قائلا لـ"إرم نيوز": "نطلب من العمال إدراج العبوات بناءً على شكل البلاستيك المستخدم وليس على طبيعة المنتج أو محتوى العبوة"، موضحا أن الشيء الأهم بالنسبة لأصحاب المعامل هو الحصول على أكبر كميات من البلاستيك.

وفقا لحديث العربي ومشاهدات معد هذا التحقيق خلال جولة على مجموعة من معامل الجرش، لا تفرز المجارش العبوات البلاستيكية لاستبعاد العبوات الخطرة من عملية التدوير، سواء أكانت عبوات مبيدات حشرية أو منظفات أو زيوت.

في المحصلة، تختلط تلك العبوات بمحتوياتها الكيميائية، بعبوات أخرى مختلفة المحتوى داخل آلات الجرش والتفتيت، وتخرج المواد البلاستيكية منها قطعا صغيرة لا يمكن التفريق بينها، وبذلك تصبح تلك العبوات السامة جزءًا من المواد البلاستيكية المجمعة، وتنتهي فرصة فصلها واستبعادها.

يقول نافذ الكحلوت، أحد مشرفي قسم حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني، إن العبوات البلاستيكية للمنتجات الكيميائية تعد مخلفات خطرة، ويجب إتلافها بشكل سليم، وبطرق محددة بما يتوافق مع السلامة العامة.

ويشرح في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنه "في العام 2017، بدأت وزارة الصحة في قطاع غزة مشروعا لإنشاء وحدة التخلص من النفايات الطبية بطريقة الفرم والتعقيم، بتكلفة 350 ألف دولار، ولكن تلك العبوات السامة لا تصل إلى هناك حيث يقتصر عمل الوحدة على النفايات الطبية التي تخرج من المستشفيات داخل القطاع".

أحد العاملين في معمل لإعادة تدوير البلاستيك في غزة
أحد العاملين في معمل لإعادة تدوير البلاستيك في غزة

كارثة التنظيف

بعد جرش العبوات وتحويلها إلى قطع بلاستيكية صغيرة مفتتة، يبدأ العمل في تنظيف البلاستيك الناتج باستخدام الكلور والصودا الكاوية.

ويسود اعتقاد بين أصحاب معامل الجرش ومصانع التدوير الذين تحدث إليهم "إرم نيوز"، بأن الصودا الكاوية والكلور كافيان للتخلص من البقايا الكيميائية العالقة في بعض المواد المجروشة، ولكن هذا الاعتقاد يخالف الحقيقة وفقا لخبراء ومختصين.

يتفق كل من أستاذ الكيمياء في جامعة الأزهر حسن طموس، وخبير البيئة والمدير السابق لدائرة الري والتربة في وزارة الزراعة في غزة نزار الوحيدي، على أن مادة الصودا الكاوية لا تبطل مفعول أي مركّب كيميائي آخر، ويقتصر مفعولها على تنظيف العوالق والكتابات والأصباغ.

وفقا لطموس، فإن "استخدام هاتين المادتين في تنظيف بقايا المواد الكيميائية، يشكل خطرا أكبر، بسبب اندماج مركبات الصودا مع البقايا الكيميائية، ما ينتج مركبات معقدة تفتك بصحة الإنسان، خاصة إذا تعرض لها مباشرة، سواء عبر الاستنشاق أو الاستخدام"، ويصف الأمر بأنه "كارثة تهدد سلامة صحة المواطنين والعمال سويا".

ينبه الخبير الكيميائي الأردني صهيب العامر من أن التعامل مع المركبات الكيميائية يحتاج لإشراف مختصين نظرا لخطورته، حتى وإن كانت مركبات تنظيف منزلية.

ويقول العامر: "الخوف في مرحلة التنظيف ليس من البلاستيك بحد ذاته، بل من التفاعلات الكيميائية بين متبقيات العبوات التي ينتج عنها غازات سامة، والتي قد تتسبب بانفجارات قد يذهب ضحيتها النباشون وعمال الجرش".

وهناك خطر آخر ينتج عن الصودا الكاوية، وهو هيدروكسيد الصوديوم، الذي يعد مركبا كيميائيا قلويا يسبب تآكلا في البشرة، وقد يتسبب بالعمى إن لامس العين، بحسب الخبير الكيميائي الأردني.

من جهته، يدعو نافذ الكحلوت، المشرف في قسم حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد الوطني، إلى حظر استخدام البلاستيك المحتوي على متبقيات كيميائية في إعادة التدوير.

ويقول الكحلوت إن الصودا الكاوية تنظف الزيوت، أما المخلفات الكيميائية من المبيدات والأدوية فلا يمكن بشكل قاطع القضاء على تأثيرها الكيميائي، مؤكدا أن المخلفات الناتجة عن التدوير تشكل خطرا يهدد البيئة والإنسان معا.

ويفرض بروتوكول التخلص من النفايات الخطرة في قطاع غزة، تعقيمها بعد فرمها وتفتيتها في معامل الجرش، وليس تنظيفها بمادة الصودا الكاوية، ويكون التعقيم -وفقًا للبروتوكول- عبر جهاز مخصص يعمل على ضغط تلك النفايات إلى درجة 2.2 بار وفي درجة 134 درجة مئوية، وتعقيمها بشكل كامل، ثم تجفيفها قبل التخلص منها مع النفايات العادية.

المحطة الأخيرة

تنتقل المواد البلاستيكية بعد جرشها إلى مصانع التدوير، حيث ينخرط العمال بعد تنظيفها بالصودا الكاوية في صهر القطع المفتتة، التي يخرج منها انبعاثات وأدخنة.

ووفقا لأستاذ الكيمياء في جامعة الأزهر حسن طموس فإن "تلك الانبعاثات سامة، وأول من يتعرض لمخاطر تلك الانبعاثات هم العاملون في دائرة التدوير، ومن خلفهم السكان المحيطون بتلك المصانع".

وتقضي إرشادات السلامة المهنية الصادرة عن وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، بإلزام العمال ارتداء ملابس واقية وقفازات وكمامات قادرة على منع انتقال الغازات عبر التنفس إلى العاملين، تلافيًا لخطورة المواد المتبقية داخل العبوات، التي تتسبب في الإصابة بأمراض جلدية وتنفسية.

بأم العين..

خلال جولة لمعد التحقيق على 4 مصانع لإعادة تدوير البلاستيك في قطاع غزة هي مصانع (شمهاني والرملاوي والسلام والسايس)، تبين أن هذه المعامل لا تلتزم بمعاييرالسلامة، فيما تغيب بالمقابل الإجراءات الرادعة والعقوبات من قبل وزارتي البيئة والاقتصاد على أصحاب هذه المعامل.

تواجه عمليات الرقابة صعوبة في تلك المصانع والمجارش، في ظل انعدام الإحصائيات الرسمية عن عددها في محافظات غزة الخمسة. وتتذرع الجهات الرقابية التي تواصل معها معد التحقيق بعدم قدرتها على الوصول إلى أماكن المعامل.

ويقول بهاء الآغا، المدير العام لحماية البيئة في سلطة جودة البيئة بقطاع غزة لـ"إرم نيوز"، إن "القطاع يفتقر للكوادر البشرية القادرة على التفتيش والرقابة".

ويضيف الآغا: "تُجرى عمليات التفتيش فقط إذا وصلت شكاوى من المواطنين عن تلك المصانع، ولا تقوم وزارة الاقتصاد وسلطة جودة البيئة بعمليات تفتيش بشكل دوري".

انبعاثات خطرة

ولا تقتصر الأضرار الصحية على النباشين وعمال المجارش والمعامل، فثمّة خطر يهدد سكان القطاع، وخاصة المجاورين للمكبات ومصانع التدوير.

يقول محمد مصلح، وهو مدير دائرة النفايات في سلطة جودة البيئة بقطاع غزة، إن "النفايات البلاستيكية خطرة بحد ذاتها دون تكريرها وإعادة صناعتها"، مضيفا أن "عملية حرق البلاستيك في المناطق السكانية، وتصاعد غاز ثاني أكسيد الكربون، تهدد المواطنين بتعرضهم للإصابة بأمراض مزمة، وبالتالي تهديد حياتهم".

وتنص المادة 23 من قانون البيئة رقم 7 لسنة 1999 على حظر إلقاء أو معالجة أو حرق القمامة والمخلفات الصلبة إلا في الأماكن المخصصة لذلك، ووفقا للشروط المحددة من قبل الوزارة بما يكفل حماية البيئة.

ويحمّل القانون الجهات الحكومية ممثلة في وزارتي الصحة والاقتصاد الوطني وسلطة جودة البيئة، مسؤولية متابعة عمل مصانع تدوير البلاستيك، ومدى التزامها بضوابط القانون والشروط.

ويدعو الخبير البيئي نزار الوحيدي، إلى ضرورة تجميع وترحيل العبوات البلاستيكية الخطرة إلى مكبات البلديات للتخلص منها بطرق آمنة، والالتزام بالإرشادات التي تحذر من حرق أو إلقاء العبوات البلاستيكية في النفايات بصورة عشوائية، لمنع عملية تدويرها.

أما مدير دائرة الطب الوقائي بوزارة الصحة في غزة مجدي ضهير، فيشير إلى أن "الانبعاثات الغازية تتسبب في خفض نسبة الأكسجين التي يتلقاها جسم الإنسان، مما يسبب إصابة الجهاز التنفسي أو تليفه"، بالإضافة إلى خطورة الإصابة بأمراض مزمنة نتيجة قلة نسبة الأكسجين الواصلة إلى الدماغ.

وتؤكد دراسة أصدرتها منظمة الصحة العالمية، أن "حرق العبوات البلاستيكية الخاصة بالمبيدات الحشرية والمخلفات الطبية والمخبرية يؤدي إلى إنتاج مادة الديوكسين C4H4O2، وهي من أشد المواد الكيماوية سمية، وتشكل تهديدًا حقيقيًا لصحة السكان".

وبالرغم من أن المادة 20 من قانون البيئة رقم 7 لعام 1999، تنص بشكل واضح على أن "على صاحب المنشأة توفير سبل الحماية اللازمة للعاملين والمجاورين للمنشأة تنفيذًا لشروط السلامة والصحة المهنية ضد أي تسرب أو انبعاث لأي ملوثات داخل مكان العمل أو خارجه"، فإن أحدا من أصحاب المعامل والمنشآت لا يلقي بالا لهذه النصوص القانونية أو يلتزم بمضمونها.

جدول يوضح تزيد حالات السرطان في غزة
جدول يوضح تزيد حالات السرطان في غزة

أجهزة معطلة ورقابة غائبة

لا يمكن تقدير حجم الضرر الواقع على السكان المحيطين بالمصانع بدقة، إذ لا يتوفر في قطاع غزة أي أجهزة لقياس تلوث الهواء، والمتوفر منها معطل.

يقول أستاذ الكيمياء في الجامعة الإسلامية بغزة رامي مرجان: "يتوفر فقط جهاز الجي سي، وهو متوقف عن العمل منذ دخوله مختبرات الجامعة، فيما لا تتوفر أي أجهزة أخرى بالجامعات أو الوزارات".

ويؤكد ذلك أيضا، هاشم أبو عرفة، مسؤول قسم الفحوصات الكيميائية في مختبرات مركز صبحة التابع لوزارة الصحة الفلسطينية، قائلا: "لا توجد أجهزة مخبرية قادرة على إجراء فحوصات للمتبقيات الكيميائية، فقط يتوفر جهاز Hplc وهو متوقف عن العمل أيضا".

ويشير خلدون أبو الحن، مدير مختبر البيئة في معهد المياه والبيئة في جامعة الأزهر، إلى وجود أجهزة لفحص الغبار في الهواء وتركيز بعض العناصر، ولكن "لا تتوفر أجهزة لفحص السموم المعقدة والغازات السامة والمركبات الكيميائية، ولا تتوفر فحوصات للمركبات الكيميائية داخل المنتجات البلاستيكية داخل القطاع".

من جهته؛ يحمّل الناطق الرسمي باسم وزارة الاقتصاد الوطني عبدالفتاح أبو موسى، إسرائيل، مسؤولية عدم إدخال أجهزة مخبرية متطورة، من شأنها أن تساهم في ضبط عملية الرقابة على مصانع تدوير البلاستيك وكافة المنشآت الصناعية.

بين المر والأمر..

يدرك عبدالله وحمزة و"حسن" والمئات من النباشين وعمال معامل الجرش والتدوير أن عملهم يهدد حياتهم، ولكنهم يقولون إن ما بيدهم حيلة؛ فصعوبة الأوضاع الاقتصادية وزيادة حجم البطالة وعدم توافر فرص العمل تحاصرهم وتضيّق خياراتهم، فتدفعهم للمخاطرة بحياتهم من أجل قوت أسرهم، وسط غياب أدنى معايير السلامة والرقابة.

في المحصلة، تقع غزة وسكانها ضحية حصارين شرسين؛ حصار الانبعاثات السامة وفتكها بآلاف العاملين والسكان المجاورين للمكبات والمعامل، وحصار إسرائيل التي تخنق مليوني غزاوي داخل 360 كيلومترا مربعا، وتمنع عنهم فرصة الحصول على هواء نظيف طالما أمكنها ذلك.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com