الأشجار الباسقة تعبيرٌ عن الحبّ تجاه الحياة

الأشجار الباسقة تعبيرٌ عن الحبّ تجاه الحياة

المصدر: مدني قصري - إرم نيوز

 يقول بيير إيميل روكري، مهندس الغابات ومدير بيت الشجرة في حديقة النباتات في مونتريال – كندا، أن الأساطير الرومانية تؤكد في هذا السياق أن جهنم كانت محمية من العالم من خلال وجود غابات مقدسة على طول ضفاف نهر ستيكس، التي كانت مخصصة للتدمير من قبل الجنود الرومان. ولكن انتهاكها مُنع بوسائل خارقة أرعبت الجيوش التي حاولت تدميرها، وانهالت عليها.

ملجأ

ويضيف أن غابات شمال أوروبا كانت في العصور الوسطى ملجأ الخارجين عن القانون، والمجانين، وقطاع الطرق، والنساك، والمصابين بالبرص والمضطهدين.

ويقول ”وكانت الكنيسة التي كانت تسعى إلى فرض الصليب، معادية تماما لهذا السياج الطبيعي الذي يستخدم لإيواء الوثنيين.

إلى جانب ذلك، كان المجمع الكنسي منذ العام 452 م، يسن القوانين ضد عبادة وتبجيل الأشجار، وكان الكهنة يعتبرون الطقوس التي تمارَس في هذه الأماكن البرية التي تكرَّس للأرواح والشياطين، طقوسا مدنسة.

هندسة معمارية

ويرجح الباحث بيير إيميل روكري أن الغابات المقدسة لعصور ما قبل التاريخ الأوروبي كانت المقدمة الأولى للغبات- الكاتدرائيات للمسيحية.

ويضيف أنه ”بارتفاعها عموديا إلى السماء وبميلها الدائري على كل جانب مثل القبو، كانت الكاتدرائية القوطية، تجسد بشكل واضح، في باطنها المهيب، أماكن العبادة القديمة التي تلتحم فيها قمم الأشجار الباسقة“، متسائلا إن كانت مجرد صدفة، أم بقايا مسيحية جد قديمة لتطابقٍ عريق بين الغابات وبين مجال الآلهة؟

وفي رأيه أنه ”من المرجح إذن أن الغابات كانت المعابد الدينية الأولى، ولعل ابن آدم استوحى منها هندسته المعمارية.

ويتابع أن المصريين القدامى استوحوا من شجرة الجميز، والتين والموز وأشجار أفريقية أخرى، لإنشاء الأعمدة الضخمة التي وُجدت في المعابد، فيما الإغريق شيدوا العمود الكورنثي الرشيق، المرصع بتاج مزين بالأوراق، من وحي شجر النخيل.

رمزية كوكبية

ويشير الباحث إلى أن للأشجار الباسقة دورا لا غنى عنه، تلعبه على كوكبنا الأرض، :لأنها الوصية على الأرض وحارستها، وهذا بطرق عديدة.

ويضيف ”فالانسان جزء لا يتجزأ من الأشياء التي تحرسها هذه الأشجار. وبمعنى من المعاني يمكننا أن نعتبرها، رمزيا، مثل مدرسة لفلاسفة كرماء يتصفون بنقاء رباني، وبرغبة كبيرة لخدمة الإنسانية.

لأن الأشجار الباسقة، في نظر هذا الأخصائي، حيوية لجميع أشكال الحياة على هذا الكوكب، لأنها تنظم جزئيا هطول الأمطار، وتجذب الإشعاعات الداخلية التي لا تقل أهمية بالنسبة للأرض عن أهمية مياه الأمطار.

 

جزء من خطة إلهية

ويؤكد بيير إيميل روكري أن الأشجار كثيرة ما تكون ضيفة على المساحات الجميلة والتلال المفعمة بالشمس والرياح. ”فهي تحمل رمزيتها العميقة ومصيرها الذي طورته على مر العصور، أي منذ ما يقرب من ثلاثمئة مليون سنة من التطور.

ويتابع أن ”للأشجار الباسقة حصتها من الخطة الإلهية التي تضطلع بإنجازها وبأداء مهمتها. والحال أن هذا هو السبب الذي خلقت من أجله“.

ويشير بيير إيميل روكري في أسف إلى أن الإنسان الذي يتحكم اليوم في جميع الغابات في العالم، بالكاد بدأ يعترف ويكتشف كم هي مهمة وضرورية، إذ يقول ”بتغطيته لآلاف الهكتارات بصنف واحد من الأشجار سريعة النمو، والتي يتم اختيارها لأسباب اقتصادية بسيطة، يُظهر الإنسان أنه غير مدرك لاحتياجات كوكبنا الحقيقية، وأنه يجهل الأدوار المتعددة التي تلعبها الأشجار، ومنها كونها قناة طاقة رائعة بين السماء والأرض“.

توازن

ويقول هذا الخبير إنه لو كان الإنسان مثل الأشجار الباسقة، أي في تناغم ووئام تام مع اللانهائية، لتوازنت القوى الطبيعية في هذا الكون. ”الأرض تحتاج الآن إلى ما يرفضه الإنسان لها، إلى القوى التي تنزل وترتفع من خلال الأشجار الباسقة، والتي تمارس تأثير الاستقرار على حياة النباتات والحيوانات و الإنسان.

جفاف وموت

ويرى الباحث أنه بقطع الأشجار الباسقة قد تصبح الكرة الأرضية برمتها غير قادرة على العمل، ومعرضة حتما لأن تجف وتموت. ”فالإنسان يتجرد في الواقع من جزء من نفسه ومن إرثه عندما يجرد التربة من الأشجار الباسقة“.

فهذه الأشجار، في رأي بيير إيميل روكري، ليست إذن على وفاق مع هذا الجزء من الإنسانية التي تنهب الأرض، ولم يسبق في أي مكان أن كانت الفجوة بين الإنسان والأشجار عميقة وصارخة كما هي الآن في الأماكن التي قطعت فيها الأشجار الباسقة بلا ضمير.

حب كوني

الأشجار الباسقة بمثابة جلد يحمي الأرض، ومن هذا الجلد فهي تجذب التغييرات اللازمة. مجدُها يرتفع مثل رائحة زهرة تبارك كل الذين يأتون للاستراحة تحت هالتها.

ويخلص بيير إيميل روكري إلى القول إن الأشجار الباسقة تعبيرٌ عن الحب تجاه الحياة. تعبير عن الوفرة، والوحدة، وعن العلاقات المجتمعية، والعلاقات الإنسانية عبر الكون.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com