أطفال الشوارع في تونس.. ظاهرة تتنامى في غفلة الحكومة والمجتمع

أطفال الشوارع في تونس.. ظاهرة تتنامى في غفلة الحكومة والمجتمع

المصدر: ساسي جبيل – إرم نيوز

تعتبر ظاهرة انتشار أطفال الشوارع في تونس متفشية منذ زمن بعيد، لكنها تفاقمت أكثر خاصة بعد ما يسمى بثورة 14 يناير 2011 في ظل تفاقم الفقر والبطالة والتدهور الاقتصادي والتي يبقى من أهم تداعياتها الإدمان والجريمة والإرهاب.

وإن كان لا يوجد أحد من المسؤولين في الحكومة اليوم أو في مختلف منظمات المجتمع المدني أو غيرها، يستطيع أن ينفي أن الظاهرة استفحلت في تونس بعد ارتفاع عددهم بعد الثورة بنسق تصاعدي غير مسبوق، حيث بعد أن كان العدد ثلاثة آلاف في العام 2011 ثم خمسة آلاف في العام 2012 وسبعة آلاف في العام 2014 بلغت فيه ما يناهز ثمانية آلاف حاليا، منهم ثلاثة آلاف في العاصمة تونس والأحياء الشعبية المجاورة لها فقط خاصة أن الدراسات التي قامت بها مكاتب الدراسات بحسب منظمات المجتمع المدني تفيد أن 70 بالمئة من أطفال الشوارع يستهلكون المخدرات وأن 40 بالمئة منهم مدمن عليها، كما تقول ذات المصادر إن 50 بالمئة منهم يتعاطون الكحول، فضلاً عن تعرض الأطفال المشردين ( أو أطفال الشوارع) من الجنسين إلى التحرش والاعتداء الجنسي.

كما أظهرت دراسة أجراها عدد من المختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية في إطار المركز التونسي للدراسات الاجتماعية والتي شملت عينة تتكون من 1200 طفل، أن 70 بالمئة من العينة التحقوا بأطفال الشوارع بعد ثورة 14 يناير 2011 مرجعة ارتفاع عدد أطفال الشوارع خلال السنوات الخمس الماضية إلى الخطة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي طالت الفئات الهشة والضعيفة حيث بعد تفاقم البطالة واستفحال الفقر وازدياد المهمشين؛ ارتفع عدد أطفال الشوارع منذ ”الثورة“ بشكل واضح نتيجة حالة الاضطراب التي شهدها المجتمع التونسي والتي أثرت بصفة مباشرة على بعض الأسر، وأضافت الدراسة أن العوامل الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية دفعت بآلاف الأطفال إلى التشرد في شوارع المدن بحثًا عن عمل لمساعدة عائلاتهم بعد كشف انقطاع عدد كبير من الأطفال عن الدراسة والتحاقهم بالشوارع نتيجة بطالة الأب والأم بعد توقف المؤسسات الاقتصادية التي كانت تشغلهم عن النشاط.

ومن جهة أخرى تؤكد المؤشرات الصادرة عن وزارة العدل أن الجرائم المقترفة من قبل أطفال الشوارع شهدت خلال السنوات الأخيرة تزايدًا خطيرًا إذ تتصدر السرقة والنشل سلم الجرائم حيث تبلغ سنويًا أكثر من ستة آلاف جريمة تليها جرائم العنف التي تبلغ خمسة آلاف حالة ثم الجرائم الجنسية التي تصل إلى 2600 جريمة مما جعل الخبراء والأخصائيين يطلقون صيحة فزع من تمدد ظاهرة أطفال الشوارع في تونس مطالبين السلطات ومنظمات المجتمع المدني بوضع خطة اجتماعية علمية لإنقاد الآلاف من الأطفال من التشرد وتداعياته.

انعكاس للقلق والفقر والتهميش والإقصاء

ويعتبر عالم النفس الفرنسي ”لاكان“ جنوح الحدث في الشارع بمثابة الحوار العنيف مع الآخر، يحاول الحدث من خلاله انتزاع الاعتراف به كإنسان وهو ما يفسر بعض سلوك أطفال الشوارع الذي يبدو سلوكًا لا مبرر له ويعكس رغبة مجانية في الاعتداء والتخريب وإثارة الفوضى مضيفًا أن هذه النزعة التدميريّة هي انعكاس للقلق الذي يعانون منه بسبب إقصائهم وتهميشهم من طرف أسرهم التي أهملتهم أو تعمدت دفعهم إلى الشارع، ومن طرف المجتمع الذي لا يأبه لوجودهم في الشارع مما دفعهم إلى عدم الشعور بالأمن ويتوقعون المطاردة والاعتداء في أية لحظة.

أطفال الشوارع “ إرهابيون محتملون“

كما يرى رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف أن الجماعات الجهادية قامت بتجنيد وترحيل أطفال لا تتجاوز أعمارهم 15 عامًا إلى العراق وسوريا وليبيا للقتال في صفوف ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية “ داعش“ مؤكدًا أن أطفال الشوارع أرضية خصبة لـ“ مشاريع مجرمين“ قد تجندهم شبكات متخصصة في الجريمة المنظمة، كما يمثلون في الآن نفسه ”إرهابيين محتملين“ أيضا يسهل على الجماعات الإرهابية تجنيدهم مستفيدة من هشاشة أوضاعهم النفسية والاجتماعية.

تمزق النسيج الاجتماعي والتفكك الأسري سبب البلية

وتؤكد الأخصائية في العلوم الاجتماعية رشيدة بن عمار في ذات السياق أن أطفال الشوارع تحولوا إلى ظاهرة اجتماعية، لا يمكن التعامل معهم على أنهم مجرد أطفال مشردين، باعتبار أن المسألة أعمق بكثير على حد تعبيرها، مضيفة أنهم يمثلون ظاهرة نشأت بسبب تمزق النسيج الاجتماعي والتفكك الأسري وانتشار الفقر المدقع وفشل السياسات التنموية والاجتماعية.

أطفال القمامة والأمراض المزمنة والخبيثة

ومن جهة أخرى فإن أطفال الشوارع وخاصة الذين ينبشون القمامة الباحثين عن أشياء قد تكون صالحة الاستعمال في تلك القمامة، من قبل أسرهم أو لبيعها والذين يسمونهم بـ“أطفال القمامة ”عادة ما يصابون بشتى أنواع الأمراض المزمنة والخبيثة بما فيها السرطان جراء استعمالهم لأواني بلاستيكية وقصديرية خطيرة أو التهامهم لما يعثرون عليه من فضلات الطعام المتعفن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com