“البراح“.. تقليد رمضاني عابر للعصور في المغرب

“البراح“.. تقليد رمضاني عابر للعصور في المغرب

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

يجدد المغاربة ”الوصل“ في رمضان عبر طقوس تقليدية مثل ما يعرف بـ ”التبراح“، ومن يقوم بهذه الطقوس الرمضانية الضاربة في القدم يسمى ”البراح“، وهو مفهوم مرادف لمفهوم ”المسحراتي“ الشائع في المشرق العربي.

هزيع الليل الأخير

في الربع الأخير من الليل، يشد الصائمون مآزرهم ويتوجهون إلى المساجد لأداء صلاة التهجد، وفي الآن نفسه، يلتقط عبد الخالق “نفارته“، وهي آلة شبيهة بالناي شكلًا ولكن صوتها أشد كثافة وخشونة.

يبدأ الرجل الخمسيني رحلته من بيته المتواضع بالمدينة العتيقة ويجول على عدة أحياء يوقظ أهلها للسحور.

ينفث عبد الخالق في “نفارته“ بشكل منتظم تقريبًا وهو يسير وسط الأزقة والحواري، وأحيانًا يقف بأماكن محددة.

سألناه عن السر في ذلك، فقال: “بعض الأهالي يوصونني بالتوقف قرب منازلهم و“التبراح“ بقوة حتى يستيقظ كل من في المنزل خاصة المراهقين الذين يعسر عليهم النهوض من النوم في تلك الساعة“.

يعرف ”البراح“ نطاق تحركه وحدود جولته جغرافيًا وديموغرافيًا، فهو يعرف حدود الأحياء أو ”الدروبة“ ويعرف سكانها أسرة أسرة. فمهنة البراح مهنة تتوارث، وقد ورثها عبد الخالق من أبيه وعمه ورافقهما في صغره سنوات طويلة لأخذ المهنة على أصولها، كما يقال.

لدى عبد الخالق وعي فريد بالزمن والمسافة والعلاقة بينهما، فرغم أنه لا يسلك نفس المسار كل ليلة، فإن زمن جولته لا يتغير؛ فالرجل يخرج مع الربع الأخير من الليل ويعود إلى منزله قبل ربع ساعة وربما أكثر قليلًا من وقت الإمساك.

يقول عبد الخالق: “أنا لا أقدر المسافة بالأمتار بحكم جهلي بالحساب، وإنما بعدد النفثات التي أنفثها في “نفارتي“، كما أن معرفتي الدقيقة بالحي تمكنني من تقدير الوقت الذي تأخذه الجولة وإن اختلف مسارها.

البراح والطبال والنفار

يرى نورد الدين الجميري، وهو باحث في التراث، في تصريح لـ ”إرم نيوز“، أن “ظاهرة “البراح“ عرفت تطورات عدة عبر العصور، فالبراح كان أول الأمر، وخلال حكم السلالات التي تعاقبت على حكم المغرب قديمًا، آلية من آليات التواصل السياسي، وكان “التبراح“ حكرًا على ممثل السلطة مثل: الباشا، القايد، الخليفة“.

وكان الهدف من “التبراح“ هو إبلاغ رسالة من السلطة إلى الأهالي، كما يُبرَّح لهلال شهر رمضان و ذي الحجة وكل ذلك بأمر السلطة وتحت وصايتها.

ومع توالي القرون، ظهر “الطبال“ الذي يتولى أساسًا إشهار المناسبات الاجتماعية كالزواج، وقدوم أحد الوجهاء أو الأثرياء، أو عودة أحدهم من الحج. والهدف من ذلك الإعلام بالحدث ليتسنى للأهالي التصرف بناء على ذلك؛ فمثلًا يأتون للقاء وجيه عابر أو المباركة لآخر عائد من الحج على تأدية هذا الركن الذي له مكانة خاصة عند المغاربة يرجعها البعض إلى بعدهم الجغرافي عن بلاد الحرمين وأرض الإسراء التي تحتضن قبلتي المسلمين.

ومن رحم التحولات التي طرأت على ظاهرة “التبراح“، ولدت ظاهرة “النفار“ الذي يقوم بدور الإشهار باستخدام آلة “النفارة“ الشبيهة بالناي. واليوم، يستخدم “المسحراتيون“ المغاربة الطبل و“النفار“ على حد سواء لإيقاظ الناس للسحور.

رغم أنف الحداثة

يقول محمد، وهو موظف في القطاع المصرفي، إنه لا يعتبر أنه استيقظ فعلًا للسحور إلا إذا كان ذلك على صوت “نفار“ البراح أو طبله.

“لا أطمئن حين يوقظني منبه الهاتف، وعكس ذلك حين أستفيق على قرع طبل البراح أو أزيز “نفارته“ المزمجر، أنهض مستبشرًا صافي المزاج“.

وتعكس شهادة محمد هذه، وهو من جيل الثورة الصناعية الرابعة، رسوخ تقليد “البراح“ لدى المغاربة على غرار كثير من شعوب المنطقة العربية والإفريقية.

ولا يكتفي محمد بالحرص على أن يوقظه طبل البراح أو “نفارته“، بل إنه يمتنع أحيانًا عن ضبط منبه الهاتف على آلة السحور خاصة خلال ليالي عطلة نهاية الأسبوع. يقول محمد: “أريد أن أعيش طقوس رمضان كما عاشها أبي وكان يروي لنا كثيرًا من تفاصيلها التي ضاعت (…) مسؤوليتنا أن نحفظ ما أدركنا منها من سطوة التحديث والعولمة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com