نداء ”الساحرة المستديرة“ للكرة الأرضية: إلى روسيا دُر

نداء ”الساحرة المستديرة“ للكرة الأرضية: إلى روسيا دُر

المصدر: إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

تتوجه أنظار العالم إلى روسيا، حيث يعقد الموعد الأسطوري الذي يشارك فيه 32 فريقًا من قارات العالم لنيل الكأس الذهبية، في رياضة كرة القدم، الأكثر شعبية على الإطلاق، إذ يمارس هذه اللعبة نحو 250 مليونًا.

لم يعد هذا الحدث، الذي بدأ في عام 1930 في الأوروغواي، مناسبة رياضية فحسب، بل يشتبك خلف كواليس المستطيل الأخصر، الفن والسياسة و“البزنس“ والصفقات التجارية والسياحة، فيما تتعانق ثقافات العالم المتنوعة، وتتمازج الأهواء والرغبات والمشاعر عبر طقس فريد يتابعه الملايين، إذ قدر عدد هؤلاء بحوالي 3 مليارات و200 مليون شخص تابعوا مونديال 2014 الذي استضافته البرازيل.

وعند إطلاق الصافرة إيذانًا بنهاية كل مباراة، تمتزج آهات الهزائم بصيحات الانتصار، ونداءات الفرح بدموع الفشل، إذ يصعد الفريق الفائز إلى ضفة الخلود، بينما يهوي نظيره الخاسر نحو أعماق الخيبة والخذلان، والمفارقة أن الكرة اللاهية، كقدر غامض، هي التي تحدد هذا المصير الحاسم: العار أو الوقار.

في مونديال روسيا 2018، وتحديدًا ما بين 14 حزيران / يونيو و16 تموز/يوليو، ستخوض المنتخبات المشاركة 64 مباراة، ليس فقط من أجل الانتصار وإلحاق الهزيمة بالخصم، بل، كذلك، من أجل المتعة والشغف والمغامرة والحلم… والطموح الأسمى لنيل الكأس الذهبية، وهو طموح لا يقتصر على اللاعبين، بل كذلك، يتوق إليه رؤساء الدول وملوكها وطغاتها وحكوماتها ومثقفوها وفقراؤها وعمالها…

إنه سباق جماعي محموم نحو المجد يتطلع إلى الفوز فيه اللاعبون والجمهور والمدربون والمعلقون والصحافيون….، فالكرة، التي تزن حوالي 450 غرامًا، باتت ”معبودة الجماهير“ بمختلف ثقافاتهم ومرجعياتهم وتوجهاتهم وأعمارهم وجغرافياتهم، ممن يرفعون الصلوات بكل لغات الأرض من أجل هذا الفريق أو ذاك، ويشجعون أسماء تحولت إلى أساطير من لحم ودم.

وتقاسمت لقب الدورات الماضية للمونديال بلدان أوروبا وأمريكا اللاتينية، فيما لم يبتسم الحظ يومًا لبلد أفريقي أو آسيوي، في هذه البطولة التي تقام مرة كل أربع سنوات، ويعتبر الفوز فيها، إنجازًا لا يضاهيه أي نجاح آخر.

لعبة كرة القدم التي نشأت في العهود البعيدة بدافع التغلب على الملل وتزجية الوقت، تحولت إلى ”هوس كوني“، وبات العالم يراقب اللاعب الذي يركض على شفير الهاوية، متأرجحًا بين ”الثرى والثريا“، ولا موقع ثالث بين الموقعين، فإما أن يصبح نجمًا، يغرقه المديح، أو يغدو ”مهزومًا“، مصحوبًا باللعنات.

ولحارس المرمى تصنيف خاص، فهو وحيد على الدوام يراقب المباراة وحركة الكرة، بقلق ”كأن الريح تحته“، منتظرًا بين العوارض الثلاث الإعدام رميًا بالكرة، أو السعادة الغامرة عندما ينجح في احتضان عاشقته اللعوب.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الرياضة بريئة، ومنزهة عن كل العصبيات، بيد أن شعبيتها الواسعة، جلبت إليها الشركات العملاقة التي تتنافس بشراسة على وضع صور وعلامات سلعتها على جوانب الملعب، وفي المدرجات، وعلى قمصان اللاعبين، ”حتى أصبحت علامة الشركة على صدر اللاعب أهم من الرقم على ظهره“، وفق تعبير الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو.

ودخلت السياسة، كذلك، هذا الميدان، فالاستثمار السياسي في هذا المجال رابح، وهو ما يعيد إلى الأذهان لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤخرًا، باللاعب الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل في لندن، والذي فسر بأنه جزء من حملة أردوغان الانتخابية؛ لكسب المزيد من الأصوات، وثمة مباريات خلقت أزمات دبلوماسية كتلك التي حدثت بين مصر والجزائر، مثلًا.

وعلى عكس جميع المهن التي تمنح ممارسيها الخبرة والمران بمرور السنوات، فيصبح هؤلاء بارعون مع تقدمهم في العمر، إلا أن كرة القدم يمنح المجد باكرًا لممارسيها، وكلما تقدم العمر باللاعب، فقد فنون اللعبة الساحرة، إذ يشيخ، غالبًا، وهو في الثلاثين، ومع ذلك فإن سنوات المجد القليلة، هذه، كفيلة بأن تنقل لاعبًا بائسًا، معدمًا، من حي فقير في ساوباولو أو بيونس آيرس، إلى ثراء فاحش.

ورغم كل ما يحيط بهذه اللعبة من صفقات ومؤامرات ودسائس، إلا أنها تمثل، في النهاية، احتفالًا بهيجًا للعيون التي ترقب، بسعادة غامرة، تلك المهارات والفنون والمعجزات الكروية التي تسلب عقول البشر شرقًا وغربًا، وهو ما يحيلنا إلى جواب لمنجّمة ألمانية حين سألها أحد الصحافيين عن كيفية توضيحها معنى السعادة لطفل، فردّت بهدوء وثقة: ”لا أوضح له، بل أعطيه كرة ليلعب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com