جاسوس يعاني من عسر القراءة كاد يطيح بالولايات المتحدة الأمريكية

جاسوس يعاني من عسر القراءة كاد يطيح بالولايات المتحدة الأمريكية

المصدر: صدوف نويران - إرم نيوز

عندما تلقى ستيفين كار العميل الخاص في مكتب التحقيقات الأمريكي الفيدرالي، حزمة مرسلة له من مكتب التحقيقات في نيويورك في شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2000، توقع أن تحتوي على أشياء خاصة بمسائل داخلية، ولكن بدلاً من ذلك وجد 3 رسائل مشفرة مرسلة إلى القنصلية الليبية.

وجاء في إحدى الرسائل: ”أنا محلل من شمال أفريقيا في الشرق الأوسط، وأعمل لدى وكالة الاستخبارات المركزية، وأنا على استعداد تام للتجسس ضد الولايات المتحدة وتزويد بلادكم بمعلومات غاية في الأهمية والسرية“.

وذكر تقرير لصحيفة ”نيويورك بوست“ الأمريكية أن كار وجد وثائق معنونة بـ ”سري جداً“               و ”سري وخاص جداً“، وهي في معظمها صور أقمار صناعية للعمليات العسكرية في مناطق الشرق الأوسط.

وكتب الجاسوس أنه إذا ما رغبت ليبيا بالحصول على مزيد من الأسرار، فعليها أن تضع إعلاناً في قسم معين من صحيفة ”واشنطن بوست“ على أن تدفع مبلغ 13 مليون دولار أمريكي.

وكتب أيضاً: ”ستظل شخصيتي مجهولة، كي لا أعرّض نفسي وعائلتي إلى خطر كبير“.

ويتمثل الموقف الحالي في أن وكالة الاستخبارات الأمريكية لديها الآن جاسوس، ويجب على مكتب التحقيقات الفيدرالي اكتشافه، وبرز تفصيل واضح بين كل هذه التفاصيل، وهو أن الكاتب لديه أخطاء إملائية رهيبة.

ما يقارب عمل عام كامل من الأمور السرية، تم نسخه وتشفيره وتهريبه من داخل أحد مكاتب وكالة الاستخبارات الستة عشر المنتشرة في البلاد، بما فيها مئات من صور الأقمار الصناعية السرية، وكلها اشتركت في تفصيل واحد هو أن الرسائل المشفرة كافة فيها أخطاء هجائية، وتم استبدال حروف مكان أخرى، تقريباً في كل كلمة منها.

ومن خلال البحث في حركة المرور عبر شبكة الإنترنت والحاسوب عن الأخطاء الإملائية الفظيعة، استطاع كار أن يضيق نطاق البحث في واحد من مكاتب الوكالة.

المكتب الوطني للاستطلاع والذي يعتبر من أكبر 5مكاتب لوكالة الاستخبارات، يخفي جاسوساً، وتم تنبيه مكتب الاستطلاع الوطني عن الاختراق الحاصل في شهر أبريل/نيسان 2000 الذي ذهل بكمية المعلومات التجسسية المسربة.

وقال الصحفي يوديت بهاتاشارجي، في كتابه حول هذه القضية، والذي حمل عنوان ”الجاسوس الذي لا يستطيع التهجئة“: ”لقد كانت كمية هائلة من المعلومات تفوق كل تصور“.

وعندما بحث كار عن الشخص موضوع الاهتمام، وهو رقيب متقاعد من القوات الجوية، كان تقدم برسالة يعترض فيها على تقرير أدائه المتوسط، وكانت مليئة بالعبارات الوقحة والأخطاء الإملائية.

وفي شهر مارس/أذار من عام 2001، قام مكتب التحقيقات الفدرالي بالتحقيق الرسمي، بعد أن تم اكتشاف المئات من عناوين مواقع الإنترنت على الأقراص الصلبة الخاصة بمكتب الاستطلاع الوطني، وكان كار واثقاً من أنها تشير إلى المشتبه به الرئيس.

أصبح كار متأكداً تماماً من أنه عثر على الجاسوس، بعد  أن اكتشف دليلاً إرشادياً بعنوان ”استغلال التكتيكات المشتركة للنظم الوطنية“، داخل مكتب المتقاعد السابق الذي لا يزال غير مأهول، والذي قام بنسخ جدول المحتويات وإرفاقه في الحزم البريدية التي ارسلت إلى العدو.

وكتب بهاتشارجى: ”على غلاف الصفحة الداخلية لدليل الإرشادات كان هناك اسم الرقيب المتقاعد بريان باتريك ريغان وكان مكتوباً بالخط العريض“.

ونشأ ريغان، الذي كان يبلغ 38 عاماً، في ذلك الوقت، في ”لونغ أيلاند“، وهو ابن لمهاجريْن أيرلندييْن، وكان الطفل الثالث بين 8 والابن الأكبر.

وعانى أثناء دراسته وتم تشخيصه كطفل مصاب بعسر القراءة، وربما أصبحت الأمور أسهل عليه مع مرور الوقت، ولكن على ما يبدو أنه جاهد للحصول على درجات أقل من المتوسط.

وتخرج من المدرسة الثانوية وانضم إلى القوات الجوية، حيث اكتشب موهبته في حل الرموز التشفيرية، وأثناء وجوده في مركز عمله في اليونان، التقى مع سائحة سويدية تزوجها فيما بعد.

وفي عام 1994 تمت ترقيته إلى رتبة رقيب، وانتقل إلى العاصمة واشنطن للعمل في مكتب الاستطلاع الوطني، وهو من أكثر مكاتب وكالة الاستخبارات سرية في بداية إنشائها أثناء مرحلة الحرب الباردة، ولا أحد تقريباً يعلم بوجوده.

ومع مرور السنوات، عاش ريغان حياة هادئة غير اجتماعية، وكانت علاقته مع زوجته باردة في أحسن الأحوال، ففي خلال رحلات العمل كان يقيم علاقات نسائية عديدة، ولكنه كان والداً ملتزماً واستمتع باللعب مع أطفاله الأربعة.

ومع ذلك، فلم يتمكن ريغان من تغطية نفقاتهم، وكان يحتفظ بسجلات تفصيلية حول بطاقات الائتمان الخاصة به وبزوجته إلى جانب أرصدة الحسابات المستحقة على كل منها، وكانا نادراً ما يقومان بتسديد الدفعات المستحقة؛ ما زاد من سقف ديونهما حتى وصلت في عام 1997 إلى 47 ألف دولار.

ومع وصوله سن التقاعد، قرر ريغان بأنه يستحق أكثر من الراتب التقاعدي الذي تدفعه الحكومة مقابل خدمته هذه السنوات الطويلة.

وكتب بهاتشارجى : ”إن فكرة التجسس بدأت تتشكل في ذهن ريغان في الأشهر الأولى من عام 1999، عندما وجد نفسه في عاصفة العد التنازلي، فعندما وجد ريغان نفسه يقترب من التقاعد بدأ بالقلق حول تقاعده، وزاد توتره وشعوره بالذعر بشأن المستقبل“.

وعلم مكتب التحقيقات الفدرالي بأن ريغان قام بشراء تذكرة طيران للسفر إلى سويسرا، في الـ 23 من شهر أغسطس/ أب 2001، وأنه كان يخطط للذهاب والطرق على أبواب السفارات لبيع أسرار الولايات المتحدة الأمريكية نقداً، وتم إعطاء كار الضوء الأخضر للقبض على ريغان في ”مطار دالاس الدولي“ في ولاية فيرجينيا.

وقبل 3 أسابيع من حادثة الـ 11 من سبتمبر، قام مكتب التحقيقات الفدرالي بهدوء بإحباط ما كان يمكن أن يكون ”كارثة تجسسية“ حقيقية بعد قيام ريغان بارتكاب أكبر اختراق للبيانات والمعلومات السرية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد أن وجهت هيئة المحلفين الكبرى تهمة التجسس لريغان، قام مكتب الاستطلاع الوطني بعرض صفقة على ريغان، بأن يقوم بالكشف عن رموز التشفير التي استخدمها لاسترجاع الوثائق المسروقة، مقابل حكم مخفف بالسجن 9 سنوات.

ولكن ريغان كان متحدياً ورفض الصفقة، وبدلاً من ذلك عرض على الحكومة صفقته الخاصة، وهي أن تقوم الحكومة بإسقاط التهم كافة، وإلا فإنها ستخاطر بفقدان الأمل في استعادة آلاف من الوثائق السرية للبلاد.

وجاء في كتاب بهاتشارجى ايضاً :“كان ريغان يحاول ابتزاز الحكومة الأمريكية باحتجاز الأسرار، التي كان يأمل ببيعها نقداً، كرهينة لديه“.

وأعربت ليديا جيتشوريك المشرفة على كار، عن مخاوفها، متخيلة التعقيدات التي قد تنجم عن ترك ريغان يفلت من جريمته، ولكن مكتب التحقيقات الفيدرالي فشل في فك رموز التشفير الخاصة بريغان، ما جعله يتراجع عن موقفه.

فقام بترتيب تهريب رسالة إلى زوجته أثناء فترة محاكمته، يطلب منها دفن مجموعة من سلسسلة الألعاب المرحة الخاصة به ومن ضمنها وحدة ”غارمين“ لتحديد المواقع، بالإضافة إلى مجرفة وبعض الخرائط المكتوبة بخط اليد، لجعلها تبدو أشبه بالكنز العملاق ليرثه أبناؤه.

وعندما اكتشف مكتب الاستطلاع الوطني الرسالة، قام بتهديد الزوجة باتهامها بعرقلة سير العدالة، وفي مقابل حرية زوجته وافق ريغان على فك رموز الوثائق المشفرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة