هل يمكن أن تكون بدينًا وبصحة جيدة في نفس الوقت؟

هل يمكن أن تكون بدينًا وبصحة جيدة في نفس الوقت؟

المصدر: صدوف نويران- إرم نيوز

هل يجعلك الإجهاد والتوتر تزداد سمنة، حتى ولو لم تأكل بكثرة، هذا السؤال الذي حاول الباحثون من جامعة كاليفورنيا الإجابة عليه من خلال إعطاء مجموعة من المتطوعين من مختلف الأشكال والأحجام حلاقة شعر مجانية لقياس مستويات هرمون الإجهاد ”الكورتيزول“  في شعرهم.

وتبين أن التوترات على المدى الطويل تزيد من مستويات هرمون الكورتيزول، ووجد الباحثون أن المتطوعين لديهم أعلى المستويات من هذا الهرمون في شعرهم، فهل هذا يعني أننا يمكن أن نعزو سبب السمنة للإجهاد والتوتر، وإذا كان الأمر بهذه الصورة، ما الذي يمكن أن نفعله حيال ذلك؟.

إن الفكرة نفسها ليست جديدة، فهرمون الكورتيزول تنتجه الغدد الكظرية التي تجلس على قمة الكليتين، وتلعب دورًا حيويًا في الإبقاء على مستويات الجلوكوز في الدم في حالة مستقرة، وعندما نتعرض للقلق أو الشعور بالتهديد، ترتفع مستويات الكورتيزول وتطلق كمية أكبر من الجلوكوز المخزن في الكبد، ولهذا يكون لدينا المزيد من الطاقة للقتال أو المضي في حياتنا.

والكثير من الكورتيزول يعني الكثير من الجلوكوز الذي يتم تخزينه على هيئة دهون زائدة في حال عدم استخدامه.

وكان من الصعب قياس مستويات الكورتيزول طويلة الأجل بطريقة أكيدة لأنها تتقلب مع مرور الزمن، وعادة ما يتم قياسها في الدم أو البول أو اللعاب ولكن هذه الدراسة الجديدة تستخدم قصاصات الشعر الأكثر قربًا من فروة الرأس كوسيلة ممكنة لقياس المستويات المتراكمة على مدى فترة شهرين فقط.

ووجد الباحثون أن الأفراد الذين يعانون من السمنة المفرطة مع مؤشر كتلة الجسم يزيد على 30، أو محيط الخصر فوق 102 سم في الرجال و 88 سم في المرأة، لديهم أعلى مستويات من هرمون الكورتيزول.

وأوضحت الدكتورة سارة جاكسون، من معهد علم الأوبئة والرعاية الصحية في جامعة كاليفورنيا:“أن الأشخاص الذين لديهم أعلى مستويات من الكورتيزول في الشعر يمتلكون قياسات خصر أكبر، وهذا أمر مهم لأن حمل الدهون الزائدة حول البطن هو عامل خطر من عوامل أمراض القلب والسكري والوفاة المبكرة“.

ومع ذلك فهناك أسئلة مهمة لم تتم الإجابة عليها، هل يتم تطبيق هذه الأبحاث، التي أجريت على الأشخاص البيض ومعظمهم من المتطوعين الرجال فوق سن 50 عامًا، على مجموعات أخرى؟ وهل ارتفاع هرمون الكورتيزول هو سبب أو أثر من آثار السمنة؟ وهل خفض مستويات الهرمون هو علاج فعال؟ وهل سنتمكن يومًا ما من الحد من المد المتصاعد للسمنة؟ وعلاوة على ذلك، هل هو فعلاً أمر بهذا السوء أن تكون بدينًا؟

قد يشير البعض إلى أن كبار السن الذين يعانون من زيادة الوزن (مؤشر كتلة الجسم 25-30) يعيشون أطول من الأشخاص أصحاب الوزن الطبيعي، وأن كتلة الجسم المثلى هي 27. ولكن ما لا يقولونه هو أن العديد من هؤلاء الأشخاص قابلون للسمنة (مؤشر كتلة الجسم أكثر من 30) مع مرور الوقت.

وقلة ممن قد ينكرون أن السمنة المفرطة ضارة بالصحة، ولا تسبب فقط الوفاة المبكرة، بل هي مقترنة أيضًا بعدم الشعور بالراحة، والثقل، وصعوبة في المشي، وممارسة الجنس، والمشاكل الطبية الأخرى مثل مرض السكري.

فمن الممكن أن تكون بدينًا وبصحة جيدة، تماما مثل الشخص المدخن وغير مصاب بسرطان الرئة، ويمكن للجينات أن تفسر لنا لماذا يتمتع بعض الأشخاص ممن يعانون من السمنة المفرطة، بصحة جيدة، بينما هناك البعض الآخر يعاني من مرض السكري وأمراض القلب.

من جانبه حدد البروفيسور“هاجا كادارميدين“، عالم الجينات في جامعة كوبنهاغن، 3 من الجينات التي يبدو أن لها تأثيرًا على تخزين الدهون حول الجسم في الوركين والفخذين والذراعين، أو طرحها في نظام الدورة الدموية، مسببة لمرض السكري والترسبات الدهنية حول الأعضاء الداخلية مثل القلب والكبد.

ولكن البروفيسور ”جون ماذرز“ من جامعة نيوكاسل، يقول إنه عندما يتعلق الأمر بالسمنة، ”فإن الجينات ليس لها أهمية كما نعتقد، فهناك عدد قليل من الأفراد الذين يعانون من البدانة لديهم حالات موروثة مثل متلازمة (برادر ويللي) التي تسبب ضعف العضلات، وتأخر في النمو وعدم القدرة على التحكم في الشهية، لكن معظم الأشخاص ممتلئي الجسم والذين نراهم في الشارع ليس لديهم نزعة وراثية خاصة بالبدانة“.

ويوضح ماذرز أن الجينات تعمل معظمها على مسارات في الدماغ تؤثر على الشهية والشبع. وقد يبدو، على سبيل المثال، أن يأكل جميع الأطفال في الأسرة الواحدة من نفس الطعام، ولكن يكاد يكون من المؤكد أنه من الصعب معرفة بدقة كمية الطعام التي يتناولها الشخص العادي، ناهيك عن كمية الطعام التي يتناولها طفل“.

ويضيف: ”في الواقع، إن الباحثين يستخدمون تدابير موضوعية لقياس كميات استهلاك الطاقة والغذاء والاعتماد بصورة أقل على يوميات الغذاء المبلغ عنها من قبل اي شخص. ومن المثير للاهتمام، أن الأشخاص النحيفين يميلون إلى الإبلاغ بدقة عن كمية استهلاكهم من الطعام، في حين أن الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن هم أكثر ميلاً إلى التقليل من شأن الكمية التي يتناولونها“.

ولكن هل تتعلق المسألة بكمية ما نتناوله أو نوعية ما نأكله؟ يقول البروفيسور“تيم سبيكتور“ من ”كلية  كنغز“ في لندن:“لتجنب السمنة، نحن بحاجة إلى إيلاء الاهتمام بالكثيرمن الأحياء الصحية في القناة الهضمية (جينات الملايين من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تعيش في أمعائنا). ونحن لا نستهلك الكثير من السعرات الحرارية أو أقل بكثير من الأجيال السابقة، ولكن من الواضح أن الناس في جميع أنحاء العالم تزداد بدانة“.

ويعتقد ”سبيكتور“ أن السبب هو عدم اهتمامنا بالأحياء في داخلنا. وهذا يعني تناول مجموعة من الألياف والخضراوات، بما في ذلك الخرشوف والكراث والبصل والثوم و“البوليفينول“ الموجود في المكسرات، والبذور، والقهوة، والشوكولاته الداكنة، النبيذ الأحمر، زيت الزيتون والتوت، يمكن أن توفر الطاقة للميكروبات، بينما ”البروبيوتيك“ مثل: اللبن والمخلل والملفوف والكيمتشي والميسو التي تحتوي على ”البروبيوتيك“ يمكن أن تعزز الميكروبات.

وتقول ”جاكسون“ إن العلاقة بين الإجهاد وهرمون الكورتيزول والسمنة أمر مثير للاهتمام ولكنها غير مفهومة تمامًا:“نحن لا نعرف ما الذي يأتي في المقام الأول. هل زيادة الوزن هي التي تسبب الإجهاد والتوتر، مما يزيد من الكورتيزول؟ أو أن الإجهاد يزيد الكورتيزول، مما يتسبب بالسمنة؟“.

وفي الوقت المناسب، قد يتم استخدام علاج خفض آثار الكورتيزول لعلاج السمنةإ ولكن في الوقت الحالي، فإن الاعتراف بوجود علاقة بين الإجهاد والسمنة يعني أن هناك حاجة لتعليم تقنيات إدارة الإجهاد والتوتر للجميع، ومن ناحية أخرى، يقول الدكتور ”ماذرز“، إن الحل للحد من السمنة يكمن في إنشاء المباني والشوارع والساحات في الهواء الطلق لتشجيع الأنشطة البدنيةإ إن التدابير التي تتخذها الحكومات لخفض محتوى السكر في الطعام والشراب هي مجرد بداية، ولكنها ليست كل القصة:“لا يوجد هناك فائدة من إلقاء اللوم على الأفراد. لقد وصلنا إلى هذه الفوضى بسبب المجتمعات التي قمنا بإنشائها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com