الساعة البيولوجية حارسة نومنا

الساعة البيولوجية حارسة نومنا

يتم ضبط ساعتنا البيولوجية على وتيرة التناوب بين النهار والليل، فخلال هذا التناوب يتعافى جسمنا من توترات اليوم.

النهار يتلاشى، وتبدأ في التثاؤب، وتشعر بالرغبة في النوم، لا شيء غريبا في هذا، إننا نقضي حوالي ثلث حياتنا نائمين، غالبًا عندما تغرب الشمس، تجمع عبارة "ليلة نوم هانئة" بشكل طبيعي بين هذين المصطلحين: ليل، نوم، مما يوضح أهمية هذه الفترة التي تمثل وقتًا أساسيًا للراحة حتى تكون في حالة جيدة.

إنّ النوم ليلًا أمرٌ منطقي حقًا بالنسبة للكائن النهاري الذي هو نحن، لكن لأيّ أسباب؟، ما هي العمليات البيولوجية في هذا النظام؟.

الساعة البيولوجية تنظم تقريبًا جميع وظائفنا البيولوجية في دورات الضوء والظلام

نحن مبرمَجون لنكون نشطين أثناء النهار ولنرتاح أثناء الليل

وفقًا للتقرير الذي نشره موقع caminteresse، ينظم نومَنا مبدآن رئيسيان، هناك عملية تسمَّى بالانضباط الذاتي، وترتبط بحاجة الجسم إلى الراحة بعد فترة طويلة من اليقظة.

وتوضح الدكتورة كلود جرونفير، عالمة الأعصاب في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية (Inserm) ونائب رئيس الجمعية الفرنكوفونية لعلم الأحياء الزمني هذه العملية قائلة إنها "تشبه إلى حد ما الساعة الرملية (أداة لقياس الوقت) التي تمتلئ، يبلغ الضغط ذروته في المساء، خاصة إذا كنا نشطين خلال النهار، ويتيح النوم قلب الساعة الرملية والبدء من جديد في يوم جديد".

الساعة البيولوجية حارسة نومنا
ما دلالات الكوابيس التي تفسد النوم؟

دور الساعة البيولوجية

بموازاة ذلك هناك عملية أخرى تُعرف بالساعة البيولوجية، التي تنظم تقريبًا جميع وظائفنا البيولوجية في دورات الضوء والظلام، هنا عليك أن تتخيل ساعة تنظم إيقاع سلسلة من الآليات المنتظمة، مثل إنتاج الهرمونات، وهكذا، عندما ينخفض الضوء يطلق دماغنا الميلاتونين.

في هذا الشأن يوضح الخبير كلود جرونفير: "يؤدي هذا الهرمون إلى انخفاض في درجة حرارة الجسم والاسترخاء اللذين يعزّزان الشعور بالنعاس، في الوقت نفسه يتوقف إفراز الكورتيزول الذي يُنشط وظائف الدماغ ويقظتنا أثناء النهار".

وعندما يكون كل شيء على ما يرام تشتغل هاتان الآليتان في تناغم تام، إذ ترسلنا في المساء إلى أحضان النوم في أنسب اللحظات.

لا يكفي أن تغوص في الظلام حتى تغرق في رغبة لا تُقهر في النوم، قائد الجوقة هو ساعتنا البيولوجية
الخبير كلود جرونفير

وهذا ما يوضحه الدكتور مارك راي، رئيس المعهد الوطني للنوم واليقظة ومؤلف كتاب "عندما يوقظنا النوم"، قائلًا: "ينتج هذا الإيقاع عن تكيّفنا مع بيئتنا، فإذا أصبح التكيّف مع الرؤية الليلية غير ملائم فهذا يعني أنّ الكائن البشري قد عطل إيقاعه حول التناوب بين النهار والليل المطابق لدوران الأرض في أربع وعشرين ساعة".

دورتنا مثبّتة على مدار 24 ساعة

ومع ذلك، لا يكفي أن تغوص في الظلام حتى تغرق في رغبة لا تُقهر في النوم، "قائد الجوقة هو ساعتنا البيولوجية"، وحسب الخبير كلود جرونفير، تقع هذه الساعة الداخلية في قلب الدماغ، وتتألف من 20000 خلية عصبية تعمل ذاتيًا داخليًا، أي أنها تنتج إيقاعها الخاص.

هذا ما لاحظه عالم الكهوف ميشيل سيفر في عام 1962 خلال شهرين قضاهما في ظلام دامس في قاع هاوية، بعد انقطاع صلته بدورة الليل والنهار استمر مع ذلك في النوم والاستيقاظ متّبِعًا إيقاعًا قريبًا من أربع وعشرين ساعة، منذ ذلك الحين ثبت أنّ الدورة تختلف باختلاف الفرد من حوالي 23 ساعة إلى 24 ساعةً.

الساعة البيولوجية حارسة نومنا
دراسة تكشف العلاقة بين قلة النوم والإصابة بأمراض القلب

على الرغم من تفرّدنا ومميّزاتنا الشخصية فإننا نظل مقيَّدين بوتيرة الأربع وعشرين ساعة بفضل التناوب بين النهار والليل، "الضوء أقوى من الظلام في مزامنة ساعتنا البيولوجية"، حسب كلود جرونفير الذي أظهر في دراسة حديثة أنّ حدّة الضوء، حتى الضعيفة، تُنشط في أقل من خمس دقائق دماغنا وقلبنا ونظامنا الحراري.

ومن هنا تأتي أهمية تعريض نفسك لضوء النهار وعدم الإفراط في المساء في استعمال الشاشات الغنية بالضوء الأزرق والتي تسبّب حساسية خلايا الشبكية عند التقاطها شدة الضوء.

يعاني بعض السكان من اضطرابات من هذه الآلية البيولوجية، والتي يمكن أن يكون لها تأثير على صحتهم، وبالتالي فإنّ تنظيم إيقاعاتنا يتم بناءً على الضوء الذي تلتقطه شبكية العين، ولذلك يشعر المكفوفون أحيانًا برغبة قوية في النوم أثناء النهار.

وبالمثل يعاني العاملون الليليون أكثر من اضطرابات اليقظة ومشاكل القلب والأوعية الدموية، حيث تتحكم الساعة البيولوجية أيضًا في ضغط الدم.

النوم ليلاً ليس بالأمر البديهي بالنسبة للأطفال حديثي الولادة، دورات نوم الرضيع أقصر من دورات النوم الخاصة بالبالغين

بالنسبة لكبار السنّ تصبح المشكلة مختلفة، في هذا الشأن يوضح الدكتور جرونفير: "لقد ساد الاعتقاد منذ فترة طويلة أنّ الساعة تتسارع مع تقدّم العمر، وتقود المسنّين إلى النوم والاستيقاظ مبكرًا، لكن في الواقع، مع تقدمهم في السن من المحتمل أن يتراكم ضغط النوم بشكل أسرع خلال النهار، مما يفسر سبب ذهابهم إلى الفراش مبكرًا".

الرضيع يتعلم التكيّف تدريجيًا

النوم ليلاً ليس بالأمر البديهي بالنسبة للأطفال حديثي الولادة، دورات نوم الرضيع أقصر من دورات النوم الخاصة بالبالغين، وتتوزع على مدار الأربع وعشرين ساعة، شبكات الرضيع العصبية أثناء اليقظة وأثناء النوم وكذلك ساعته البيولوجية ليست ناضجة، ولا تستقر في وتيرتها الطبيعية إلا تدريجيًا ابتداء من سنّ 3 أشهر.

"تعتمد الساعة البيولوجية على عوامل وراثية، لكن إيقاعات النوم والاستيقاظ لدينا تسترشد أيضًا بالبيئة وسلوك الوالدين"، كما يؤكد ذلك الدكتور راي.

الساعة البيولوجية حارسة نومنا
دراسة: قلّة النوم تقتل الرغبة في مساعدة الآخرين

بعد الأشهر الثلاثة الأولى لا بد من تجنب إثارة الرضيع بتعريضه للضوء الاصطناعي في المساء، ولا بد من عدم تركه في العتمة أثناء النهار، عندما يكبر ستساعده الجداول الزمنية والطقوس المنتظمة على بناء النوم وفقًا للتناوب بين النهار والليل.

إدراكنا ومهاراتنا التحليلية تتضاءل

الليل، وهو الوقتُ الملائم للنوم، قد يصبح في بعض الأحيان مقلقًا، يعترف الدكتور مارك راي قائلاً: "النوم يعني الاستسلام، إنها لحظة ضعف".

في النوم يفسح الواقعُ المجالَ للخيال، مما يؤدي إلى احتمالية القلق، خاصة بين الصغار، الخوف من الوحوش، من الانفصال، من الموت، يسبب صعوبة في النوم.

يضم الخطل النومي Parasomnia‏ مجموعة من اضطرابات النوم التي تترافق عادة مع فرط النوم أو نقصه

وتقول الدكتورة سيلفي رويانت - بارولا، الطبيبة النفسية ورئيسة شبكة "مورفيوس": "في الليل تقل حدة الإدراك والتحليل، لا سيما بسبب انخفاض إفراز الكورتيزول، يمكن أن يؤدي هذا إلى إثارة المشاكل التي قد تشغلنا في اليوم التالي، بالنسبة للأطفال، يمكن أن يكون استخدام ضوء الليل الخافت مفيدًا".

عندما تزعج الاضطرابات ليالينا

يضم الخطل النومي Parasomnia‏ مجموعة من اضطرابات النوم التي تترافق عادة مع فرط النوم أو نقصه، وهي مجموعة من السلوكيات أو الأحداث الغريبة التي تحدث غالبًا أثناء نوم بطيء وعميق، وهو الأهم في بداية الليل.

المشي أثناء النوم والذعر الليلي هما الأكثر شيوعًا، ويؤثران بشكل أساسي على الصغار، وفقًا للدراسات قد يكون ما يصل إلى 20٪ من الأطفال قد تعرّضوا لنوبة من التجوال الليلي، ونسبة 1 إلى 3٪ من حالات الذعر الليلي، ترافقها نوبات هلع وصراخ في عز النوم الكامل.

الساعة البيولوجية حارسة نومنا
تطوير فراش يحفز الجسم على النوم بسرعة

لم يوضح المتخصّصون أسبابها تمامًا، لكن هذه الظواهر تثبت أنّ الدماغ لا ينام نومًا كاملًا كما كان يعتقد سابقًا، إذ تحلل الدكتورة روايانت بارولا هذه الحالة قائلة: "إمّا أن يكون هناك ظهور من نوبات الاستيقاظ غير الكامل، أو انفصال بين مناطق مختلفة من الدماغ، يكون بعضها نائم في مرحلة ما، بينما ينتقل البعض الآخر منها إلى مرحلة أخرى".

هذه السلوكيات يفاقمها الإجهاد والإيقاعات غير المنتظمة، ولكنها تستند أيضًا إلى الاستعداد الوراثي، وقد تستمر في بعض الأحيان في مرحلة البلوغ، فهي مثيرة للانتباه لكن لا داعي للقلق، إلا إذا تكررت، مع الكثير من القلق، أو عرضت الشخص أو من حوله للخطر، في هذه الحالة لا بد من استشارة مهني مختص.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com