التغير المناخي يهدد بتدمير قطاع الزراعة في السودان

التغير المناخي يهدد بتدمير قطاع الزراعة في السودان

المصدر: أحمد نصار – إرم نيوز

تعاني المزارع في ولاية القضارف شرق السودان والملقبة بـ“مخزن الحبوب“، من ظهور تلال من الرواسب والحصى نتيجة لعمليات إزالة الغابات وعدم انتظام الأمطار؛ ما تسبب في زيادة عمليات حفر الآبار للحصول على المياه.

ويشير السكان المحليون إلى تلال الرواسب باسم ”كاراب“ أي: ”شيء عديم الفائدة“، مثلما ذكر العالم البيئي طارق الغمري، وهو يقف على إحدى هذه التلال، ويشير إلى العديد من الحُفر التي أصبحت تحيط بقرية ”وادي حسن“، التي تبعد 45 دقيقة عن عاصمة الولاية مدينة القضارف.

ويقول الغمري منسق مشاريع بالمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بالسودان: ”تغيّر المناخ يؤثر على كمية الأمطار، فإذا كانت غزيرة امتلأت مجاري الأنهار وفاضت بشكل سريع وهذا ما نراه الآن، وتؤدي هذه الفيضانات إلى إفساد التربة ويمكن رؤية القرويين وهم لا يستطيعون زراعة مثل هذه الأراضي لأنها فقدت استواءها“.

في العام 2015، كان مستوى الأمطار في القضارف حوالي 70 ملم، لكن هذا العام وصل المستوى إلى 600 ملم وأكثر، وأدت هذه الزيادة الكبيرة إلى فيضانات مفاجئة وازدياد نسبة التصحر، إذ إنها دمرت الأراضي الصالحة للزراعة.

وتقول عائشة يوسف أحمد من قرية ”سراج النور“ المجاورة: ”في العام الماضي، لم تهطل الأمطار ودمر كل شيء، وأدت موجات الجفاف وندرة الأمطار إلى تدمير المحاصيل والتأثير على الماشية، فالأبقار التي كانت تنمو حتى تصبح كبيرة وقوية، أصبحت الآن هزيلة ويتم بيعها“، ولم تعتقد عائشة أن الإنتاج الوافر والخصب للقضارف سيصبح بهذا السوء.

في حين تجرف الفيضانات الطبقة السطحية للتربة الخصبة أو تحول الأراضي الزراعية إلى أراض غير صالحة للزراعة، وقلت نسبة الفيضانات السنوية على ضفتي النهر التي يعتمد عليها الناس في ري البطيخ، بسبب الحرارة المرتفعة وعملية التبخر وبناء السدود في السودان وعبر حدود إثيوبيا.

يقول أحمد عمر، رئيس قرية واد حسن، وهو يقف على صخرة بجانب المياه، حيث يجدف الرجال في الزوارق لصيد الأسماك التي أصبحت أكثر ندرة: ”اعتدنا على أن يكون مستوى المياه أعلى من ذلك بكثير“.

ولدى أحمد عمر (60 عامًا) سبعة أطفال سيصبح جميعهم مزارعين في ولاية يعمل معظم سكانها بالزراعة، وأكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر.

ويسير عدد قليل من الأطفال لمدة ساعتين، من قرية سراج النور إلى قرية أخرى بها مدرسة، وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى إصابة الأطفال بالإجهاد والدوار، في حين ينام آخرون فور عودتهم من المدرسة، والبعض الآخر يُسمح لهم باللعب في البقع المتناثرة من الظل التي توفره الأشجار الشوكية.

ويقول إدريس محمد عبدالله، رئيس قرية سراج النور، الذي يتذكر وجود العديد من الأشجار في صباه: ”كان الصيف حارًا دائمًا، لكن الشتاء ازدادت حرارته أيضًا عن الماضي، فقد كان الجو أبرد من ذلك، وكانت درجات الحرارة في فصل الشتاء تتراوح من 15 إلى 20 درجة مئوية، عام بعد عام تختفي الأشجار وتتقلص الغابات في حين تكبر مساحة القرية، ونتيجة لذلك زحفت الصحراء والأخاديد نحونا“.

ويتابع ”وبينما تزحف الصحراء نحونا، لن يستطيع الناس العيش هنا، لن يستطيعوا العيش في المكان نفسه، وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد مكان آخر يذهب إليه المزارعون في واحدة من أهم المناطق المنتجة للحبوب“.

ويقول خالد هاشم، إبراهيم المنسق الزراعي للولاية: ”تأثرت السودان كلها بنقص إنتاج ولاية القضارف، بالإضافة إلى أن الإنتاج هنا يُصدّر للبلاد الأخرى، وخاصة البلاد المجاورة مثل إثيوبيا وإريتريا، بالإضافة إلى بلاد الخليج العربي مثل السعودية والإمارات، وهذا الأمر واضح جدًا، خصوصًا إذا ذهبت إلى المناطق الشمالية من الولاية، حيث ستجد العديد من المناطق الزراعية قد تحولت إلى تربة رملية“.

وعلى سبيل المثال، أشار إبراهيم إلى أن عدد سكان قرية بوتانا يتقلص من 72 ألفا إلى 12 ألفا موسميًا، بسبب التنازع على مناطق الرعي أو الخدمات في المدن المتضخمة.

ويقوم برنامج الأمم المتحدة التنموي بتقديم برامج رائدة للتكيف مع التغير المناخي في بوتانا وواد حسن وسراج النور، لمحاولة الحفاظ على التربة الخصبة، ومنع تحولها إلى صحراء، حيث يعتمد المزارعون على مياه الأمطار والحبوب من أجل البقاء على قيد الحياة.

وقد قللت مضخات المياه، التي تعمل بالطاقة الشمسية، من الاعتماد على مياه الأمطار بشكل كلي في الزراعة، وسمحت للمزارعين بزراعة أنواع أكثر من المحاصيل.

ويقول عمر: ”الآن وبسبب هذه الأساليب الجديدة في الري أصبح بإمكاننا زراعة كل أنواع الخضراوات“.

وبين المنازل، يوجد العديد من الحدائق المجتمعية المليئة بالكروم المتشابكة، ويفخر المزارعون بأنه يمكنهم زراعة نوعين من الخيار، ويقوم البعض الآخر بتقبيل بعض الفاكهة التي تمكنوا من زراعتها بعد تركيب مضخات المياه الجديدة.

المشاتل الصغيرة (والتي تتألف من بضعة صفوف من التربة الطينية تحيط بها أسوار من الأسلاك) أصبح يُزرع فيها الآلاف من شتلات الأشجار، وتحيط هذه الشتلات بالمنازل والحقول لحمايتها.

وأدى إدخال غاز البوتان إلى توقف الناس عن استخدام الفحم، في حين يتم فرض غرامات باهظة على كل من يقطع الأشجار التي أصبح الناس يعلمون حاليًا أنها خط الدفاع الوحيد ضد التصحّر.

ويقول إبراهيم: ”إذا لم يبدأ الناس بالعمل من أجل الحفاظ على تربة القضارف، سينتظرنا مستقبل حالك“.

وكانت الحياة مريحة جدًا في ولاية القضارف، في الفترة من سبعينيات القرن الماضي حتى العام 2000، لكن الآن يوجد بعض المشاكل الكبيرة، مثلما يقول خالد هشام إبراهيم مرددًا رأي العديد من المزارعين بأن بعض هذه المشاكل تتمثل في: ”الإنتاجية المنخفضة ودرجات الحرارة المرتفعة والتقلبات الحادة في نسبة الأمطار، وهناك إجماع حول هذه الظواهر“. فضلًا عن المشاكل الصحية المتعلقة بالتغير المناخي مثل زيادة تفشّي الملاريا.

ويتساءل إبراهيم الذي يعمل بالزراعة، بجانب وظيفته الحكومية التي يتقاضى منها راتبًا ضئيلًا، فيما إذا كان عليه مغادرة إحد ىالبقاع الخضراء القليلة في السودان ليبحث عن عمل في العاصمة الخرطوم أو أن يعبر الصحراء والبحار مثل الآلاف الآخرين بحثًا عن حياة جديدة ؟.

ويضيف إبراهيم: ”لا، الخرطوم ليست جيدة، فالأفضل الذهاب إلى بلدان الخليج أو البلدان الأخرى، وربما أهاجر إلى أمريكا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com