الدراما الأردنية.. ارتهان للبداوة والتاريخ وكوميديا بائسة

الدراما الأردنية.. ارتهان للبداوة والتاريخ وكوميديا بائسة

المصدر: عمان- إرم نيوز

لسنوات طويلة خلت، خيم الركود على الإنتاج الدرامي في الأردن، فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تراجع الإنتاج نوعًا وكمًا ولم تفلح كل محاولات إنقاذ هذا الصناعة المهمة في تحقيق تقدم ملحوظ، إذ بقيت محكومة بعقلية تميل للعمل بما تيسر من أدوات الإنتاج الدرامي ولا تدرك حجم المتغيرات في عملية الإنتاج الفني وذائقة المشاهد ودائرة اهتماماته.

وعلى الرغم من هذا المشهد، كان هناك تجارب ملفتة إلى حد جيد من قبل القطاع الخاص، إلا أنها لم تزاحم ما تنتجه دول رائدة دراميًا في العالم العربي كمصر وسوريا.

هذا العام حقق طفرة نسبية في الإنتاج كميًا، إذ يقدم مخرجون أردنيون ثلاثة مسلسلات تاريخية، هي السلطان والشاه لمحمد عزيزيه، ومالك بن الريب  لمحمد لطفي، وسمرقند لإياد الخزوز، إضافة إلى المسلسلات البدوية ومسلسل دراما معاصرة واحد، فضلاً عن أعمال كوميدية يتبناها التلفزيون الرسمي وبعض القنوات الفضائية المحلية.

وفيما كان حضور الدراما التاريخية لافتًا، بعد غيابها لسنوات وتراجع حضورها، استمرت شركات الإنتاج في القطاع الخاص بتقديم الدراما البدوية عبر مسلسلين هما الدمعة الحمراء ووعد الغريب، كما قدم التلفزيون الأردني مسلسلاً بدويًا هو العزيمة،  وهو ما يكرس نمطًا يتسم بالتكرار على صعيد النص والإخراج، فلم يقدم أي مخرج اختلافًا نوعيًا عن السائد.

وعد الغريب: استسهال وتكرار

مسلسل وعد الغريب للمخرج حسين دعيبس، الذي تم الترويج له على أنه علامة فارقة في هذه الدراما،  لم يبتعد كثيراً عن المألوف، فالقصة بدت غير مترابطة والفترة التاريخية التي يتحدث عنها العمل تم التعامل معها على نحو عالٍ من الاستسهال، فمثلاً لم تقدم قصة العمل منطقًا واضحًا لطبيعة الصراع بين الاستعمار الفرنسي والقبائل البدوية، مع غياب البعد التاريخي والتوثيقي الواضح، الذي حاول القائمون إسباغه على العمل، فيما بدا الحوار بين الشخصيات وعظيًا ومباشراً وأقرب إلى المسرح المدرسي.

وحتى الآن لم يجهد كاتب نفسه في بحث إبداعي في عوالم البدو، ليقدم للمشاهد صورة عنهم وعن عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وأساطيرهم وقيمهم، فما يعرض مجرد “كليشيهات” جاهزة تنتقل من مسلسل إلى آخر، و”كاراكترات” أيضًا يتم تغيير أسمائها لتنتقل مع الكاتب من مسلسل إلى آخر.

أما شخصية  المستشرق الإنجليزي الذي يروي الأحداث، فلم تقدم إلا بوصفه راويًا ومحبًا للصحراء، تجاوزت قصة المسلسل ما كتب عن المستشرقين وما كتبوه أنفسهم عن وجودهم في بلاد العرب ودروهم المهم في صياغة التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية.

وفي السياق العام للأحداث، ظهر وكأن الكاتب لا يسيطر على موضوعه ولا يعرف إلى أين تتجه شخصياته التي أوجدها على الورق، فالملامح متشابهة، والحبكة غير متماسكة، ولم يقم بمسؤوليته ككاتب بخلق أكبر قدر من الصراع لجذب المشاهد.

وجاءت قصص الحب في المسلسل، مرتبكة ومفتعلة متكلفة، وكأنها مجرد جزء من خلطة غير منسجمة لتقديم مسلسل تلفزيوني.

أما المخرج حسين دعيبس الذي سجل نجاحات في إخراج الفيديو كليب، فلم يحقق أي تجديد أو تميز على صعيد اللغة البصرية أو الأزياء أو حركة الكاميرا أو أماكن التصوير أو الموسيقى التصويرية، ومن الممكن القول إنه قدم عملاً بملامح سابقة وسائدة وبدأ من حيث بدأ الآخرون ولم ينتهي إلى حيث انتهوا، فافتقد المسلسل هوية فنية خاصة.

لقد ظن صناع المسلسل، أن توليفة المستشرق الانجليزي والاستعمار الفرنسي، كفيلة بتقديم عمل مختلف، إلا أن الرهان جاء بنتيجة عادية ولا نقول أقل حتى لا نظلم العمل، الذي قدم كثير من ممثليه أداءً مميزاً، رغم كل ما اعتراه.

تميز في التاريخ ورداءة في الكوميديا

أمام هذه الصورة، تقدمت وتميزت الدراما التاريخية وبدت أكثر نضجًا من البدوية بمراحل، ويسجل لها التميز في اختيار موضوعاتها والسخاء في الإنتاج، كما أنها لفتت النظر لطاقات فنية محلية ظلمت  كثيراً ولم تأخذ فرصتها عربيًا.

إلا أن هناك عدة مآخذ على مسلسل سمرقند، لعل أبرزها نزعة القائمين على العمل لمحاكاة الدراما التركية والاهتمام بالصورة وحكايات الجواري على حساب المادة التاريخية، وتقديم الشخصيات التاريخية كعمر الخيام والحسن الصباح ونظام الملك بشكل مختزل، وبطء الأحداث في بعض الحلقات.

وعلى النقيض من ذلك، جاءت  الكوميديا بائسة وعلى قدر كبير من التسطيح، عبر أعمال وشخصيات تكرر ذاتها منذ عقود، دون أي تجديد وأي نجاح على مستوى الجماهير والنقاد، فهي لم تفلح في إضحاك الآخرين أو نقل أوجاعهم، ولم تكن سوى إرثًا ممجوجًا من الكوميديا غير الجذابة التي عفا عليها الزمن.

 هذا العام أيضًا، شهد إنتاج التلفزيون الرسمي لعمل درامي معاصر واحد، للمخرجة رولا حجي هو “دقة قلب”، وتدور أحداثه حول شاب بسيط يتم إيداعه في إحدى مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية.

وتتناول  قصة المسلسل الأسباب التي أدت إلى ذلك، بالإضافة إلى قصة الحب التي نشأت بينه وبين إحدى الفتيات، والتي تحاول مساعدته في الخروج من مأزقه.

ويسجل للقائمين على المسلسل المحاولة للخروج من حالة الارتهان للدراما البدوية والتاريخية التي طبعت الإنتاج الدرامي في الأردن عبر عقود طويلة.

من الواضح أن الصورة الحالية للإنتاج الدرامي في الأردن، مع استثناء الأعمال التاريخية المتميزة نسيبًا، لن تكون كفيلة بتحقيق انتشار أوسع للفن الأردني يتجاوز حدوده الضيقة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع