”سينما باراديسو“ الجمال الإيطالي الخالد

”سينما باراديسو“ الجمال الإيطالي الخالد

المصدر: إرم - مهند الحميدي

يُعدّ الفيلم الإيطالي ”سينما باراديسو“ من روائع السينما العالمية، ولطالما ألهم صناع الفن السابع، وصنفه النقاد كملحمة سينمائية قلّ نظيرها، كما قلده الكثير من المخرجين.

ويتناول الفيلم (إنتاج 1988) مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بلغة سينمائية بسيطة، وأدوات واقعية معبرة، من خلال عيون طفل يتيم يعشق السينما، وينشأ في صالة تشغيل البكرة السينمائية، ليعيش يومياته؛ التي اختلطت فيها مشاعره بين الفرح والحزن والعشق.

ويقدم المخرج ”جوزبيه تورنتوري“ من خلال الفيلم، قراءة واقعية لذاكرة مدينة صغيرة فقيرة في صقلية -جنوب إيطاليا- عن طريق الأحداث التي تدور داخل صالة العرض السينمائي، وما يتخللها من علاقات وإسقاطات، وربطها بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية؛ من سيطرة رقابة المؤسسة الدينية، إلى هيمنة رأس المال المُحدَث.

ويحتل الفيلم المرتبة 74 في موقع IMDB لأفضل 250 فيلماً، وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل فلم أجنبي لعام 1989، كما فاز بجائزة ”الغولدن غلوب“ لأفضل فلم أجنبي، وحصل على جائزة أفضل ممثل لدور رئيسي، وأفضل ممثل مساعد؛ حصل عليها الطفل ”سلفادور“، وأفضل فيلم أجنبي، وأفضل موسيقى أصلية للموسيقار ”أنيو موريكون“، وأفضل نص أصلي لـ ”تورنتوري“ في جائزة ”البافتا“، وتم ترشيح الفيلم لست جوائز ”بافتا“ أخرى.

 واستخدم ”تورنتوري“ في الفيلم تقنية الاسترجاع أو ”الخطف خلفاً“، إذ يعود سلفادور الأربعيني بالذاكرة إلى طفولته، إثر اتصال تلقاه من والدته بعد 30 عاماً، لتبلغه بوفاة صديقه العجوز ”ألفريدو“، ليشاطرنا حنينه إلى حقبة البراءة، معبراً عن صعوبة التأقلم مع الواقع.

 وتمرّد المخرج على السينما التقليدية معتمداً على تقنيات جديدة موظفاً الزمن في خدمة الفكرة، ومتحرراً من الخضوع لمقاييس الزمن الخارجي، وذلك عبر الولوج والتعمق في العوالم الداخلية للشخصية، وتناول الكيفية والطريقة الخاصة التي تتفاعل فيها الذات الإنسانية مع الزمن.

وساهمت تقنية الاسترجاع في ملء الثغرات المتعلقة بتاريخ الشخصية وماضيها وذكرياتها من جهة، بالإضافة إلى دورها في الكشف عن العوالم الداخلية والنفسية، التي مكنت المشاهد من فهم وتعليل الحوادث ومسبباتها، على ضوء استيعابه لطبيعة الشخصية المتأزمة ودوافعها.

وتصور مرحلة الطفولة تعلق ”سلفادور“ بالسينما، وعلاقته المميزة مع صديقه الكبير ”ألفريدو“ -الذي يعمل في غرفة عرض الأفلام في السينما- ليجد ”توتو“ فيه تعويضاً عن الأب الراحل، ويجد ”ألفريدو“ في ”توتو“ الابن الذي لم يحظ به أبداً، لتنشأ علاقة صداقة مميزة بين شخصيتين مختلفتَين تماماً، لا يجمعهما سوى الشغف السينمائي.

ويقسم الفيلم إلى ثلاثة مراحل؛ توتو (سلفادور) الطفل، وتوتو المراهق، وتوتو الرجل.

وتختلط مشاعر المشاهد في الفيلم بين الحزن الشديد، والبكاء، والفرح، كما لا تغيب في الفيلم المشاهد الكوميدية.

ويصوِّر الفيلم أهالي القرية -الذين يجدون في صالة السينما متنفساً لهم- كأسرة واحدة كبيرة، يجمعهم الهم المعيشي، وكأن ما يحدث خارج قريتهم يخصُّ كوناً آخر.

ويمجد الفيلم، الفن السابع، ويصوره كمؤرشف للأحداث التاريخية، ومؤطر للمشاعر البشرية.

”سينما باراديسو“؛ مدرسة فنية بحد ذاته، بعيدة عن عباءة هوليود، والنظرة الأمريكية الاستهلاكية والمشوهة للجمال، التي تحاول تسويق الحلم الأمريكي الوهمي، إنه عبارة عن تُحفة تخرج المشاهد من المفهوم الضيق للبطل الأمريكي، وتقدم له وجبة سينمائية دسمة ثقافياً، بعيدة عن الوجبات الهوليودية السريعة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com