مصطفى خليفة: القوقعة شهادة عن الرعب والإرهاب في سجن تدمر

مصطفى خليفة: القوقعة شهادة عن الرعب والإرهاب في سجن تدمر

المصدر: إرم- فاتن حمودي

بالعودة إلى كتاب مصطفى خليفة ”القوقعة“ بعد أن انسحب النظام السوري من تدمر تاركا المكان للبديل الظلامي ”داعش“، وجاعلا سوريا كلها  ملعبا للموت..

تمنى خليفة صاحب رواية “ القوقعة“ في حوار معه بعد سقوط تدمر ”أن يكون  تحرير سجن تدمر على يد ثوار سوريين  لا بيد (داعش)، والتي  ستجعله سجناً آخر، و بكل الأحوال فإن أية خسارة لعصابة الأسد ستكون بشكل أو بآخر لصالح الشعب السوري، فالسقوط هنا يمكن اعتباره سقوط رمز سلطة آل الأسد وجبروتها“.

وحول إنسحاب جيش النظام من تدمر أشار خليفة إلى الأمر بتحطم القوقعة قائلا:“ القوقعة  تحطمت منذ انطلاق شرارة الثورة الأولى، أما القوقعة التي قبع فيها بلدنا طوال نصف قرن فآمل أنها ستتحطم قريباً“.

وكان الرواية قد كشفت عن  العذاب الذي تعرض له المعتقلون السياسيون في سوريا  من عذاب مدمّر وقهر مدروس، وذل ممنهج لـ 15 سنة، قضاها خليفة في تدمر وكان معه خيرة المثقفين السوريين، وهو رجل القانون، والناشط السياسي، الذي دفع ضريبة مواقفه ثمنا غاليا من عمره.

وأضاف الكاتب عن سجن تدمر:“ في سجن تدمر الصحراوي قضيت آلاف الليالي، وعشت أياما متلصصاً على العزلة والموت البطيء والقهر والإذلال، وعذاب روحي وجسدي بدأ مع دخولي إلى ذلك السجن، ولم ينتهي إلا مع خروجي، فالحرية مسلوبة ومغتصبة من قبل النظام السوري“.

وقال خليفة عن  الحلم الذي كان يراوده  في سجن تدمر:“إن الحلم  الوحيد  للسجين أن يخرج منه حياً، لأننا كنا معرضين  للموت في كل لحظة، سواء  تحت التعذيب، أو نتيجة الأمراض داخل السجن، وهناك أسباب تفوق الخيال  للموت في هذا السجن، الذي يعتبر أسوأ سجن ليس في سوريا فقط إنما لا يوازيه بتصوري إلا المعتقلات النازية، لا بل قد يتفوق عليها بتحطيمه لمن فيه“.

وفي وقفة سريعة عند بطل الرواية ”مصطفى“، فقد أراده  الكاتب أن يكون مسيحيا، كنوع من التغريب والمفارقة، وهو ما جعل القرّاء يظنون بأن الكاتب مسيحي، وحول هذه التوليفية يقول خليفة:“في الرواية عملت توليفة بين قصتي وقصة سجين آخر، لأن في السجن توجد الكثير من المفارقات المشابهة، فإن التهمة التي توجه لمسيحي بأنه من الإخوان المسلمين مفارقة غريبة، إلا أن الواقع كان أكثر مرارة، مفارقة غبية تقود بصاحبها للسجن لسنوات، يعاني المرارة“.

ويتابع الروائي :“ هناك اضطر بطل الحكاية أن يحفر لنفسه قبراً خاصاً يتقوقع فيه، ولا يرى العالم سوى من ثقب صغير في الحائط، فهل انتهت حكايات هذا السجن، أم أنها بدأت ، وإلى متى ستشكل هذه المنصة البقعة الملطخة بالسخام في تاريخ سوريا وناسها؟ .. الدماء اليوم  تغطي كامل المساحة السورية، لقد عمم الأسد ما كان يمارس داخل أسوار السجن على كل سوريا، يالها من حقبة فوق الوصف والخيال، حقبة حالكة السواد، ونقول غاشية حتى أوقات أخرى، كل سجين اليوم ميت، آلاف الأسماء من شباب  وشابات سوريا في حكم الغيب، هنا في نظام القوقعة، التي هي كما قال عنها الكاتب الياس خوري“  استعارة لسورية كلها، استعارة لآلية نظام قائم على سوء التفاهم بين الدكتاتور والشعب“.

و أضاف خليفة :“ في تدمر رسم الديكتاتور ملامح تألهه، عبر سحق الناس كأنهم حشرات، تصوري فقط، سجين يجبر على ابتلاع فأر! وسجانون تحولوا إلى أدوات للجريمة، تتلذذ بالقتل والتعذيب، وانحلال أخلاقي لامثيل له ، وهو مانراه اليوم في سوريا كلها“.

وكانت رواية القوقعة قد تميزت باللغة البسيطة وانسيابية السرد، وهو ما يمنحها بعد المصداقية ويقربها أكثر من القارىء، وفي هذا الصدد يقول الكاتب:“ قصدت البساطة، لأنها تفصح عن حالنا على لسان بطل  الرواية  مصطفى و الذي كان يتساءل : ”ما نهاية كل هذا ؟… ماذا سيفعلون بنا ؟… هل هي مقدمة لمجزرة جديدة ؟… هل سنعود ثانية الى مهجعـنا“ ؟!. لا كلمة، لا صراخ، لا شتيمة، صمت مطبق لا يخدشه إلا صوت خطوات الشرطة وهي تتمشى حولنا، حتى أيديهم التي يحملون بها الكرابيج والعصي دسوها في جيوبهم وبرزت العصي وتدلت الكرابيج من هذه الجيوب“.

ويجدر بالذكر أن أدب السجون أدب جديد على المكتبة العربية، دخل إليها في النصف الثاني من القرن الماضي، بسبب سيادة الأنظمة الشمولية، لاسيما في العراق وسوريا، ولا يخلو هذا الأدب من قسوة وعنف وتعذيب، وعكس تجارب حقيقية عن السجن.

وعلى صعيد الأدب تعتبر ”القوقعة“ للروائي السوري مصطفى خليفة أفضل عمل روائي عن عذاب سجن تدمر، الذي استمر حضوره في الأدب الروائي السوري مع رواية فواز حداد الأخيرة “ السوريون الأعداء“ التي صدرت عام 2014، والقوّقعة حسب خليفة، هي الرعب والإرهاب الذي كان يقوقع به النظام من كان في سجن تدمر.

6909334

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com